مجتمع

في ليبيا والمغرب: حكايات «يوم القيامة» والحياة تغلب الموت!

بيدر ميديا.."

في ليبيا والمغرب: حكايات «يوم القيامة» والحياة تغلب الموت!

مريم مشتاوي

 

حين فتحت عينيها لم تجد بلدتها ولا بيتها ولا بيوت أقربائها، ولم تعثر على جيرانها. خرجت لتمشي فوق الجثث. هنا كانت تنام أختها وأبناؤها، وهناك كان يرقد أخوها.
كانت أيامها قبل دقائق من الفيضان تضج بالحياة. كان لها أهل يحبونها وأصدقاء تضحك معهم وهي تحتسي فنجان قهوتها. حتى فنجان القهوة الصغير جرفته المياه إلى البحر.
الموت هو سيد الأمكنة في درنة الليبية. الدمار على مد النظر. تقف سيدة ليبية على أطلال منزلها وهي ترفع عينيها نحو تلة من الركام بعيدة. تلة تحاول أن تلتف حول نفسها علها ترفع أشلاءها، ولكنها تهزم أمام كثرتهم. ففي درنة تتكاثر رياح الرحيل وتتمايل بمفردها!
تتنهد سيدة من هناك، وكأنها تلتقط آخر أنفاسها لتروي لنا قصتها: قعدنا نتشاهد وبس، ونقول «لا إله إلا الله. اللي تسجد واللي تدعي. يعني مأساة. لا أحد يعلم بحالنا سوى الله. كأننا عشنا يوم القيامة. يا خسارة درنة وعربها يا خسارة. الناس شالهم السيل. وشال أختي وصغارها وهم راقدون بالحوش. يا رب ألطف بينا يارب. فقدنا درنة كلها. انقلعت من جذرها العمارات. خلاص درنة ما فيها حد. ما تشوف حد».
وعلى مقربة من تلك السيدة، امرأة أخرى تبحث بين قطع الخشب وترفع الحجارة بكل قوتها باحثة عن جثة أو أثر، ولو صغير لأفراد أسرتها. تبكي وتشهق وتناديهم: «يا تيم. يا يزن. ويا لقمان. ويا سلمى. ويا تماضر». لكن لا أحد يجيبها. تتعثر بدموعها وهي ترفع صوتها إلى السماء صارخة: «يا ربي يا عائلتي أين أنتم؟ يا ربي حتى واحد يارب. يا ربي حتى جثة يا ربي»؟
ليس هناك خسارة أكبر من خسارة مدينة كاملة بكل ما فيها. ومن بقي فيها على قيد الحياة هو أكثر موتاً ممن رحلوا. فكل كائن يتنفس فوق تلك الأرض الحزينة يموت ألف مرة في اليوم الواحد. يموت مع كل ذكرى عابرة فوق الركام. ومع كل رائحة يحاول التقاطها وتهرب منه نحو المغيب. مع كل أمل انطفأ وتزيد عتمته مع مرور الأيام.
وهنا نستعيد كلمات جبران خليل جبران: «ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء. كلما رحل صديق مات جزء وكلما غادرنا حبيب مات جزء. وكلما قتل حلم من أحلامنا مات جزء. فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة فيحملها ويرحل».
هل بقت أجزاء تنبض في جسد أمهات درنة المفجوعات أو من بقي على قيد الحياة من أهلها؟ وكيف سيعيشون بعد فقدان كل ما لديهم؟
درنة اليوم هي بمثابة مدينة أشباح. شبابيك مفتوحة على أسرار أصحابها على ثرثراتهم الماضية. لقد نامت المدينة نومها العميق. ولكن متى يستيقظ أهلها؟ متى يخرجون من أعماق البحر لينفضوا غبارها ويرفعوا بيوتها فتضحك من جديد؟

الحياة أقوى من الموت

ومن ليبيا إلى المغرب، وتحديداً إلى المناطق التي ضربها الزلزال ودمر أغلب معالمها. إلى مناطق تهب من الموت لتستعيد أنفاسها. لقد برهن المغاربة أن الحياة أقوى من الموت. هكذا تهاتفوا وتكاتفوا، بالرغم من الوجع والآلام، لنجدة أهلهم. وقد نبت أبطال حقيقيون ليؤكدوا أن المحبة الحقيقة ممكنة وأن الأخوة بين الناس ليست شعاراً عابراً. من بين هؤلاء الأبطال مسعفون لم يأبهوا الموت ولم يخشوا سقوط الركام عليهم، رغم كل الهزات الارتدادية وصعوبة المهمة. لقد عملوا ليل نهار لإخراج العالقين من تحت الحجارة. كانوا يبتهجون ويفرحون مع خروج كل ضحية على قيد الحياة. يرصدون أنفاس الناس ويعدونها. يحملون الأطفال الناجين برفق وحنان وفرح وكأنه ميلاد جديد ويركضون بهم إلى سيارات الإسعاف. وحين يتعبون من الحفر والتنقيب ينامون في أماكنهم ليعاودوا العمل وهم في سباق مع الزمن.
حكايات كثيرة مؤثرة وأبطال كثيرون، ومن بينهم سيدة عجوز أثرت برواد التواصل الاجتماعي وتناقلوا صورتها على صفحاتهم في السوشيل ميديا. كانت تمشي ببطء وهي تتكئ على عصاها بيد وبيد أخرى تحمل غالون زيت ثقيل من مونة بيتها لتقدمه لمتضرري الزلزال. تتقدم ببطء شديد. ورغم ذلك لم يمنعها سنها الكبير ولا التعب ولا المرض ولا صعوبة التنقل من مساندة أبناء وطنها.
لقد جسدت معاني المحبة والأخوة والتضامن والتعاطف بكل أبعادها في مشهد واحد. فكم أصاب الصغير أولاد أحمد حين كتب:
كتبتُ، كتبتُ..
فلم يبق حرف
وصفت، وصفت..
فلم يبق وصف
أقول إذاً،
باختصارٍ وأمضي:
نساء بلادي
نساءٌ .. ونصف
إن المغرب تقاوم الموت بصلابة أهلها وعزيمتهم. وها هي تستأنف الدراسة من داخل الخيام متحدية كل الصعوبات، بعد أن أغلقت المدارس أبوابها لعشرة أيام.
وكذلك ليبيا ستشعل أنوارها وتستعيد قوتها عما قريب وتنهض لتلهم العالم.
إن بلادنا لن تموت. قد تنام قليلاً لتستعيد قوتها ثم تصحو من رمادها وتحلق من جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com