تحقيقات

الرقيب نائم”… ” القانون لا يطبق” …و التونسي  فريسة ” بارونات ” الاحتكار

مراسلة بيدر من تونس .

الرقيب نائم”… ” القانون لا يطبق” …و التونسي

 فريسة ” بارونات ” الاحتكار

 

بقلم : جيهان غديرة

 

 

يعشق بعض الناس وهم كثر الاصطياد في الماء العكر واستغلال الظروف القاهرة ليعيثوا فساداً.

ففي الوقت الذي يحشد فيه العالم بأسره إمكاناته الأمنية والاقتصادية والعلمية … لتطويق جائحة كورونا ينتهز بعض المهرّبين في تونس الفرصة لاحتكار المواد الأساسية، وتهريب المستلزمات الطبية  واضعينا أمن التونسيين الغذائي وحياتهم على المحك …  لكن الاحتكار هذه المرة تجاوز كل هؤلاء ليطال بعض من رجال الدولة  اللذين لم  يراعوا المشاعر ولم يلتفتوا إلى نبضات  الضمير…  حسب ما كشفته الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تقرير مفصل نشرته في الغرض. كما ان جدية الظاهرة دفعت رئيس الجمهورية قيس سعيد  لتطرق لها خلال اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 31 مارس 2020، معتبرا ممارسات المحتكرين ترتقي إلى جرائم حرب، في تطابق مع موقف  رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي اعتبر أن المحتكرين هم “متلاعبون بقوت التونسيين” و الحكومة ستضرب بقبضة حديدية على يد كل من يستغل الأزمة .

التونسي بين مطرقة الوباء  وسندان الأسعار ” الجنونية “

 

مع بداية انتشار فيروس كوررنا المستجد في تونس و منذ الاعلان عن اول اصابة مؤكدة بالفيروس،  برزت مشاهد غريبة ، لعل من أبرزها صفوف  المنتظرين أمام المحلات التجارية الكبرى و الصيدليات و محلات الخضر والغلال   للتزود قدر الإمكان خاصة من مادتي

” السميد و الفرينة ” ، تحسباً لما قد تخفيه الأيام القادمة وتستدعيه مجريات الأمور…  مشاهد تعودنا رايتها  في نشرات الأخبار من الدول التي تعاني المجاعة أو الحروب، إلا أنه بات مألوفة اليوم في تونس بسبب لهفة المواطنين من جهة وارتفاع أعداد المحتكرين  الذين  استغلوا  حاجة الناس الملحة  للحياة، فاستثمروا فيها … من جهة ثانية .

” لو كان وباء كورونا للبيع و الربح لاحتكروه و باعوه ” هكذا قالت عزيزة  عاملة فلاحية ظهرت علامات البؤس والتعب على ملامحها فهي تعاني الفقر و الخصاصة و تفتقد إلى كل المواد الأساسية في منزلها ، و تعمل رغم الحجر الصحي العام لتوفير الأمن الغذائي للمحتكرين “مجرمي الحرب” و للشعب التونسي في حين لا يتوفر عندها و لو “كيلو سميد” على حد تعبيرها.

عموما ارتفاع الأسعار وتنامي ظاهرة الاحتكار والمضاربة على بعض السلع لم يثر احتجاج وغضب المواطنين فحسب، بل شمل التجار وأصحاب المحلات، حيث أشار أحد تجار المواد الغذائية  ان ” مسؤولية ارتفاع الأسعار ونقص كمية السلع المعروضة لا تقع على كاهل أمثالنا، بل نحن بالكاد نسجل هامشا طفيفا من الربح فالمتسببون في الأزمة هم الموزعون الكبار، لذلك   قررت عدم شراء بعض السلع لأنها باتت محل مضاربة ومزايدة .”

اما العم على تاجر خضر وغلال  فقد اكد أنّ من يرفع الأسعار هم الوسطاء وهم  الذين يكسبون أرباحا تقدّر بأضعاف ما يكسبه الفلاح أو تاجر التفصيل، مضيفا أنّ لا أحد يحدّد الأسعار سوى الوسطاء.

