مقالات

التناول العلمي للمسرح الروسي المعاصر : قضايا نقاشية

أ.غ.صولفيوفا

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

 

ورقة نقاش للمؤتمر العلمي الدولي “الفيلولوجيا المعاصرة، (مدينة أوفا. كانون الثاني 2013)

ظل المسرح الروسي المعاصر حتى الآن موضوعاً ليس للبحث العلمي فقط بقدر ما هو مادة لعرض السمات النقدية , ومن بين الدراسات الواسعة التي حاولت تقديم دراسة منهجية لفن المسرح في أيامنا هذه وخلق صورة متكاملة وشاملة لهذه الظاهرة يمكننا إن نذكر الأعمال الرائدة المشهورة لكل من م. غروموڤا وس , غونتشاروڤا – غرايوفسكايا وم. ليبوڤيتسكي وم. مامالادزة وآخرين , وينبغي أن يقال ان فكرة تناول ووصف المسرح الروسي المعاصر في هذه الدراسات متنوع ومختلف مما يؤكد مدى تعقيد هذه الظاهرة.

إحدى ابرز النقاط الخلافية التي تثير النقاش هي تحديد مميزات ومواصفات “المسرح الجديد” في تخوم القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، إضافة إلى أن النقاشات تثار حتى على مستوى مادة البحث وحدودها وصحة نسبة كتاب معينين إلى ظاهرة معينة , فمثلاً كتابات م. غروموڤا وس.غونتشاروڤا-غورابوفسكايا تنسب إلى المسرح الجديد” مؤلفي ما يسمى بـ “الموجة الجديد (من أمثال لودميلا بيتروشيفسكايا ولودميلا رازوموفسكايا) وكذلك الجيل المتوسط (أمثال ن. كوليادا ونينا سادور) وجيل الشباب (أمثال و.ڤيريبايف وم.اوغاروف و و.بويايف و و. ميخائيلوڤا).أما م. ليبوڤيتسكي في كتابه “أداء العنف: التجارب الأدبية والمسرحية للمسرح الجديد”  فيسمي أبداع الشباب وحده “مسرحاً جديداً”.

يطرح النقد مسألة الصعود والهبوط في تطور هذه الظاهرة، ومن بين من تناول هذه المسألة هو ليبوڤيتسكي الذي يرى في العقد الأول بين من تناول هذه المسألة هو ليبوفيتسكي الذي يرى في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بعض الوهن في النشاط وهو ما يبدو مثيراً  للجدل , ويحاول الكتاب المسرحيون تثبيت وضعهم بصورة فعالة , “المسرح الجديد” هو حركة: تلاوة النصوص والمشاركة بها في مهرجانات (“المسرح الجديد” و “الهواة” في موسكو  وبطرسبورغ و”قراءات مايس” في تولياتي و”أسيا وأوربا” و”المسرح الواقعي” في يكاترينبورغ و”sib-Altera”” في نوڤوسيبيرسك و”كويادا پلَيْز” وغيرها التي يُقَدَّم فيها عدد كبير من المسرحيات العصرية على شكل تيار موحد في تنافس كبير”(15: 215).

ويساند هذه الحركة ظهور مخرجين شباب(مثل اولغا سوبوتنيكا والاكساندر غاليبين وكيريل سيريبرينيكوف وڤلاديمير أغايف) وانشاء مسارح الدراما الحديثة (مثل مركز الدراما والاخراج لميخائيل روشين واليكسي كازانتسيف و”دار التاب المسرحيين” في سان بطرسبورغ و”مسرح doc” لميخائيل أوغايف ويلينا غريمينا) ومن اجل نشر نصوص الكُتّاب المعاصرين تكونت إصدارات متخصصة تنشر بصورة دورية نتاجات المؤلفين المعاصرين مثل مجلات: “المسرح المعاصر” (تصدر منذ عام 1982 إلى يومنا هذا) و”الكاتب المسرحي” (صدرت من عام 1993الى عام 1997) و”الإعلان” و”قراءات مايس”، و مجموعات مسرحيات “الطبقة الثقافية” ومجموعة “الطريق الوثائقي” (مدينة تفير: “مجلة المسرح” و colonna publications) وإصداراتها “13 نصاً مكتوباً في الخريف” (موسكو. دار نشر “فريميا”، 2005) ودوريات “لاندسكرونا” وسلسلة الكتب النحيفة “المسرحية الجديدة / الكتابة الجديدة و”المضامين” وإصدارات “قافلة الكتب” التي أصدرت سلسلة كاملة هي”الرهان” نشرت بالفعل مجموعات مسرحية لكتاب معاصرين وهلم جرا.

