منوعات

الفوتوغرافيا والآخر في أعمال المغربية ليلى العلوي.

بيدر ميديا.."

الفوتوغرافيا والآخر في أعمال المغربية ليلى العلوي

جنفييف غيتيم | ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف

 

تسلط هذه الدراسة التي نقدم ترجمتها العربية الضوء على تجربة الفنانة الفوتوغرافية المغربية ليلى العلوي، التي ولدت في باريس عام 1982 واغتالتها يد الإرهاب عام 2016 في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو أثناء إنجازها لمهمة خاصة بمنظمة العفو الدولية. وتسعى الأكاديمية الفرنسية جنفييف غيتيم التي تعمل أستاذة للفنون التشكيلية في جامعة أورليانز غرونوبل الفرنسية إلى تكثيف السمات الدالة على تجربة الراحلة ليلى العلوي في الفوتوغرافيا، من خلال تركيز دال على مشروعها الفوتوغرافي الشهير «المغاربة» الذي احتضنه البيت الأوروبي للفوتوغرافيا في باريس قبل شهور من رحيلها المأساوي. تابعت ليلى العلوي التي كانت تقيم بين مراكش وباريس وبيروت دراستها في المغرب قبل أن تنتقل إلى نيويورك لدراسة علم الاجتماع والفوتوغرافيا في جامعتها. وبدا تأثرها واضحا بأفكار إدوارد سعيد وطروحات تيار ما بعد الاستعمار؛ وهو ما جسده بقوة كتابها الفوتوغرافي «المغاربة».

النص:

يقدم العرض الفوتوغرافي الكبير «المغاربة» الذي أنجزته ليلى العلوي عام 2015 بورتريهات بمقاييس طبيعية لأشخاص مجهولين ينتمون إلى مختلف الجماعات القبلية والعرقية للمغرب. وهو المشروع الأخير الذي انتهت منه الفنانة الفوتوغرافية قبل وفاتها. وقد احتضنه البيت الأوروبي للفوتوغرافيا في باريس في نهاية عام 2015. يحتفي هذا العرض بالتعدد الثقافي والإنساني لبلد تعرفه جيدا؛ إذ كان أبوها مغربيا وأمها فرنسية، وكانت تقيم بانتظام في مراكش. لم تكن تنتمي كلية إلى المغرب؛ إذ ولدت في باريس ودرست في نيويورك وعاشت في لبنان وعملت في الهند وأصقاع أخرى من العالم. ترتبط فوتوغرافيا العلوي بالماضي والحاضر في آن واحد، وهي تشتمل على قيمة التوثيق والشهادة الحية. كانت ليلى العلوي قد التقت بالفعل شخوص متنها الفوتوغرافي في الواقع، وقد تمثل هدفها في استكشاف التعدد الثقافي للمغرب المعاصر. وخلافا للفيلم الوثائقي «أغنيات النسيان» ذي الحمولة السياسية الجلية، الذي أنجزته آسيا جبار عام 1982 بالاستناد إلى صور من الأرشيف تؤرخ للزيارات الرسمية للسياسيين الفرنسيين إلى الجزائر، فإن الأمر لا يتعلق عند ليلى العلوي بتفكيك التمثيلات الرسمية للحقبة الاستعمارية. ويبقى المغرب بالنسبة للعلوي إلهاما وموروثا تمزجه بالثقافة الفنية التي اكتسبتها أثناء دراستها في أوروبا وأمريكا.