أمام كل هذا الهلع الشعبي وحالة الفوضى التي تعمّ الأسواق، دعت منظمة الدفاع عن المستهلك إلى ضرورة الالتزام بالهدوء وتجنب اللهفة على السلع والإبلاغ عن المخالفين والمحتكرين. واشار رئيس المنظمة سليم سعد الله،  إلى أن التجار والمضاربين غالباً ما يستهدفون المواد المدعمة لتحقيق هوامش ربح أكبر. لكنه أفاد أن العرض متوفر ولا يدعو إلى القلق .

و في هذا الصدد يقول  رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك  لطفي الرياحي ان تشكي المواطن من ارتفاع اسعار المواد الغذائية على اختلاف اصنافها في محلات بيع المواد الغذائية والمساحات التجارية الكبرى  يعود بالأساس الى ان المستهلك يعتبر الحلقة الاضعف نتيجة اهتراء مقدرته الشرائية . ويعتبر محدثنا ان ارتفاع اسعار عديد المنتوجات يعود بالأساس الى سيطرة المضاربين على السوق وتحكمهم فيها . مؤكدا انه  لابد من وضع حد لنزيف ارتفاع الاسعار و غلق المنافذ امام المحتكرين  .

كما اعتبر ان استغلال الوضع للترفيع في اسعار المواد الغذائية والخضر والغلال محمي بقانون التجارة الحرة ولا احد يمكنه الحد من ارتفاع الاسعار الا عن طريق وزارة التجارة.

” مافيا المضاربين “:  يحتكرون المواد الغذائية ويرفعون الأسعار وينشرون الفوضى في الأسواق

 

يمكن تلخيص الاحتكار في العمل غير النزيه حيث يعرض المحتكر كميّات محدودة من المنتوج موضوع الاحتكار في السوق لفرض السعر والترفيع فيه وأمام قلة العرض يصعد السعر ، ثم يقوم بعد ذلك بترويج بقيّة الكميّات خارج المسالك القانونية بأسعار أقلّ من سوق الجملة ويوزّعهــا بأسعار لا تخضع إلى العرض والطلب. هذا ما اكده لنا محمد ( اسم مستعار ) صاحب شركة لبيع المواد الغذائية بالجملة ومسؤول محلي في النظام السابق ” “بارونات الاحتكار”  يسعون دائما إلى تطبيق سياسة تعطيش السوق وطرح كميات قليلة من السلع حتى يشعر المستهلك بعدم توافرها  في السوق،  لفرض السعر والترفيع فيه وأمام قلة العرض يصعد السعر ، ثم يقوم بعد ذلك بترويج بقيّة الكميّات خارج المسالك القانونية بأسعار أقلّ من سوق الجملة ويوزّعهــا بأسعار لا تخضع إلى العرض والطلب … ”

فللاحتكار شبكات منظّمة تتكوّن من منتجين ووسطاء ومخزّنين ومروّجين يتمّ الاتفاق بينهم لاعتماد هذا الأسلوب لتحقيق أوفر الأرباح. وهي شبكات قطاعية في الغالب لذلك تختلف الشبكات والأطراف المتدخّلة باختلاف المنتوجات .  ” المنتوجات الفلاحية لها مسالك معيّنة والصناعية لها مسالك أخرى … لذلك من الصعب تفكيكها بسهولة  ” حسب تعبيره

ويستدرك  محمد بالقول، ” هذا راجع لغياب الدولة  و فشلها في ضرب المحتكرين والمستغلين بيد من حديد ، نتيجة المحاباة  في تطبيق القانون عندما يتعلق الأمر برجال الأعمال … ”

ان المعضلة في تونس نظريا تحتكم الدولة فى مؤسسات وقوانين وبرامج قادرة على ترشيد الأسعار وتحقيق نوع من التوازن في العرض والطلب  ويحدّ من جشع المضاربين والمتاجرين إلا أن الواقع عكس ذلك تماما باعتبار أن تلك البرامج والقوانين كثيرا ما تبقى حبرا على ورق .

