ثقافة

ما بعدية السرد: من التكتل إلى التوسع.

بيدر ميديا.."

ما بعدية السرد: من التكتل إلى التوسع

نادية هناوي

 

ساهم التعدد في توجهات منظري السرديات ما بعد البنيوية في ظهور مدرسة جديدة في التنظير السردي هي المدرسة الأنكلوأمريكية التي رأت في السرد مشروعاً علمياً ينفتح على ميادين معرفية متعددة وليس مجرد نظرية جمالية. وهذه التعددية في التوجه والممارسة، جعلت منظري علم السرد الأنكلوأمريكيين ـ على عكس منظري السرد ما بعد البنيوي ـ يتوحدون في أغراضهم وإن كانوا متنوعين في مناهجهم ومتباينين في الأدوات التي بها يكتبون دراساتهم النظرية وأبحاثهم الإجرائية.
وشكّل بعض نقاد مدرسة شيكاغو جزءا مهما من هذا المشروع العلمي، فلم يعودوا فرادى كما كانوا قبل عقود، بل هم الآن يشتغلون كخلية بحثية متعددة المشارب واللغات والجنسيات والثقافات، مشتركين في مشروع موحد اللسان ناطق باللغة الإنكليزية، لكنه غير موحد الجغرافيا. وإذ حرص منظرو السرد البنيوي على تدشين مفاهيم صارت من كثرة تداولها قارة، فإن منظري علم السرد تقصدوا التجريب، من أجل خلخلة ثبوتية المفاهيم البنيوية وتأكيد لا صلاحيتها أو بالأحرى عدم مضاهاتها لما يطرحونه هم من بدائل نظرية تصب في باب علم السرد الذي أعطوه توصيفا يؤكد تلك القصدية في الخلخلة والتصادي فسموه (علم السرد ما بعد الكلاسيكي) ووصفوا نظريات السرد البنيوية، وما بعد البنيوية التي جاء بها المنظرون الروس والفرنسيون والتشيك والألمان بـ(علم السرد الكلاسيكي).
وليست التسمية ذات أهمية بالنسبة إلى المنظرين السابقين؛ فتأسيس النظرية السردية هو شكلاني بامتياز، لكن التسمية مهمة بالنسبة إلى المنظرين الجدد، لأنهم بها يدللون على هويتهم كمنظرين مطورين، غايتهم أن ينفضوا عن السرد عباءته الكلاسيكية، كي يلبسوه عباءتهم ما بعد الكلاسيكية.
ولا خلاف في أن المطابقة بين الاسم والمسمى ضرورية حين يأتي الاسم توصيفا لشيء اكتمل وصار ظاهرا ومميزا بحدود معينة، بينما لا مطابقة دلالية حين يأتي الاسم مستبقا المسمى الذي هو غير مكتمل البناء بعد. فالوليد الذي يسميه والداه باسم، لا يكون شرطا أن يدل الاسم عليه حين يكبر، إذ قد يكون سلوكه مطابقا لاسمه وقد يكون على عكس ما يعنيه اسمه. إن تسمية المنظرين الأنكلوأمريكيين مشروعهم بـ(ما بعد الكلاسيكي) كانت غايته توصيف سابقيهم بأنهم كلاسيكيون بكل ما تعنيه مفردة الكلاسيكية من التأسيس الثابت والإتباع التقليدي والسير على منوال قديم. وهو ما جعل المنظرين الموصوفين بالكلاسيكية يرفضون التسمية، من خلال عدم تداولهم لها في دراساتهم، وكيف يكونون تقليديين وهم الذين أحدثوا ثورة فكرية في عالم النقد الأدبي، وقلبوا موازين القوى من نظرية الرواية إلى النظرية السردية، ومنها إلى نظريات السرد كما لم يثبتوا عند البنيوية، بل توجهوا بقوة نحو ما بعد البنيوية؟! ولا نكاد نجد منظّرا بنيويا ينظر إلى الاسم (البنيوية) على أنه هوية، بها يتميز عن منظر آخر غير بنيوي، بدليل أن كثيرين منهم تركوها واتجهوا إلى ما بعدها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن مفردة (البنيوية) بقيت وصفا لحقل معرفي ذي نظام لغوي منطوق له دال ومدلول، فلم تتكتل مدرسيا بأي شكل من الأشكال لتكون منهجا أو نظرية، والمفارقة أن هذا الحقل نفسه وذاك النظام عينه، هو الذي عليه اشتغل المنظرون الأنكلوأمريكيون. وإذا كان البنيويون قد رأوا أن السرد هو الأساس في التجاور مع حقول أخرى معرفية، فإن منظري علم السرد نظروا إلى السرد بوصفه حقلا يتمازج مع حقول مختلفة في ضروبها الأبستمولوجية ومسائلها المعرفية وغير المعرفية. وهكذا توسع النظر الأنكلوأمريكي إلى النظام السردي فشمل الأنظمة غير السردية التي تنتمي إلى العلوم الصرفة والصناعية والاتصالية والفنون التشكيلية وغيرها.

ولا خلاف في أن المطابقة بين الاسم والمسمى ضرورية حين يأتي الاسم توصيفا لشيء اكتمل وصار ظاهرا ومميزا بحدود معينة، بينما لا مطابقة دلالية حين يأتي الاسم مستبقا المسمى الذي هو غير مكتمل البناء بعد.