الانتماء المزدوج

يجسد عنوان المعرض ما يشبه الدين حيال الفنان الفوتغرافي الأمريكي روبير فرانك وكتابه الفوتوغرافي «الأمريكيون» 1958 الذي يقدم صورة ذاتية لأمريكا من خلال رموزها الثقافية من أعلام وسيارات ومطاعم. وتسعى ليلى العلوي بدورها إلى أن توجه نظرة باطنية وناقدة وقريبة وبعيدة وإبداعية وذات اطلاع للمغرب المعاصر وناسه. وشأن فرانك الذي جاب شوارع وأزقة الولايات المتحدة على امتداد سنتين على متن سيارته الفورد العتيقة، فإن ليلى العلوي انطلقت على متن شاحنتها بغاية استكشاف الحقائق المحجوبة للمجتمع المغربي. وشأن فرانك الذي كان سويسريا وأمريكيا، فإن ليلى نهلت من انتمائها المزدوج كي تفسر مكانا جغرافيا وتسبغ على صورها بعدي الإبداع والتوثيق. يجلي إبداعها الفوتوغرافي حقيقة مؤداها أنه لا يسع فهم مرحلة زمنية أو بلاد ما، إلا من خلال الذاكرة. وشأن فرانك في نهاية المطاف فإنها كانت تصور كل يوم ووفق ترتيب في اللقاءات بالناس يعتمد الصدفة. وخلافا لفرانك الذي كان أكثر تركيزه على المشاهد الطبيعية فإن ليلى العلوي ركزت اهتمامها على البورتريه، لتعيد الاعتبار بهذا الصنيع على مرجع أمريكي آخر لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ريتشارد أفيدون الذي مثل مشروعه «الغرب الأمريكي» احتفاء بالمهمشين الذين صوروا بالأبيض والأسود وداخل استوديو قبالة إطار أبيض يلغي أي احتمال للوصل بين الوجوه وسياق خاص. ذهبت ليلى بدورها إلى الأسواق الشعبية لتقترح على المارة تصويرهم قبالة إطار أسود داخل شاحنة حولت إلى استوديو متنقل. يقوم الإطار الأسود بدوره بالعزل، لكن خلافا للأبيض الذي يقصي الوجوه فإن الأسود يقوي من عمق وبريق الألوان، ويكثف من تأثير حضور الأجساد والكثافة المادية للثياب. تتقوى هذه الكثافة أيضا بواسطة استعمال العدسات الضخمة التي تكشف تفاصيل البشرة والثياب. تخلق الخاصية الملموسة والعصية على الوصف لهذه الصور الفوتوغرافية، حالة من المواجهة والتقابل بين الأجساد والوجوه والنظرات، ونظرة الذوات التي جرى تصويرها ونظرات المتلقين. يجري تدعيم هذا البحث عن الحضور باختيار إخراج وطبع هذه الصور باعتماد سلم (أ) الذي يحترم المقاييس والأحجام الطبيعية، من أجل العرض في البيت الأوروبي للفوتوغرافيا.
الفنانة الفوتوغرافية وموضوعها، المتلقي والصورة، المغربي والغربي. كل ذلك في مستوى واحد. وتعرف ليلى العلوي باستحالة التخلص تماما من الرؤية الإثنوغرافية المتشبعة ببقايا الاستعمار. بيد أنها كانت تأمل في أن ينأى موضوعها عن البورتريه الاجتماعي لسياق جغرافي محدد. يتعلق الأمر بأن نخوض من خلال الصورة حوارا يقيم القطيعة مع الرؤية الغربية التي تكثف المسبقات الفلكلورية والغرائبية في خصوص المغاربة. وشأن ريتشارد أفيدون مع شخوصه المهمشة فإن ليلى العلوي تبرز الأناقة والكبرياء والعزة الموجودة بشكل فطري داخل كل فرد. وهي تقر بأنها ليست الوحيدة التي اختارت هذا السبيل الذي يتمثل حسبها في أن يكون رجع صدى للخطوة التصحيحية ما بعد الاستعمارية، التي التزم بها في الوقت الراهن العديد من الفنانين.

تعالي الاستشراق

ويتمثل الهدف في تجنب نزعة إضفاء الغرابة على شمال افريقيا والعالم العربي ذات الانتشار الواسع في أوروبا والولايات المتحدة: يستعمل الفوتوغرافيون الغربيون المغرب بوصفه إطارا لتصوير الغربيين بمجرد أن تساورهم الرغبة في أن يعطوا انطباعا بالحسن والفتنة وحشرهم للساكنة المحلية في سياق بدوي وفلكلوري. وهم بهذا الصنيع يطيلون من أمد الرؤية المتعالية للاستشراق.. كتاب «المغاربة».
تندرج خطوة ليلى العلوي ما بعد الاستعمارية في سياق الرؤية التي دافع عنها كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، التي تمثلت في القطيعة مع صورة الشرق التي أبدعها الغرب بوصفها وسيلة أيديولوجية للهيمنة، وجزءا لا يتجزأ من بناء نسق يتوخى إخضاع شعوب الشرق الأوسط. وقد تمت بلورة هذه الصورة من لدن غربيين حلوا في المغرب في وضع قوة مثل الطبيب النفساني والفوتوغرافي الهاوي غايطان كليرامبو الذي اكتشف المغرب عام 1915 أثناء انتدابه لمهمة عسكرية وهو في الثالثة والأربعين من عمره. كان هذا الرجل بوصفه طبيبا يحظى بوضعية قوة ومعرفة. وقد شرع في أوقات فراغه في تصوير أشخاص يرتدون ثيابهم المغربية التقليدية، وفي حالات مختلفة من الحياة اليومية كي يقوم بتحليل شيفراتها الاجتماعية والثقافية. وكان يسلط على هذه الشخوص الشبحية نظرة إكلينيكية وإثنوغرافية. كان يربط هذا الفعل المزجي للوقت ببحث إيروتيكي في الثياب ويستعمل ما يتوفر عليه من معرفة للتأثير في زملائه الذين كانوا شهودا على فحوصه في عيادته، وهو ما يلاحظه سيرج تيسرون: كان في أحايين عدة يخضع لإغراء التبجح بما يتوفر عليه من علم ومعرفة أمام مريض ينحدر من إحدى المستعمرات ويرتدي ثيابا تقليدية.
كانت وضعية ليلى العلوي خلافا لذلك تتبنى شكلا من اللايقين في حدود أنها بأصولها المغربية من جهة الأب، كانت تشعر بقربها على الصعيدين الشعوري والثقافي من الذوات التي تصورها مع احتفاظها باختلافها: منحتني هويتي المزدوجة المغربية والفرنسية فرصة عبور الحدود بحرية، في الوقت الذي كان فيه ذلك متعذرا على الآخرين. انتقلت في سن الثامنة عشرة إلى الولايات المتحدة لأجدني أكثر عرضة لإشكاليات الانتماء والبناء الهوياتي. انصب اهتمامي بكثرة على الأقليات العرقية والثقافات الثانوية والجماعات المهمشة. وقد شجعني ذلك بقوة على بلورة أسلوبي الشخصي باستعمال الفوتوغرافيا والفيديو والنضال الاجتماعي.