يضيف محدثنا ” للأسف القوانين في تونس  حبرا على ورق بعد أن كانت  تصطدم أولا في فترة حكم الرئيس السابق بمجموعات الضغط التي يديرها أشخاص مقرّبون من السلطة وثانيا بعد الثورة حيث فقدت الدولة هيبتها وتقلّص دور المؤسسات و اقتصرت المسألة على الوعود والخطابات الرنانة  . ” مشيرا الى ان ” الفوضى التي شهدتها ولازالت تشهدها مسالك التوزيع وجود مافيا حقيقية تشكّلت من رحم مجموعات الضغط التي يقف وراءها رجال أعمال ومقرّبين من السلطة السابقة وحتى أفراد من عائلة الرئيس السابق الذين اعتمدوا طرقا وأساليب ملتوية تمكّنوا بفضلها من السيطرة على مسالك الانتاج والتوزيع ولازالت هذه العصابات تنشط الى حدّ اليوم وهو سبب مباشر في ارتفاع الأسعار ”

وحسب مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة حسام التويتي  فان الاحتكار يمسّ خاصّة ثلاثة قطاعات : أوّلا المنتوجات الفلاحية والبحرية وتعتمد هذه المجموعات المتكونة من  مضاربين ووسطاء ومحتكرين الى شراء المحاصيل من الفلاح مباشرة بأسعار زهيدة ثم يقومون بتخزينها وتسريبها بكميات معينة تجعل من الطلب أكثر من العرض ومن ثمّة ترتفع أسعار تلك المنتوجات بفعل تهافت المستهلكين عليها والحقيقة أن الضحيّة الأولى لهؤلاء المحتكرين والمضاربين هي الفلاح والمستهلك . أمّا القطاع الثاني الذي ظهر فيه الاحتكار فهو التبغ . التي برزت فيها شبكات احتكار وأصبح هناك تهافت على كراء رخص تجارة التبغ في محلاّت الفواكه الجافّة وبيعه بأسعار مرتفعة غير قانونية ويتعلّق القطاع الثالث بتوزيع الموادّ المدعّمة وخاصّة منها الزيت النباتي ، السكّر ، الحليب و الدقيق . وبما أنه يمنع استعمالها صناعيا ومهنيا فقد برزت شبكات احتكار تحوّل وجهة المواد المدعّمة من الاستهلاك الأسري إلى الاستعمالات المهنية غير المشروعة في الصناعة  والخدمات خاصّة و التهريب …

وبخصوص سؤالنا عن مدى توصّل الرقابة إلى كشف شبكات الاحتكار و كبار المحتكرين

و الوسطاء ، يشير التويتي  إلى أنّه يصعب التعرّف إلى بارونتها لأنّ  الشّخص الذي تكتشف مصالح المراقبة تورّطه في ممارسة احتكارية يتحمّل وحده تبعات القضية رغم أنّه يمثّل حلقة من حلقات الشبكة ولا يكشف عن بقيّة أفراد الشبكة لحمايتهم وهكذا يستطيع أن يعود إلى العمل معهم بعد قضاء عقوبته، مضيفا أنّ قليلة هي الحالات التي تمّ فيها كشف الشبكة كاملة، وبالتالي تواصل تلك الأيادي الخفية نشاطها الاحتكاري بعد إفلاتها من الرّقابة.

 عندما يصبح الاحتكار ثقافة تكون  الأرقام مفزعة

مع اشتداد الأزمة الصحية وارتفاع أرقام الإصابة والوفاة بوباء كورونا في تونس ، بدأت أزمة أخرى أشد فتكا وتهديدا للأمن الغذائي لتونسيين  تمثلت في جشع فئة من التجار والموزعين للمواد الأساسية الذي أدّى إلى تسجيل ارتفاع مشط في أسعارها، حيث تدخلت الحكومة من أجل إعادة التوازن إلى السوق وضبط الأسعار على وجه الخصوص . وقد نشرت وزارة التجارة بلاغا يوضح النتائج التي توصلت إليها على امتداد الفترة الأخيرة و منذ غرة مارس إلى الان  من القيام ب 65529  زيارة رقابية استهدفت مخازن عشوائية و تسجيل 8298 مخالفة تتعلق بالترفيع في الأسعار والاحتكار والتلاعب بالمواد المدعمة والإخلال بشفافية ونزاهة المعاملات … حيث حجزت فرق المراقبة الاقتصادية أكثر من 90 ألف كمامة طبية و 125 ألف قفاز طبي واقي

و 2700 علبة “جال” معقم لليدين أثبتت التحريات إخفائها للتلاعب بأسعارها بعد ارتفاع الطلب عليها.

