قصة

فلسفة العوز/ قصة قصيرة.

بيدر ميديا.."

فلسفة العوز/ قصة قصيرة

القاص والكاتب/عبد الجبار الحمدي

يُجَمِل عوزه بما يحمله من ثقافة ومؤلفات، كيس من الليف المتبالي يحمله تارة على ظهره المحني وتارة على خاصرته التي لم ترى من ذلك الكيس إلا وخز حواف كتب لم تهضمها مهما اكلت من سطورها حروف وجمل… يسوقه شغفه الى رقعة رصيف في ناحية شارع طويل تنبأ بأن يكون سوق عكاظ جديد للكتب… كان في زمن ما يشكو العوز مثله لكن تغيرت احواله وبقي صاحب الشغف على حاله… خليط متجانس وغير متجانس يجوب هذا الشارع البعض يبحث عن الثقافة والبعض يبحث عن المتعة… متعة النظر والمتغيرات الزمنية التي صنعت من اصحاب المؤلفات وجوه لأروقة وباعة مرتصفين الأرصفة بأفكار رجال ونساء إمتهنوا الكتابة تغيير فكري وعقلي، جابت بهم الحياة الى وضع فلسفتهم التي لبسوا ردائها من وجهات نظر هيجل وماركس و نيتشة وغيرهم… تلحفوا في برد الشتاء فلسفة الجوع والبؤس والإتيان بعالم تسمع بداخلة أزيز وطنين خلايا عقول تهرب من واقعها لتعيد الصور بنظريات هلوسة فنتازية… جف رافد حياته إلا من بقايا بلل يتبعه بواعز حرف الرمق الأخير قد تجره الظروف الى ان يسوق عربة وجعه ثم يضربها بسياط الرحمة كي تتجلد تعينه على ان يأخذ مكانه في ذلك الشارع… يريح قدميه التي تهتز فرائصها لا خوفا بل ألما هاهي ستتقرفص كأنها تطبق صواميل صدئة وهي تخرج طقطقة مفاصل هرمة… يخرج الكتب يفترشها على خرقة ليست بالية لكنها قضت عمرها لحسا لأتربة وكلمات حفظتها عن ظهر قلب عاصرت وعاشرت الكثير من الجمل وسير المؤلفين الذي كانت صورهم تتوسد أتربة الأرصفة قبل تتوسد أتربة اللحود… أسماء بعضها رنان فنال رف هنا أو هناك والبعض الآخر طواه الزمن فبات يستجدي يد يلوذ بها ليكون حاضرا بين اربعة جدران ورف نظيف…