التناول العلمي “للدراما الجديدة” بدأ للتو يتطور وازداد الاهتمام بهذه الظاهرة. وانعكست الدراسات العلمية لهذه الواقعة في كتابات م. ليبوڤيتسكي و س. غانتشاروڤا – غورابوفسكايا وم. غروموڤا و ن. إشوكفادييڤا و و. جرتشيڤا و ي. كانونيكوڤا و ي. زايتسوڤا وآخرين. وفي كتاب مختارات “الفن المسرحي المعاصر” تنشر مقالات ت. جورتشوڤا و ي. سالنيكوڤا وت. شاخمموتوڤا و ي. بولوتيان و ڤ. زابولويف و أ. زنزينوف وآخرين، حيث تستعرض هذه المقالات تطور الدراما الحديثة وموضوعاتها وإشكالياتها واتجاهاتها , ومع هذا لم يُدرس الفن المسرحي الروسي بصورة كافية إذ يغلب الحديث عن بعض الكتّاب وعن الشعريات الفردية أما التعميمات الكبرى لاتجاهات ظاهرة “الدراما الحديثة” كلها فلم تأتي بعد.

تهدف هذه المقالة إلى تحديد خصوصيات التناول العلمي والنقدي “للفن المسرحي الجديد”.

العلاقة بـ “الدراما الجديدة متناقضة. اليوم هناك جدل على الطاولات المستديرة حول الاكتفاء الذاتي “للدراما الجديدة” وضرورتها. ويجري الجدال حول نوعيتها الغنية وانجازاتها ونتائج التجارب وحول وجود أو عدم وجود تبدلات ممنهجة (تخفيف حدة الفعل والصراع…الخ) إذ صدرت منذ منتصف التسعينيات أفضل المسرحيات، وكثر الطلب عليها من جانب المسارح الشهيرة. وصارت “الدراما الجديدة” بالتدريج كاملة الأهلية وتتماشى مع التقاليد الوطنية وأصبحت جزءً مثمراً جداً من العملية لعامة لتطور المسرح المعاصر.

يرجع الطلب على “الدراما الجديدة” إلى حد كبير إلى حقيقة كون المسرحيات تثير موضوعات حيوية ترتبط في المقام الأول بالواقع المعاصر وتفسر التحولات الاجتماعية الكبيرة. والمسرحيات تعمل على تقديم التبدلات في لوحة لعالم (الانطباع) وفي تصورات الإنسان , لهذا تصبح طبيعية دراسة احدث الأعمال المسرحية في مجال الفكر الأدبي الانتقالي واستكشاف ابتكارات الجيل الجديد (12: 251-258) .

نلاحظ  في المسرحيات سعياً لتكوين صورة متكاملة لعصر التحول وكذلك تصويراً لعالم فني خاص بأبطال من زمانه.اذ يقول و. ناعوموف في مقالة له تحمل عنوان “التوفيقية لمسرحية في إبداع يڤغيني غريشكوڤيتس”: “ظهر على خشبة المسرح أبطال جدد فاقدون للمُثُل والتوجهات السابقة لكنهم ظلوا محافظين على القدرة على الإحساس الجدي , وظهرت أحداث مسرحية وصراعات ومضامين أصيلة ومبادئ عمل جديدة وتناسب جديد بين صوت المؤلف وأصوات الأبطال. . .”.