كما أحبط أعوان المراقبة الاقتصادية عمليات تلاعب بالمواد المدعمة و محاولة  استغلال لهفة المواطنين و اقبالهم المتزايد على شراء و تخزين المواد الغذائية حيث تم في هذا الشأن حجز أكثر من 100 طن من السميد والدقيق المدعم و 5 ألاف لتر من الزيت النباتي ، إضافة إلى 2 طن من الخضر و28 ألف علبة تبغ. وفق ما اوردته وزارة التجارة.

واستنادا الى ذات المصدر فان فرق المراقبة الاقتصادية رصدت تلاعبا بأسعار الأكواب الورقية حيث تم حجز 185 ألف كوب ورقي في إطار عمليات رقابة  وذلك عقب قرار منع استعمال الكؤوس في المقاهي.

ان العمليات الأمنية التي أطاحت بالمحتكرين والمتلاعبين بالأسعار عديدة ومتنوعة وشملت أيضا كلّ ولايات الجمهورية تقريبا، فقد قررت الوزارة تبعا لذلك توجيه 83 قرار منع التزويد بالمواد المدعمة وغلق  32 محلاً تجاريا إضافة إلى إيقاف 195  محتكرا وإصدار احكام قضائية   بسجن عدد من المتورطين في احتكار مادتي الدقيق والسميد لفترات تترواح بين العامين إلى الأربع سنوات، والغرامات التي بلغ أقصاها 100 ألف دينارا. كما تم عزل معتمدين والتحقيق مع آخرين بجرم الاحتكار.

و حسب ياسر بن خليفة مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية صلب وزارة التجارة ان عدد المحاضر التي حررتها فرق المراقبة منذ بداية مارس إلى الآن في اطار مكافحة الممارسات التجارية المخلة بالنظام التجاري و التي تغذيها المخاوف من انتشار فيروس “كورونا”  تبلغ  4802 محضر ومخالفة  منها 34 محضر ضد صيدليات لم تحترم مقرر تسعير “معقم اليدين”

و اعتبر بن خليفة أن الفضل في تحقيق هذه النتيجة يعود إلى أعوان المراقبة التابعين لوزارة التجارة، إذ ورغم عددهم المحدود الذي لا يتجاوز 600 عون، إلا أنهم يقومون بجهد جبار لضبط الأسواق ومحاصرة المخالفين.

و إلى جانب مجهودات وزارة التجارة، وضعت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد رقما أخضر على ذمة المواطنين للتبليغ عن مظاهر الاحتكار والتلاعب بالأسعار .

 مافيا الاحتكار تذبح  الزوالي و موظفو دولة  متورطون في شبهات فساد

 

في كل أزمة يظهر أثرياء جدد يستغلون الوضع إما بالتحيل على القانون أو باستغلال الثغرات القانونية  وضعف الرقابة . وقد مثلت الحرب على كورونا مناخا ملائما للمحتكرين والمستكرشين لكن الادهى تورط رجال الدولة في تفقير المواطن وتجويعه عوض خدمته. على غرار ما تم الكشف عنه من قبل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد  ، من استغلال مسؤولين محليين و جهويين ويعينهم في ذلك أعوان الأمن المكلفون  بمنع  الاحتكار ووضع أيديهم على كميات كبيرة من المواد المدعمة  وبيعها خارج الأسعار القانونية  مستغلين ارتفاع الطلب عليها وشحها في مسالك التوزيع المنظمة. اضافة الى شبهة استغلال نائب أقسم اليمين  بالبرلمان وصاحب شركة لبيع المواد الغذائية بالجملة بولاية القصرين لصفته من أجل احتكار مادة الدقيق المدعم والترفيع في سعره .
كذلك أكدت الهيئة تلقيها إشعارات بخصوص تواطأ وتستّر عمد و مسؤولين محليين و الجهويين في عدد القرى، عن أطراف تتولى احتكار وخزن الدقيق والعلف المدعّم وبيعهما بأسعار غير قانونية … و في هذا الاطار قال المستشار القانوني للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد فوزي الشمنقي، ” انّ التجاوزات والمخالفات المبلّغ عنها ارتبطت ب 1000 موظّف و5 ألاف تاجر و700 شركة تجارة بالجملة و200 صيدليّة، موضحا أنّ 60 شخصا ممن تمّ التبليغ عنهم وتعلّقت بهم شبهات فساد لهم صفة مُنتَخب، أي أنهم أعضاء بمجلس النواب أو أعضاء مجلس بلدي كما صرح من جهة أخرى، بأن الهيئة أحالت 100 ملف على القضاء . ”

