تحقيقات

غسل العار”..  ظاهرة تثير رعب العراقيين وسط “تشجيع” قانوني.

بيدر ميديا.."

غسل العار”..  ظاهرة تثير رعب العراقيين وسط “تشجيع” قانوني

انتشرت في الآونة الأخيرة، ظاهرة قتل الفتيات بداعي “غسل العار” في العديد من المحافظات العراقية، فيما تمنح القوانين عقوبات مخففة لمرتكبي الجريمة في “مخالفة” للشريعة الإسلامية، ما “يشجّع” على إستشرائها في البلاد.

آخر هذه الجرائم هو مقتل فتاة بعمر 13 عاما في العاصمة بغداد، على يد والدها، بذريعة “غسل العار”، السبت الماضي.

وقال مصدر  إن “أبا قتل ابنته تولد 2009 ضمن منطقة الأمين الثانية، بعد أن اكتشف لديها علاقة مع ابن خالها وأنها فاقدة للعذرية منه وغير متزوجة منه”، موضحا أن “الأب قتل ابنته بواسطة سلاح نوع مسدس بذريعة غسل العار، وهرب الى جهة مجهولة”.

ظاهرة منتشرة

تقول المواطنة (أم علياء) من محافظة الديوانية، جنوبي البلاد، إن “ظاهرة غسل العار منتشرة بشكل واسع في المجتمع”، وتروي المواطنة خلال حديثها عن حالة حصلت مع إحدى أقربائها: “كانت هناك فتاة حاول أهلها قتلها لكونها لديها علاقة عاطفية مع أحد الأشخاص، وذلك لأن عائلتها المحافظة رأت أن ما فعلته ابنتهم عار ويجب التخلص منه، لكن بعد تدخل أحد الوجهاء وطلب الرأفة بالفتاة تراجعوا عن القرار، وتم حل الموضوع دون إنهاء حياتها”.

ولا يزال الجدال قائما بشأن “جرائم الشرف” أو ما تسمى بجرائم “غسل العار”، فهناك من يراها بأنها عملية “تنظيف” للمجتمع، وآخرون يرون بأنها أصبحت وسيلة لتصفية حسابات داخل الأسرة، إذ يؤكد متخصصون أن معظم هذه الجرائم لا يتم الإبلاغ عليها بصفة جرائم قتل، إنما حالات انتحار.

ثقافة مجتمع

ترى الباحثة الاجتماعية د.بثينة الجابري، أن “غسل العار يعود إلى التنشئة الاجتماعية وتربية الأسرة (العادات والتقاليد والنظام السائد داخل الأسرة)، فعند الاهتمام بالأبناء – الذكور والإناث – وتربيتهم على نظام معين، فإنهم سوف ينشئون عليه، فضلا عن تعزيز الخير والشر والحق والباطل والصح والخطأ وتقوية القيم الخُلقية لديهم، عندها ستقل مشكلات الأبناء بعد كبرهم بشكل كبير”.

وتؤكد الجابري أن “عدم إشباع حاجات الأبناء يولّد الكثير من المشكلات، منها الانحراف والاعتداء وغيرها من السلوكيات الخاطئة، وكذلك لا يقتصر الأمر على نقص الحاجات، وإنما يمتد أيضا إلى العلاقات الأسرية المتشنّجة، فهناك الكثير من الحالات ناتجة عن سوء التعامل مع الأبناء، ما يدفع الفتاة إلى تكوين علاقات عاطفية للهروب من أسرتها والواقع الذي تعيشه داخلها”.

وتضيف المختصة، “وفي حال حصل خلل سلوكي عند الأبناء يجب عدم التسرّع في أخذ القرار، بل يكون هناك تعقُل ولجوء إلى المنطق وفهم الواقع وتحري الحادثة قبل إصدار أي حكم”.

وبحسب إحصاءات منظمات غير حكومية، سجل العراق في عام 2021 نحو 72 حالة قتل بحق نساء، وجدت جثث بعضهن ملقاة في الشارع، فيما يعتقد أن جزءا منها مرتبط بجرائم الشرف.

وأغلب جرائم “الشرف” التي ارتُكبت كانت قائمة على الشك، وفق الناشطة النسوية سكينة علي، وتذكر أن “الأسرة تقتل ابنتها لمجرد الشك في احتمال انخراطها في علاقة عاطفية مع أحد دون شرط (التلبس بالزنا) الذي حدده القانون”.

وتشدد الناشطة سكينة في حديثها على ضرورة “إعطاء الفتاة الثقة داخل البيت ومصادقتها والتحدث معها عن مشكلاتها لتكوين علاقة وطيدة داخل الأسرة، فضلا عن مراقبة صديقاتها وتحذيرها من رفيقات السوء، وأن تكون هناك متابعة لتجنب وقوع المشكلات التي لن تنتهي بقتل الفتاة، كون هناك تبعات قانونية تنتظر الجاني”.