يخرج سيجارته الصفراء التي واكبته بماركتها المسجلة ونسي إسمها فصارت بعنوان سيجارة دخان الآفات، ينفث آهاته، حسراته مع كل زفير، يشهق دخانها كتم عناوين مرر عينيه عليها بسرعة خاطفة كقطار يسير تاركا إياه في محطته دون ان يلملم حقائب جنونه وعبث عمرة لينال سفرة دون بطاقة منتهية الصلاحية… يتطلع الى وجوه المارة كمن يخلط كرات لعبة الدمبلة راميا ان يحظى برقم قد يكون هو الفائز باللوتري… يقرأها بخطفه عين يتداول مع خلايا عقله عمن هو المتصفح الحقيقي والمحب للقراءة بشغف طفل لثدي أمه… يحرك رأسه كبندول الساعة حتى يصيب بؤبؤ عيناه الدوران فيمسك رأسه يحيله الى السكون… يبتلع ريقه… يخرج سيجارة أخرى يلقمها شفتيه ثم ينادي هل من محب الى كتاب بؤس الفلسفة؟ هل من يجيد كتابة إيحاء صوت لمتكلم غير معلوم؟ هل افرغت رؤوسكم من عوالمها؟ هل نلتم التجليات الفلسفية من متاهات هيجل التي اصبحت الفلسفة بنظرة لا حيز آخر فيها، وعدها مثل حافلة ازدحم الركاب فيها فمن ركب كان من الحواشي والهوامش… المدعي أن الجميع يرى الحياة عنوان لأكبر فلسفة والعوز هو البطل فيها… كلنا معوزين إذا قرأنا كتابات الفلاسفة، فالفقر هو اول طارق باب لمؤلف يظن ان حياته ستتغير فيما إذا جعل السارد أو الحاكي أو الراوي أخطبوط يسبح في عوالم البحار السبع والمدن الفاضلة… سنين وأنا اهيم بين مئات الكتب، قرأت منها ما أضاع ضياء عيناي وحفظت ما مسح ذاكرتي وصوري، صرت مثل ببغاء أردد ما حفظت وقرأت عنهم… لا ادري!؟ اشعر أني مثل الكأس كنت ممتلئا بلوني الخاص لكني وبعد ان قرأت صار التغيير باديا علي، فكأس عقلي قد أمتلأ بمختلف الألوان حتى أزاح لوني الذي خلقت عليه، تنوعت افكاري وزاد عقلي من مساحات آفاقي، اثخن دماغي بمئات المقولات والمفاهيم، صرت ألاحق كابوس النهم الذي تصورته ربما في يوم يكون تنينا يحملني الى عالم الخوارق البشرية لكني صدمت عندما وقفت في بداية اول الطريق وراعني منظر الرؤوس التي يحملها اصحابها على راحة أيديهم، يقدمون افكارهم، نظرياتهم، فلسفتهم واحلامهم عناوين لافتة، وهناك كتب رصفت على قارعة طريق حيث الاقدام التي تدوس على كل ما خطوه من فكر وقراءات وتجارب سواء كانت عن الحب، الموت، الحياة، الظلم، الفساد، الفسق، الدين، الكفر، الإلحاد، حديث عن الرب الدنيوي، عن الله وفلسفة الخلق، التكوين، النشئ الاول او البيج بانج… آلاف مؤلفة من المعارك والفلسفات الفكرية والثقافية لم تُعلن في يوم انها باقية لكنها مؤثرة… هكذا كان جوابي لتلك الفتاة التي تقرفصت الى جانبي عندما سألتني عن مؤلف كنت صاحبه… تفاجأت حينما علمت اني ابيع مؤلفاتي!! أبيع خلاصة تجارب وقراءات صغتها بفلسفتي ومعرفتي… شحب لونها عندها ثم استعادته وهي تقول: كيف آل بك الحال الى ان تكون على الرصيف وانت تحمل كل هذه العبقرية والفلسفة الحياتية؟ تبسمت وأنا اشعل رأس سيجارتي الصفراء، نفثت أول نفس منها بحسرة فرددت: أبنتي ليس كل من يكتب يمكن ان يكون محظوظ… فالحظ يطرق باب الإنسان مرة واحدة وهو ملثم، لا يمكن ان نعرف شكله او طبيعته، هو طارق عابر سبيل على شكل سائل، إن رددته تركك ورحل، وإن اكرمته بحسن ولباقة حَسُنَ حالك راق له فَرَدَ إليك حسن ضيافتك… إننا يا أبنتي في عالم الحظ خرج بعيدا عن هذه البلاد بعد ان دخل فلاسفة الزمن الجديد عراة الفكر وصاحبي الفلسفة الجديد الدين رباط حذاء يسندك على ان لا تقع في المحظور مع العلم أنهم يلبسون المحظور جوارب وملابس داخلية…. اما الظاهر للعيان فصور عُباد مقربين من الله حد انهم يصفون انفسهم نوابه على الأرض… لا عليكِ ولا تمتعضي فهناك غيري الكثير ممن صعدوا المقصلة او منصة الحبل المتدلي من اجل فكرة او نظرية… إنكم يا أبنتي تعيشون وطأة الفكرة عورة مثل الجاهلية يجب وئدها… إننا نعيش حرب فكرية وعولمة القوة حتى الله عمدوا الى صناعة ارباب لهم يسجدون ويبيعون من اجلهم ويشترون، يطوفون ليل نهار كالفلك المشحون ظلما… عالمهم فلسفة العين الثالثة والثالوث المقدس… يركبون جبال الوهم الإلهي ليحاربوا الله بتكنلوجيا الموت تلك التي زرعوها في السماء… يحاربو العقول من خلال فلسفة العوز والبؤس والفقر… أننا يا أبنتي نقص حكايات ظل آدم يقصها حتى جاء غيره وعمد نوح بعده قرابة الألف سنة ولم يُقنع المخلوق بأنه عبد ضعيف هالك ولم يؤمن احد بأن هناك خالق واحد… كل العوالم التي تتابعت أهلكها الزمن بأمر من الله إلا عالمنا هذا فقد أمر الله البشر فيه ان يهلكوا الزمن…. 

لا عليك خذي ما شئتي هدية، أعتبريه نهاية لبداية فهم جديد في عالم الفكرة قنبلة موقوتة لا تحتاج الى فلسفة لإدراكها.

 

القاص والكاتب

عبد الجبارالحمدي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com