 

 

ان حالة التطبيع الواضحة مع الفساد المحمي بأذرع ولوبيات متعددة في مختلف القطاعات  لم تكن دافعا لبروز إرادة سياسية حقيقية لمحاربته بمعزل عن الحسابات الضيقة والاستثمار السياسي لصناع القرار الذين تعاقبوا على الحكم .

حيث  اعتبر رئيس الجمعية التونسية للحوكمة معز الجودي في تصريح لــنا ” أن الفساد أصبح معمّما بعد الثورة نتيجة التراخي في تطبيق القانون وضعف المحاسبة واستشراء الرشوة  وهو مناخ ساهم في تشجيع المستكرشين على استغلال جائحة الكورونا لمحاولة الإثراء غير المشروع على حساب قوت التونسيين وهو ما يستدعي تطبيق ترسانة القوانين الموضوعة للغرض بكل صرامة ودون تمييز . ”

مشيرا إلى ضرورة تفعيل المسائلة القانونية والإدارية للفاسدين  لموظفي الدولة وتدعيم الترسانة التشريعية للضرب على أيادي المتلاعبين بقوت التونسيين . ” فلا يمكن انهاء الاحتكار والفساد الا عبر محاسبة الفاسدين وتفكيك منظومة الفساد.”

الإحتكار جريمة  تعري ضعف الجانب الردعي في القانون التونسي

بالرغم من محاولات السلطات وضع حد لممارسات المحتكرين والمضاربين والحيتان الكبيرة ، إلا أن هذه الأزمة فتحت الباب بمصراعيه أمام نقاش حول مدى جدية التشريعات التونسية في التعامل مع هؤلاء. خاصة و أنّ العقوبات التي يسلطها القانون التونسي على المحتكرين هي عقوبات بسيطة ولا تتلاءم مع حجم الجريمة التي يقومون بها   .

 

خلال حديثه عن تعاطي أجهزة الدولة مع الأزمة الصحية بسبب تفشي فايروس كورونا المستجد قال الرئيس التونسي قيس سعيّد، إن “من يحتكر المواد الغذائية يجب أن يعاقب كمجرم حرب”.

وكذلك اللهجة ذاتها تحدث الياس الفخفاخ رئيس الحكومة بان الرد سيكون قاسيا وقويا على المحتكرين . غير ان  هذا الخطاب لا يتماشى مع النص القانوني عدد 36 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 المتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار وأمام هذا الوضع الخطير دعت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الجهات الرسمية إلى التعجيل بمراجعته وتنقيحه ، في اتجاه التشديد في العقوبات سواء المالية أو السجنية وسحبها على كل المخالفات المتعلقة بالتلاعب بالأسعار وبتراتيب الدعم والمضاربة والممارسات الاحتكارية، كالعمل على ضرورة تركيز قاعدة بيانات لجمع المعطيات والبيانات المتعلقة بكبار المحتكرين بغرض اضفاء النجاعة المطلوبة في المحطات الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

لكن و رغم إصدار رئاسة  الحكومة للمرسوم عدد 10 منذ 17 افريل المنقضي  الذي يتعلق بضبط أحكام خاصة لزجر مخالفة قواعد المنافسة والأسعار و يشدد العقوبات على كل من يحتكر ويتلاعب بالمواد الغذائية . والذى ينص على عقوبة سجنية بـ3 سنوات وخطية مالية ب300 ألف دينار ضد شخص يتعمد احتكار المواد الاستهلاكية ويتلاعب بالمواد المدعمة، اضافة الى عقوبة غلق المحل 6 أشهر وفي حال العود تصبح سنة كاملة وفي صورة تكرار المخالفة يتم الغلق النهائي.