إن التجربة والبحث عن لغة التأويل الجديدة في الوقت نفسه لا تولد الاكتشافات غير المشروطة فقط بل كذلك الميزات التي يفسرها بعض النقاد على انها إخفاقات رغم أن هذه التقييمات يمكن استيعابها على أنها جدلية , “لأن. . . الكاتب المعاصر يبدع تحت انطباع . . . الموقف الحياتي والتاريخ أو الحقيقة . . . ويبدو النص المسرحي والصورة المسرحية فاقدة للنموذج والعمومية. وأصبحت نصوص المسرحيات الحديثة تعبير بحت عن ذات المؤلف وفقدت في اغلب الحالات إمكانية التأويل” (13: 207) , ويشيع الناقد المأخذ الأخير في ظل غياب النموذج من نصوص غريشكوڤيتس إلى مسرحيات ن. كوليادا و ي. فيريبايف، الأمر الذي لم يعد صحيحاً وسرعان ما يكشف حذر الناقد من تجارب “الدراما الجديدة” كلها. والشائع ببساطة هو أن هؤلاء الكتاب المسرحيين يقومون في وقت واحد بعدة ادوار: إنهم كتاب للنصوص ومخرجون وممثلون في مسرحياتهم , وعلى ما يبدو أن هذه النزعة التي ينبغي تفسير مغزاها تعكس بشكل واضح تنامي المبدأ الشخصي في الفن المسرحي والعاطفية والنثرية في الدراما التي صارت علامة للفكر الفني الانتقالي.

تحدد ت. شاخموتوڤا ملامح الفن المسرحي الجديد التي غالباً ما يلام عليها الكتّاب المسرحيون أكثر مما يُمْدَحون: “التركيب المتقطع وغياب الصراع المنحاز بصورة واضحة والبنية  الضعيفة وعدم القدرة على خلق طابع دراماتيكي والسطحية وغياب التقنيات المسرحية الاعتيادية وهلم جرا” , لكن الباحثة ألقت الضوء  كذلك على الجوانب الايجابية لمسرحيات اليوم : “تجذب الانتباه إلى نفسها بتوثيقها المذهل للحياة وبالإحساس الطبيعي والخالي من الأخطاء بتناقضات الحياة المعاصرة، وبنصوصها النوعية خاصة في النماذج ذات الجودة العالية” (15: 215).

يرى النقاد أن الميزة المهمة “للدراما الجديدة” هي عدم تحديد النوع الفني وانتشار الصيغ الهجينة والتجريبية غير الاعتيادية. وقد أشار إلى هذه الميزة كل من م. غروموڤا وس. غونتشاروڤا-غرابوفسكايا. ويضيف و ناعوموف أمثلة بنفسه: “حياة بلا راحة” و”اليوم” و”شقة في فصلين” و”أوبرا اليوم الأول” و”دراما استعمارية في جزأين” وهلم جرا، التي تنعكس فيها طبيعة عصر التغيير(13: 207).

ويمكننا أن نقول أن الكثير من المسرحيات الحديثة تذكرنا بالتقارير “الساخنة” للصحف، فهي حيوية لكنها تخلو من الروح الفنية، بيد أن يوري كلاڤدييف بوصفه كاتباً مسرحياً يعتقد أنها تعالج القضايا المهمة للبشرية نفسها التي تناولها الكلاسيكيون والتي لا تزال الإنسانية تقف على اعتباب حلها إلى يومنا هذا (7: 191).

جدير بالإشارة أن دائرة  تقييمات “الدراما الجديدة” في الكتابات النقدية والأدبية التنظيرية المعاصرة واسعة جداً: تبدأ من الرفض الكامل “للتجديد” إلى الإقرار بأن هذا الاتجاه هو الوحيد الذي يؤدي دور الريادة التجريبية التي تؤثر على الأدب كله (ڤ. زابالويف وأ. زنزينوف). لكن هناك مسألة أخرى موازية – هي كفاءة التناول النقدي والعلمي لهذه الظاهرة غير العادية التي تتطلب من الباحثين أساليب جديدة , وهنا يبدو صحيحاً تماماً اللوم الذي وجهه م. ليبوفيتسكي إلى زملائه لأنهم لم يولوا اهتماماً للأعمال البارزة ولم يستمروا بالأساليب الجديدة لدراسة هذه الظاهرة “لهذا نحن لا نتحدث عن أساليب عزوف نقاد الأدب عن الكتابة عن “الدراما الجديدة” بل عن أسباب انعدام وجود منظار يساعد على الرغبة بقراءة الجماليات التي تقع خارج إطار الإيديولوجية المتسكلجة او السيكولوجية المتأدلجة)” (10: 93).

