منوعات

الفرهود في البصرة سنة 1941…شهادة روائية لماجد الخطيب.

بيدر ميديا.."

الفرهود في البصرة سنة 1941…شهادة روائية لماجد الخطيب

علاء اللامي

 الميجر البريطاني لويد بدأ الفرهود برصاصة من مسدسه حطمت قفل مخزن ليهودي بصري، ومليشيا درويش تصدت للناهبين وأعادت جلَّ المنهوبات لأصحابها!

في روايته “درويش” التي صدرت في العام الماضي عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، خصص المؤلف الصديق ماجد الخطيب – الذي أشكره جزيلا على إهدائي نسخة منها – فصلا منها لحدث الفرهود الذي بدأ – كما يذكر- في البصرة وليس في بغداد.

*الرواية موضوع الحديث من نمط روايات السيرة، وقد خصصها المؤلف لحياة عمه الوجيه البصري المعروف ومختار ثلاث أحياء في المدينة الملقب بدرويش أو درويش الجني واسمه حين ولد وكان طفلا هو “محمد الخطيب”، ولكن حين شبَّ وكبُر تغلب اسمه أو لقبه “درويش” على اسمه الأصلي. ويهمني أن أتوقف في هذا النص عند الفصل الخاص بشهادة الروائي التي تتعلق بحدث الفرهود، وهو الموضوع الذي سبق وأن توقفت عنده في أكثر من مقالة قبل أشهر قليلة، نظرا للمعلومات المهمة والتي لم يسبق لي ولكثيرين غيري – من خارج البصرة – أن اطلعوا عليها.

كتبَ المؤلف “انطلقت شرارة الفرهود في البصرة، ولم تبدأ في العاصمة بغداد، كما يروي كهول البصرة الذين عاشوا الفرهود يوم 7 أيار 1941. فممثلو العلم البريطاني “اليونيون جاك” كانوا في انتظار القوات البريطانية، وغالبيتها من الگرگة (الهنود والباكستانيون والبلوش)، التي قررت النزول في البصرة لإعادة احتلال العراق بعد سقوط حكومة رشيد عالي الانقلابية. وبدأ الفرهود برصاصة كسر فيها ضابط بريطاني محل أحد اليهود في سوق الهنود، وهو يعلن: فرهود! ص 161″. ويوثق المؤلف الحادثة بنسبتها إلى مترجم كان يعمل مع القوات البريطانية، يدعى الملا حميد حمدي وإلى ذكريات لقاء مع السيد ابو زيدون احمد عبد الرزاق  سنة 1997 في شهادات معتمدة كما ورد في مقالة لأحمد سهيل أحمد بعنوان “فرهود سوق الهنود في البصرة ١٩٤١”، والذي روى كيف أن الضابط الميجر البريطاني “لويد” قائد حامية العشار أطلق بنفسه النار على قفل أحد محلات اليهود وأطلق صيحة “loot” أي نهب! ويقول المؤلف أن لويد ضرب عصفورين بحجر بحركته هذه “فهو وجه دفة المتظاهرين هناك الذين كانوا يهتفون ضد الإنزال البريطاني إلى السرقة والنهب وكسب الوقت اللازم لوصول قوات بلاده”. وقد شارك أفراد من القوات البريطانية في نهب المخازن في سوق الهنود إلى جانب لصوص ورعاع المدينة.

ويستمر المؤلف في روايته فيعدد الأحياء والشوارع والأسواق التي وقعت فيها أعمال النهب كأحياء: مناوي باشا والتحسينية والسيمر وسوق البصرة القديم والصبخة الكبيرة وشملت بيوت بعض اليهود، فتوجس درويش شرا من هذه الأحداث واستدعى عددا من شباب محلة الصبخة الصغيرة وشكل عددا من مفارز الحماية، ووزع عليهم ما توفر من الأسلحة النارية والبيضاء، وتمنطق هو شخصيا بمسدسه وسيفه وجعل من ولديه المراهقين مراسلين على الدراجات ينقلان التوجيهات والماء والطعام الى مفارز هذه المليشيا الدفاعية الطارئة والمرتجلة التي شكلها.

وبعد عملية الدفاع والتصدي لأعمال الفرهود ولجمها ومحاصرتها، تحولت مفارز درويش الى الهجوم بعد أن تطوع فيها شباب بصريون آخرون من احياء أخرى، وبدأت بضبط واعتقال اللصوص والنهابين ومصادرة ما نهبوه والتحقيق معهم لمعرفة من أي بيت أو محل نهبوا ما نهبوا، ثم تكتب المعلومات على قصاصات ورقية وتلصق على المسروقات لتعاد بعد أن هدأت الاضطرابات إلى أصحابها.

يخبرنا الراوي أيضا بأن الأحداث في البصرة لم تسفر عن سقوط كثير من الضحايا وأن بعض ضحايا النهب كانوا من المسلمين والمسيحيين البصريين من أصحاب المحلات في سوق الهنود.

 *إن مشهد إطلاق الضابط البريطاني لويد النار من مسدسه على قفل محل ليهودي عراقي كإشارة لبدء النهب، كما رواه ووثقه المؤلف يذكرني بالإشارة التي أطلقتها قوات الاحتلال الأميركية حين احتلت بغداد لبدء عمليات النهب والسلب وخصوصا في مبنى المتحف الوطني العراقي بعد إطلاق قذيفة دبابة أميركية على واجهته وقد ظلت الثغرة التي أحدثتها القذيفة ظاهرة للعيان لفترة طويلة!

كما أن هذه المشهد والمشاهد الأخرى للدفاع الشهم الذي قام به شباب البصرة بقيادة الشيخ الراحل درويش الخطيب تعزز الرواية الوطنية لحدث الفرهود، وتدحض الرواية الصهيونية و”الذيل صهيونية” وتؤكد أن الفرهود كان جريمة مخطط لها من قبل البريطانيين والصهاينة وقد  تولى التخطيط لها والدفع في اتجاه ارتكابها وإعطاء إشارة البدء بهذا التنفيذ في البصرة الطرف البريطاني، مثلما تقاعس هذا الطرف عن القيام بواجبه كقوة احتلال في لجم تلك الأحداث، كما ذكر الدكتور داود سلمان “أنّ القوّات البريطانيّة التزمتْ بتعليمات القائد العامُّ للقوّات المسلّحة للحلفاء، الجنرال ويغل، ولذلك لم تحرِّكْ ساكنًا عندما حصل الاعتداء [الفرهود]، بل إنّها كانت سببًا في فسح المجال أمام العرب للاعتداء على اليهود”. ويتحدث سلمان عن “محادثةٍ هاتفيّةٍ جرت بين ضابطٍ عراقيّ، وبين مُرافق السفير البريطانيّ كورنواليس، الكابتن المدعوّ هولت، الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغِه بالمجزرة الجارية ضدّ اليهود في جانب الرصافة بقوله إنّ السفير يَعرف ما يجري من إطلاق نارٍ وسلبٍ ولكنّه يعتبر ذلك مسألةً داخليّةً لا يجوز للقوّات البريطانيّة التدخّلُ فيها.” كما وثقنا في مقالة سابقة لنا/ الآداب البيروتية عدد كانون الثاني 2021!

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com