مقالات

«هدايا ملغومة» في عيد العمال … والسياسيون يستنجدون بـ«المؤثرين»!

بيدر ميديا.."

«هدايا ملغومة» في عيد العمال … والسياسيون يستنجدون بـ«المؤثرين»!

 الطاهر الطويل

ليلة الاحتفال بعيد العمال العالمي، شوهد رؤساء النقابات المغربية عبر شاشات التلفزيون وهم مبتهجون منشرحون، حتى كادت ضروس العقل تظهر من خلال الكاميرات. أليس اللقاء برئيس الحكومة كافيا لإشاعة السعادة في النفوس، وإعطاء الشعور بأن كل مشكلات البلاد والعباد قد حُلّت وذهبت إلى غير رجعة؟
اللقاء بالرجل الثاني في الدولة سبقته «مسافة تسخين» أعدّتها إحدى النقابات العمالية الرئيسية، حيث دعت مناضليها إلى تفادي التظاهر السلمي في الشوارع، بمناسبة العيد الأممي، وقدّمت ألف ذريعة وذريعة لذلك: تصادف المناسبة مع عيد الفطر، حيث تسافر العديد من الأسر لصلة الرحم بأقاربها (مع أن عيد العمال العالمي كان سابقا لعيد الفطر) واستمرار الإجراءات الاحترازية المرتبطة بفيروس «كورونا»؛ والحال أن هذه الإجراءات اختفت تماما من ملاعب كرة القدم والمقاهي والمراكز التجارية واللقاءات الحزبية والمساجد والحمامات وغيرها… فكيف يُطلب من العمال عدم الخروج إلى الشوارع للتعبير عن مطالبهم المشروعة، والحال أن كل الفضاءات العامة غاصّة بالناس؟ كما أن مبرر «الحجر الصحي» الذي رُفع طيلة عامين لمنع التظاهر في الشوارع لم يعد صالحا اليوم.
لقاء النقابات مع رئيس الحكومة رافقته تغطية إعلامية مكثفة في القنوات التلفزيونية والإذاعية والمواقع الإلكترونية والصحف الورقية، وبذلك حُرم الكادحون والموظفون من تخليد يوم العمال بالشكل الحضاري الذي يرونه مناسبا؛ أو على الأقل التنفيس عن معاناتهم مع ظروف العمل وقساوة العيش، عبر رفع حناجرهم بالشعارات والمطالب.
إنه «اتفاق تاريخي»؛ هكذا جاء الوصف على لسان الحكومة والنقابات في نشرات الأخبار. وهو الكلام الذي ردده أيضا «المحللون» الجاهزون لقول أي شيء في بلاتوهات التلفزيون. أما محتوى هذا الاتفاق فينطبق عليه المثل العربي «تمخض الجبل فولد فأرا». قيل إنه تقررت الزيادة في الرواتب الدنيا للموظفين، وذلك على مرحلتين، الأولى هذه السنة والثانية العام المقبل. لكن، ما قيمة هذه الزيادة؟ إنها نسبة 5 في المئة مكررة. ومن ثم، فالموظف المقهور ذو الراتب الهزيل لن يفرح سوى بأقل من ثلاثين دولارا إضافية، لا تكفي حتى لسداد فاتورة الاستهلاك المنزلي من الماء والكهرباء؛ في الوقت الذي تشهد فيه أثمان المواد الاستهلاكية ارتفاعا صاروخيا يفوق كل التوقعات، بمبرر وباء «كورونا» وحرب «أوكرانيا».
وبينما تحاول الحكومة إظهار كونها عاجزة عن إيقاف تلك الزيادات الصاروخية في الأسعار، كما تتفادى الرفع من رواتب الموظفين والعمال بنسب مشرّفة، تكتفي بذرّ الرماد في العيون وإطلاق وعود فضفاضة لا أثر لها في الواقع. لكن المخجل أن تجد السند من النقابات العمالية التي ساهمت في تقديم «الهدايا الملغومة» للكادحين والكادحات.
أطرف «هدية» تمخض عنها جبل «الاتفاق التاريخي» بين الحكومة والنقابات، هو الفرع من قيمة التعويضات المالية العائلية عن الأبناء «الرابع» و»الخامس» و»السادس» في القطاعين العام والخاص. وبغض النظر عن هزال نسبة هذه الزيادة، فالغريب في الأمر هو التنصيص على الأبناء ما فوق الثلاثة. والحال أن الأزواج المغاربة اليوم لم يعودوا ينجبون أكثر من هذا العدد غالبا. كما أن الحكومات المتعاقبة اعتمدت لسنوات عديدة سياسة «تحديد النسل» وأوصت بها المواطنين، وشجعت جمعيات مدنية على التخصص في هذا المجال؛ عملاً بتوصيات المنظمات العالمية والبنك الدولي.
ومن ثم، يحق لنا أن نتساءل: هل الرفع من التعويضات عن الأبناء «الرابع والخامس والسادس» يندرج ضمن السعي إلى «الإكثار من نسل الأمة» مثلما يردد السلفيون؟!