قانون يخالف الشريعة!

تمنح القوانين في معظم الدول العربية عقوبات مخففة لمرتكب الجريمة الذي أقدم عليها “بثورة غضب شديد”، ولا تتعدى العقوبة سنوات قليلة أو أشهر فقط من السجن.

وفي العراق، عزز الفكر الذكوري السائد وسيطرة الفكر العشائري والديني على المجتمع مناخا محفزا وداعما لمرتكبي تلك الجرائم، خصوصا مع وجود المادة 409 في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والتي تحدد عقوبة الحبس لمرتكب جريمة القتل بدافع الشرف، بمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات: “من فاجأ زوجته أو أحد محارمه في حالة تلبسها بالزنا، أو وجودها في فراش واحد مع شريكها، فقتلهما في الحال، أو قتل أحدهما أو اعتدى عليهما أو على أحدهما، اعتداءً أفضى إلى الموت أو عاهة مستديمة”.

من نص القانون سنلاحظ أنّ الحكم المخفف يحق للرجل فقط دون المرأة، إن هي فاجأت زوجها وهو يرتكب الزنا فقتلته، فتكون عقوبتها إن قتلت زوجها إما الإعدام أو السجن المؤبد، حسب المادة المتعلقة بجرائم القتل في قانون العقوبات ذاته. فليس هناك جريمة “شرف” ترتكب بحق رجل، إلا إن كان الجاني، حسب المادة المذكورة أعلاه.

وفي هذه النقطة يقول الخبير القانوني، علي التميمي، إن “جريمة غسل العار والتي تتيح أن تقتل المرأة وفق المادة 409 من قانون العقوبات إذا فاجأها أحد محارمهما في حالة الزنا، وتكون العقوبة مخففة بل وحتى إيقاف التنفيذ (أي البراءة المشروطة)، في حال كان العكس، بأن تُفاجئ المرأة زوجها وتقتله، فإنها – في هذه الحالة – تُساءل وفق جريمة القتل العمد المادة 406 من العقوبات، وقد تُعدم، لهذا نرى أن هذا النص يُخالف الشريعة، وبالإمكان الطعن فيه أمام المحكمة الاتحادية لأنه يخالف المادة 2 من الدستور التي تشترط أن لاتخالف النصوص القانونية الشريعة الاسلامية”.

ويضيف التميمي في حديثه لوكالة شفق نيوز، “لاحظت خلال عملي في القضاء أن الكثير من جرائم القتل العمد أو غسل العار أو الثأر، يتم استبدال وصفها القانوني من المادة 406 القتل العمد إلى المادة 409 غسل العار أو 411 القتل الخطأ، لأن ذوي المجني عليه يطبقون المقولة: (الحي أولى من الميت)، وحتى لو كان المحقق أو القاضي يعلم بأحداث الجريمة، إلا أنه لا يحكم بعلمه الشخصي، بل بالأدلة المتوفرة، وهذه الأدلة تكون دائما باتجاه المتهم لتخليصه”.

وتابع، أن “كثيراً من هذه الجرائم تموت حقائقها وتدفن مع ضحاياها، وهذا برأيي يُشجّع على استشراء هذه الجرائم لغياب الردع الذي هو أهم هدف للعقوبة الجنائية، بالإضافة إلى أن الكثير من هذه الجرائم تقع تحت تأثير الكحول والمخدرات”.

وباتت كثير من جرائم القتل الموجهة للنساء ينتهي بها الى الغلق أما بعدم الإخبار عنها من قبل الأهل أو بفبركة الشهادات والأقوال قضائيا مع إخفاء الأدلة أو تزييفها بغية تضليل القضاء، سيما وأن الشهود الوحيدون هم الأهل أو الأقارب الذين سيتكتمون على الحقيقة، كما أن الأعراف الاجتماعية تمنع من غير الأقارب الإخبار عن واقعة القتل خشية الاستهداف العشائري.

ويقول تقرير المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان الصادر في حزيران/يونيو 2018، إنه على الرغم من عدم معرفة عدد جرائم الشرف في العراق، فإن التقديرات تشير إلى وقوع مئات من الفتيات والنساء ضحايا لجرائم الشرف كل عام. في الواقع يجري الإبلاغ عن معظم هذه الجرائم على أنها جرائم انتحار.

وكان مجلس الوزراء صوت في آب/أغسطس 2020 على مسوَّدة مشروع قانون “الحماية من العنف الأسري”، إلا أن ذلك لاقى اعتراضا وجدلا داخل قبة البرلمان، بعد أن اعتبره البعض يتعارض مع القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية، مما أفضى إلى ركنه على رفوف مجلس النواب لغاية الآن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com