التعدد الثقافي والهوياتي

تذكرنا ليلى العلوي أن وضعيتها حيال المغاربة تأخذ بعين الاعتبار الصلات الخاصة التي تحتفظ بها مع الثقافات المغربية والفرنسية والمتوسطية، وأن كل ذلك ينتظم ويترتب حول حدود البحر المتوسط باسمه الفظيع الآخر»المقبرة البحرية». يتعلق الأمر هنا وفق اعترافها الشخصي باستكشاف سيرورة بناء التعدد الثقافي والهوياتي، من خلال منظور تواريخ الهجرة التي تعبر البحر المتوسط المعاصر. تعتبر هذه المقاربة مصدر جمالية خاصة وصور غامضة وملتبسة: لغة بصرية تزاوج بين العمق السردي الذي يسم الفيلم الوثائقي واستتيقا الفنون الجميلة كي تكشف بعض الحقائق الاجتماعية. تطبق ليلى العلوي هذه الجمالية على فيلم فيديو يجري بثه على ثلاث شاشات ويستند إلى شهادات مهاجرين غير شرعيين من جنوب الصحراء الافريقية. يقدم هذا الفيلم صورا جرى الاشتغال عليها بشكل جيد جردا للحواجز والعوائق الجغرافية من قبيل الصحراء والغابة والبحر التي تفصل بين الجنوب والشمال. وتصف الموسيقى التصويرية المصاحبة العوائق الإنسانية التي تنبعث بين أولئك الذين رحلوا والذين ظلوا في مكانهم وأولئك الذين لا يحبذون وصولهم إلى الضفة الأخرى. ثمة آخر غريب لغوي يعاني من الشتات ويحيل عليه العنوان باللغة الإنكليزية الدولية بامتياز، والقادرة على اختراق كل الحدود.
يستثمر الكتاب الفوتوغرافي «المغاربة» السيرورة السردية والجمالية ذاتها، كي يكشف ويحارب الحدود المادية والثقافية. وتروي كل صورة بالفعل لقاء إنسانيا وتجربة بصرية بمعزل عن المسبقات والأفكار النمطية الجاهزة. ولا تضحى الذوات في هذا السياق مجهولة أو مختزلة فقط في الثياب التي ترتديها، أو مجرد وجوه ترشح بالحسن والفتنة تزين أغلفة مجلات الموضة، أو شخوص لبطاقات سياحية، وإنما نساء ورجال يضجون بالحياة ويمثلون التنوع الإنساني والاقتصادي لبلد ما. وهم يشكلون قبل كل شيء محاورين ونظراء ومرايا وانعكاسات محتملة.
تبدو المشاريع التي أنجزتها ليلى العلوي في فترة زمنية قصيرة معبرة عن مطالب وطموحات ملحة وذات طابع استعجالي. ولا يهم في هذا الخصوص الجنسية أو اللغة. وسواء جرى التوسل بالكلمات أو بالصور أو كان السياق الجغرافي فرنسيا أو مغربيا، فإن الأساس يكمن في ما يوجد في الخارج أي في الحدود المثيرة للقلق التي تفصلها عن «الغريب» البيولوجي أو الجغرافي أو السياسي أو الفني. تدعو الفوتوغرافيا شأنها في ذلك شأن الشعر الفنانين إلى الالتزام والانخراط في لعبة «الاستضافة» بكل ما تتضمنه الكلمة من معان تحيل على الاستقبال والمخاطرة، ذلك ان كل ما يوجد في الخارج يشكل في الآن نفسه منبعا للسعادة والعنف.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com