مقالات

حسقلوها…

بيدر ميديا.."

علي حسين

كان ساسون حسقيل وزير المالية في العهد الملكي الذي مر على رحيله ” 90 ” عاما ، شخصاً مدهشاً حقاً. شاب ذكي ينتمي إلى طبقة الأغنياء، يهيئه أبوه لتسلم تجارته الواسعة، لكنه يتركها ليدرس القانون ومن ثم الاقتصاد ويتقدم في العمل السياسي ليصبح أحد أعضاء مجلس النواب إلى أن يصبح أول وزير مالية في الدولة العراقية الناشئة،

 

 

ثم وجهاً سياسياً يجادل نوري السعيد في معنى الديمقراطية، ويغضب الملك بسبب مراقبته مخصصات البلاط، ويمنع ياسين الهاشمي من استغلال منصب رئيس الوزراء في إثارة الخلافات السياسية، ويحسقل الموازنة من أجل أن يجعل من الدينار العراقي الحديث الولادة، أكثر عافية من الجنيه الإسترليني

ما الذي كان يغيظ هذا السياسي البارع؟، إنهم أصحاب الخطب الرنانة. ويذكر مؤرخو سيرته أن حسقيل كان رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، وفي إحدى الجلسات احتدم النقاش حول قضية مالية، فقام أحد النواب وبدأ يخطب بطلاقة وبلاغة وأطال في الكلام، وكان كلاماً جميلاً يدور حول كل شيء إلا المال والاقتصاد، فضاق ساسون ذرعاً به وقاطعه قائلا: “خطبتك هذه ما توكل الناس خبز” .

مسلسل الخطباء الذين ابتلينا بهم، أصابنا جميعاً بالحيرة، فحتى هذه اللحظة لم نتوصل إلى تحديد ماذا يريدون، الجميع يتحدث عن التغيير مثلما يخبروننا كل مرة ، ولكن بشروطهم ، نجدهم ليل نهار يصرخون بانهم عازمون على التغيير، يقولون لك إنهم عاكفين على إعداد الرؤية، والرؤية تريد وقتاً والوقت يحتاج إلى صبر، والصبر مفتاح الفرج، والفرج لا يتم إلا بانتقال ” ابو مازن ” من السيادة الى عزم ، او باستعادة واحدة من خطب ابراهيم الجعفري الذي لا ندري بأي أرض يخطب الآن.

ولأننا متأكدون من أن أبطال “التغيير” لن يتركونا في حالنا، يطاردوننا في الفضائيات وعلى واجهات الصحف كل يوم يصرون على جعلنا جزءاً من الأحداث على طريقة مسلسلات الواقع، وليذكروا الناس أن لا خيار أمامهم سوى التسمّر أمام شاشات التلفزيون، لمتابعة مقاطع كوميدية ، وحوار لا يخلو من طائفية مقيتة .

لن يكتب للتغيير النجاح في ظل خطب الساسة وعنجهيتهم وانشغالهم بالتوازن. كسبت الشعوب الحية المنافسة بالأشياء البسيطة في الحياة، الرفاهية، العدالة، والتسامح، أما نحن، فمكسبنا الوحيد خطابات مصنوعة بدول الجوار .

تشكل تصرفات مسؤولينا وسياسيينا إدانة أخلاقية ليس لجوهر العمل السياسي فقط، بل للكيفية التي يتعامل بها البعض مع مفهوم ادارة مؤسسات الدولة،أصبحنا نقرأ ونسمع عن مسؤولين فاسدين وظفوا موازنة دوائرهم لمنافعهم الشخصية، وغادروا من غير أن يتركوا منجزا واحدا يذكر الناس بما يجري ، فقط رفعوا شعار ” حسقلوها ” في وجه المواطن

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com