وانطلق هذا التوسع النظري من حقيقة أن النظام السردي ابتكره الإنسان منذ الأزل ومارسه بأشكال شتى، لكن النظر النقدي التجريدي هو الذي جعله مقننا ومحددا بدءاً من أرسطو حين تحدّث عن التخييل وحدّد قواعد المحاكاة ووظائفها وأغراضها، وصنّف القوالب التي فيها تصب المادة الأدبية، شعرا كانت أم حكاية كأقوال لفظية تحاكي فعلا واقعيا محاكاة تخييلية، ويحتمل في هذه المحاكاة أن الفعل وقع وانتهى، أو هو حاصل ومستمر أو هو سيحكى لاحقا، حسبما يريد الشاعر أو السارد إبلاغ رسالته إلى السامع أو المتلقي. من هنا كان التوسع الذي قصده علماء السرد ما بعد الكلاسيكي توسعا ما بعد أرسطي، أي مختلفا عن التقييدات التي التزم بها علماء السرد البنيوي من ناحيتي نظرية المحاكاة وقانون الاحتمال الأرسطي.

إن هذه القصدية في التوسع جعلت منظري السرد ما بعد الكلاسيكي يتوجهون نحو مناطق لم يولها علم السرد البنيوي أهمية أو لم يقف عندها البتة. فعكفوا هم على الدخول إلى تلك المناطق ودرسوا الروايات والقصص التي أهملها ذاك العلم. وقد مرَّ علم السرد ما بعد الكلاسيكي خلال الثلاثين عاما الماضية بمرحلتين مختلفتين: الأولى بدأت مبكرة مع منظري ما بعد البنيوية كتودوروف وغريماس، وبلغت الذروة عند جيرار جينيت مع بعض الأسماء الأخرى مثل، ستنزال وميك بال وسيمور جاتمان وجيرالد برنس وسوزان لانسر. والمرحلة الثانية كلاسيكية توضحت مع تنظيرات ديفيد هيرمان، الذي أضاف إلى علم السرد (ما بعد الكلاسيكي) إضافات قيمة، طورت النظرية السردية وصعدت بمسألة الانفتاح النصي للسرد إلى مستويات أبعد بكثير مما كانت قد وصلت إليه تهجينا وتداخلا ما بين علم السرد والعلوم الإنسانية والصرفة على تنوعها. فتوسعت حقول السرد وصارت علميته مولدة لعلوم فرعية ولكل علم نظريته السردية وتوجهاته وتوسعاته الخاصة، وصار كل فرع علمي منتجا لسلاسل جديدة من التخصصات، هي بمثابة رد فعل على انغلاقية علم السرد البنيوي وكاستجابة لانفتاح الدراسات الثقافية.
واشتغل هيرمان ومونيكا فلودرنك وإسنجار ننونغ على ربط السرد بعلوم العقل، بينما اشتغل بيتر بروكس وكامبرس على ربط السرد بمناهج التحليل النفسي، وتخصصت روبين وارهول 1989 وسوزان لانسر 1992 بعلم السرد النسوي، وتخصص براين ريتشاردسون وجان إلبر وهنريك سكوف نيلسون بعلم السرد غير الطبيعي، وعملت ليندا سيزر 1988 ونانسي أرستمونغ ولوراند ننهاوس 1993على الجمع بين السرد والدراسات الثقافية، وجمع إنسجار ننونغ 1997 علم التاريخ بالسرد، وجمعت مونيكا فلودرنك 1996 البلاغة بالسرد، ودرس واين بوث وهايدن وايت السرد والأخلاق كعلم واحد، وجمع فيلان ورابينوتيز الميديا بالسرد.
واشتهرت في علم السرد ما بعد الكلاسيكي نظريات، منها نظرية العوالم الممكنة ونظرية السرد الرقمي ونظرية السرد المضاد ونظرية السرد غير الأدبي. ولم يعد هناك اهتمام بالثنائيات، بل صار التركيز على النظرية والممارسة في دراسة السرد وتحديد تقاليده الحديثة، سواء في دراسة علاقة السرد بالقصة، أو علاقة الخطاب بالتكلم من ناحية من يتكلم who speaks؟ أو في استبدال مصطلح التبئير لجينيت بوجهة النظر لبرسي لوبوك، وتحديدا وجهة نظر الشخص الأول أو في إعطاء القارئ دورا وتحديد المسافة السردية بين المؤلف والسارد والمسرود له، والقارئ الضمني والمؤلف الضمني. ووضع جيرالد برنس قاموسا بالمصطلحات السردية، واهتم تشامان 1978 بالقصة والخطاب والسرد الفيلمي وهو أول ناقد يبحث في علاقة التمثيل بالتحبيك من ناحية السارد السينمي 1990.
وغدت دراسات علم السرد ما بعد الكلاسيكي تصب في خانة الدراسات ما بعد الكولونيالية، وتفيد من الأطروحات الفلسفية كأطروحة بول ريكور (الزمان والسرد) 1984 حول علاقة الكتابة التاريخية بالتخييل السردي، واطروحة هايدن وايت (المتخيل التاريخي) 1973 حول تحبيك الخطاب التاريخي.

كاتبة عراقية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com