أوهام وفقاعات!

يعتقد عدد من السياسة المغاربة الحاليين أن الظهور المتكرر في وسائل الإعلام يقوّي صلتهم بالمواطنين ويعضد خطابهم السياسي. والعكس هو الصحيح، ذلك أن مختلف التصريحات التي يطلقونها تفضح زيف مواقفهم وتبرز تناقضاتهم، ما بين وعود براقة كانوا يرددونها خلال الحملات الانتخابية التي سبقت استحقاقات أيلول/ سبتمبر المنصرم، وما بين الخطاب التبريري التسويفي المُهادن الرائج منذ تولّي المناصب الحكومية.
إنهم يتصورون أن ذاكرة المغاربة قصيرة. ومن ثم، نجدهم يتنكرون للالتزامات التي شكلت عنصر إغراء في برامجهم الانتخابية الأخيرة، وفي مقدمتها الرفع من رواتب رجال ونساء التعليم، وتوفير الوظائف لشريحة عريضة من الشباب، ورصد منح لكبار السن المحالين على المعاش، وتقديم مساعدات مالية للأسر الفقيرة من أجل تعليم أبنائها.
ويبدو أن بعض أعضاء الحكومة لم تكفهم القنوات الإعلامية ولا المواقع الإخبارية لتلميع صورتهم، بل إنهم صاروا يستنجدون بمن يُطلق عليهم «المؤثرون» من أجل إنتاج خطاب ترويجي لهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي. والحال أن الدافع المتحكم في جل المؤثرين المغاربة هو الجانب المادي فقط، أما المؤمنون بنبل المواقف الثابتة والمنحازون فعلا إلى صف الطبقات الشعبية الكادحة، فإنهم ينأون بأنفسهم أن يصيروا أبواقا لتمجيد أوهام السياسيين وفقاعاتهم.

بريق النجومية!

وهم آخر يتبدى من خلال وسائل الإعلام، يتجسد في سلوك بعض الممثلين والممثلات الذين ما إن يصعد نجمهم خلال عمل تلفزيوني ما، حتى ينتفخوا كالطاووس ويدب الغرور بين أوصالهم، وتردده ألسنتهم وتفضحه تصرفاتهم.
إحدى هؤلاء الممثلات أخذتها العزة بالإثم، إلى درجة أنها أمست تصادر حق الناس في الاختلاف وفي نقد الأعمال الدرامية التلفزيونية، وتشير عليهم إن هم لم يعجبهم عمل ما بأن يطفئوا التلفاز أو يغيروا الوجهة نحو قناة مغايرة!
وأخرى تنكرت لزملائها في عمل مسرحي، وأصبح شغلها الشاغل هو البحث عن الأضواء، ولو عبر «سيلفيهات» توزعها في الفضاء الافتراضي، أو عبر صور تجمعها بالمعجبين والمعجبات!
النجومية أو الشهرة سلاح ذو حدين، إما يقربك من قلوب الناس، أو يتحول إلى ظاهرة مرضية تقيم سدود النفور بينك وبين الآخرين.

مسلسل على مقاس السيسي!

أبى عبد الفتاح السيسي إلا أن يحتفل بنفسه يوم عيد الفطر المبارك، لكنه غلّف الاحتفالية بشكل جماعي، إذ استدعى «أبطال» مسلسل «الاختيار3» لتكريمهم ضمن موائد امتلأت بما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات، وتسابقت القنوات التلفزيونية المصرية إلى نقلها.
للتدقيق أكثر، فإن الأبطال الفعليين للمسلسل ليسوا هم الممثلون أو السيناريست أو المخرج أو الفنيون؛ بل البطل هو السيسي ذاته، لأنه ـ كما قال الإعلامي معتز مطر في قنانته الافتراضية ـ تدخّل بنفسه في آخر لحظة، وعمل على تعديل قصة المسلسل وأحداثه وفق طريقته الخاصة؛ ليبدو أشبه ما يكون بسيرة ذاتية له.
الهدف المركزي للعمل الدرامي كان تبرير الانقلاب العسكري على حكم «الإخوان». وكما لو أن السيسي لم يكن في قرارة نفسه مقتنعا بتلك المبررات، لذلك أقسم بأغلظ الأيمان ليصدقه الناس، حيث قال مخاطبا فريق العمل: «والله إن ما قدّمتوه هو الحقيقة» !

 كاتب من المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com