ويقترح الباحث نفسه بصفة منهج أسلوباً ما بعد حداثوي ليس جديداً جداً عندما يركز الانتباه على الإنجازية وعلى الجوانب المختلفة للتغلب على خطاب العنف، وانعكس هذا في مقالاته (أداء العنف: “الدراما الجديدة” وحدود نظرية الأدب) وفي دراساته , تمثل “الدراما الجديدة” فرصة نادرة لتكوين لغة جديدة نسبياً لوصف الظواهر الثقافية المستندة على الأدائية (الإنجازية) أو على خطاب العنف على حد سواء” (10: 20).

ويمكن كذلك طرح جوانب مثمرة أخرى. خاصة النظر إلى “الدراما الجديدة” من خلال منظار الفكر الفني الانتقالي وتَبَدُّل الأجيال الأدبية وانعكاس الملامح الثقافية الفرعية فيها وشحذ قضايا الثبات على القديم والتجديد والحوار مع الخبرة الفنية المسرحية التي سبقت عصر الحداثة التجريبية وانجازات “الدراما الجديدة” في تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين في “مسرح العبث” وما إلى ذلك).

إن شرط فهم جوهر “الدراما الجديدة” هو النظر إليها في سياق دينامية الأدب المعاصر بشكل عام وكشف العمليات المشابهة لها في النثر والفن المسرحي عموماً , ولا يمكننا أن نصف بصورة كافية متناهية ومعقدة جداً مثل ظاهرة “الدراما الجديدة” المعاصرة إلا من خلال توليف المناهج والتقنيات وتوسيع السياق ومقارنة نتاجات الآداب القومية المختلفة .

المراجع

  • بولوتيان ي. “الدراما الجديدة” بين الحياة والانترنت//الفن المسرحي المعاصر- 2008. العدد1 – ص186-191.
  • بولوتيان ي. “الدراما الجديدة”: الحياة في النصوص//الفن المسرحي المعاصر.2006 . العدد 1- ص158 – 170.
  • بورغوف ب. روح الإبداع. حول الفن المسرحي الوطني في نهاية القرن// الأدب الروسي-2000. العدد 2. ص20 – 27.
  • غونتشاروڤا – غوربوفسكايا س. الكوميديا في المسرح الروسي نهاية القرن العشرين – بداية القرن الواحد والعشرين. موسكو. 2006.
  • غروموفا م.المسرح الروسي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين . موسكو، 2006.
  • زيارنيا ي.س. الباروك والشعر الروسي في القرن العشرين: تصنيف الأشكال الفنية واستمراريتها: مونوغرافيا. كييف. إصدارات جامعة كييف، 2004.
  • كوكلين ي. المسرح الأوربي في العقد الأول من القرن العشرين: النقد الاجتماعي 73-ص221 – 243.
  • ليبيوديشكينا و. الكلام غير المختلف. القصة المعاصرة // الصداقة بين الشعوب – 2008 – العدد 9 –ص 192 – 203.
  • كلافدييف يو. الجيل الجديد – حقيقة أم خيال؟ / حديث يجريه المراسلون الشباب و.جيلينكو و ك.كوستيناوم. مامينا // الفن المسرحي المعاصر – 2008. العدد 3.

10- ليبوفيتسكي م.انجازات العنف: “الدراما الجديدة” وحدود نظرية الأدب // المقال الأدبي الجديد. 2008 – العدد 89. ص  192- 200.

11- ليبوفيتسكي م. أداء العنف: التجارب الأدبية والمسرحية “للدراما الجديدة”. – موسكو. المقال الأدبي الجديد. 2012.

12- ميريجينسكايا أ.يو. الفن المسرحي الروسي “جيل التسعينات”. لوحة العالم والصراع والأبطال. الإنجيل والثقافة. تشيرنوفتسي.  دار نشر جامعة تشيرنوفتسي 2010 .ص 251 – 258.

13- ناعوموف و. الاقترانية في إبداع يڤغيني غريشكوفيتس // الفن المسرحي المعاصر -2008 – العدد2. – ص207.

14- صافوانوف ي. “الدراما الجديدة” ما هي؟ // الفن المسرحي المعاصر. – 2009. – العدد 1 – ص184.

15- شاخموتوڤا ت. ولادة الصراع من مجرى الاسترجاع الذاتي. النظرية // الفن المسرحي المعاصر. – 2009. – العدد 02 – ص215.

16-حاكيموفا د. الجرأة بوصفها سمة بارزة “للدراما الجديدة” الروسية. // الفن المسرحي المعاصر. – 2008 – العدد 03 – ص139-143.

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com