لكن  مجرمي الحرب لا يزالون مواصلين في احتكار مادتي السميد والفرينة بصفة  خاصة وفق ما أفادنا به محسن الدالي مساعد وكيل الجمهورية ورئيس وحدة الإعلام والاتصال بالمحكمة الابتدائية بتونس الذي افاد ايضا ان هناك عددا هاما من المخالفات و الإيقافات حتى بعد صدور المرسوم ، حيث تمت الاطاحة بمجرمي حرب في كل من ولاية سيدي بوزيد ، نابل ، تونس القصرين  …

كما ان الأرقام والتحركات الأمنية في التصدي لهؤلاء المحتكرين في مختلف ولايات الجمهورية  دليل على تواصل عمليات الاحتكار حيث تمكنت مؤخرا الوحدات الامنية من الكشف عن عمليتي احتكار الأطنان من مادتي القرينة والسميد وغيرها من المواد الغذائية المدعمة، كما تم  الاحتفاظ بالمتورطين بعد اذن النيابة العمومية ، اذن  فالعقوبات المضمنة في المرسوم ضرب بها عرض الحائط .

من جهته  اعتبر الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان  ،  أن هذه الظاهرة تدل على عجز الدولة التي لا تستطيع سوى إطلاق الوعود ولا تنفذها و ربما وراءها أهداف سياسية حسب تقديره لان الدولة لديها القنوات لمنع ظاهرة الاحتكار والمضاربة في جميع الحالات  فالمراقبة موجودة والدولة تعرف كبار المحتكرين والوسطاء  و قد أعلنت عنهم مرارا هيئة مكافحة الفساد . لكن حملات الحكومة للحد من الاحتكار والمضاربة، تعتبر مجرد إجراءات  تقوم بها أجهزة الرقابة من فترة إلى أخرى …

فقد كشفت زيارة الشاهد  سابقا إلى السوق المركزية بالعاصمة، عن عمليات احتكار منظمة منذ سنة تقريبا ولكن إلى اليوم لم نر محاسبة للمخالفين أو نتائج ملموسة للتقليص في الاحتكار والمضاربة وإنما اقتصرت المسألة على الوعود والخطابات الرنانة .
لذلك فإن فشل الحكومة في مقاومة الاحتكار وباروناته يؤكد أن الحرب على الفساد التي أعلنتها الحكومات السابقة  لم تكن إلا شعارا والدليل ما نعيشه يوميا  كما يؤكد سعيدان  ” أن الفساد الذي خصصت لمكافحته وزارة ووزير دولة وهيئة وطنية وغيرها من اللجان أصبحت ثقافة لها أركانها في تونس فما يقوله وزير التجارة منذ بداية الأزمة لم يكن في الحقيقة إلا ترويجا للوهم فوزارته فشلت في السيطرة على الأسعار وفي مقاومة الاحتكار وفي توفير المواد الأساسية ليس في القرى والمدن الداخلية فقط بل في ضواحي العاصمة وفي مساحات كبرى. ”

وفي الختام يبقى الاحتكار الذي تمارسه شبكات ” مافيوزية ” أحكمت سيطرتها على مسالك توزيع العديد من المواد، من أخطر الظواهر التي تضرّ بمصالح الاقتصاد الوطني وتهدّد مباشرة الطاقة الشرائية للمواطن ، في خرق صارخ للقانون المنظّم للمنافسة وللأسعار، ليجد المستهلك نفسه بين مطرقة توفير الغذاء وسندان الأسعار الخيالية و هو ما يحتاج إلى حرب حقيقية للتصدي له . خاصة و ان توفير المواد الأساسية والسيطرة على الأسعار هو الحد الأدنى الذي يطالب به المواطن وهو ما عجزت عنه الحكومة إلى حد الآن فهل يحتاج توفير المواد الأساسية إلى معجزة؟

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com