مقالات

لنتذكر كيف تهيمن قوى الاستبداد .

بيدر ..

لنتذكّر كيف تهيمن قوى الاستبداد

قصي الصافي

قصي الشيخ عسكربقلم: نايثن جي روبنسن

المصدر: مجلة شؤون معاصرة Current Affairs

ترجمة: قصي الصافي

اقتحام بناية الكابتول عمل هزيل، ومع ذلك يجب ان يخيفنا، تلزمنا الافادة من دروس التأريخ.

في عام 1923 حاول مئات النازيين السيطرة على الحكومة الإقليمية في بافاريا، وكانت محاولتهم جد هزيلة، فقد أحاطوا بصالة (بير) حيث يجتمع القادة المحليون، وحاولوا أخذهم رهائن  بقصد الاستيلاء على المباني الحكومية. تم صدهم بسرعة من قبل الشرطة وقُدّم زعيمهم، أدولف هتلر، للمحاكمة بتهمة الخيانة. وصدر عليه حكماً مخففاً، اذ تسنى له كتابة مذكراته في السجن، وأفرج عنه بعد تسعة أشهر. سيمر عقد آخر قبل أن يطلق العنان لأبشع أعمال الإبادة الجماعية في تاريخ البشرية.

ربما لم تكن خطة “انقلاب بير هول” ناجحة، وكان الحزب النازي عام 1923 ضعيفاً. لكنها كانت نذيراً مبكراً بأن فصيلًا يمينيًا متطرفًا يستجمع قوته، فصيل لا يحترم حق النظام اللبرالي في الحكم، وسيستخدم كل الوسائل المتاحة له للاستيلاء على السلطة. لم يدرك الجميع خطورة الامر في ذلك الوقت، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز بالمانشيت العريض ” تم إستبعاد هتلر عمليا”، وأشارت إلى أنه بعد الحكم على هتلر بالسجن، فإن المحاكم قد أخرجت اليمين المتطرف من المسرح السياسي إلى الأبد.

في 6 كانون الثاني (يناير) 2021، اقتحم أعضاء من أقصى اليمين مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة، في محاولة لإلغاء نتيجة انتخابات عام 2020، وإبقاء دونالد ترامب في السلطة كحاكم غير منتخب، وقد نجحوا في إيقاف عملية التصديق على نتائج انتخابات 2020، وإجبار السياسيين على حمل أصوات الهيئة الانتخابية والفرار بها عبر أنفاق تحت الأرض.

 لبعض الوقت، كان الانقلابيون يتجولون بحرية في ما يُفترض أنه أحد أكثر المؤسسات أمانًا في البلاد، ويتسكعون في مكتب نانسي بيلوسي (المتحدثة باسم الكونغرس… المترجم)، ويحطمون النوافذ، ويسرقون الأشياء، ويرشون طفايات الحريق، ويلوحون بعلم الكونفدرالية، ويحطمون محتويات المبنى. قال أحد المشاغبين في وقته الذي قضاه في مكتب نانسي بيلوسي ” كتبت لها ملاحظة بذيئة، ووضعت قدمي على مكتبها، وحككت بيدي خصيتي”، ولم يتم القبض عليه بتهمة التعدي على ممتلكات الغير، بل ترك “لتسلية زملائه المتظاهرين وهو يروي مافعله علانية”.

من اللافت للنظر أن شرطة العاصمة لم تبذل أي جهد جاد على ما يبدو لمنع مثيري الشغب من اختراق المبنى. حتى أن بعض مقاطع الفيديو تظهر وكأن الشرطة تفتح الحواجز للسماح للحشود بالدخول. من غير الممكن رؤية حشود ترامب وهم يتجولون بحرية ويدمرون مبنى الكابيتول، دون أن نفكّر في مدى ضعف موقف قوات حفظ القانون، مقارنةً بأساليبها في التعامل مع اليساريين والملوّنين. (ونحن نسمع الرجل الذي يداعب خصيتيه في مكتب بيلوسي مفاخرًا بإنجازاته، دعونا نتذكّر كيف أن المراهقين السود يُسجنون لعدم قيامهم بواجبهم المدرسي، وكيف أرسلت امرأة سوداء إلى السجن بسبب جريمة محاولتها التصويت دون أن تدرك أنها كانت ممنوعة من الاشتراك في الانتخابات).. (كانت المرأة سجينة سابقة، وقانون ولاية فلوريدا يحرم تصويت السجناء حتى بعد اطلاق سراحهم، وقد الغي هذا القانون مؤخراً باستفتاء  شعبي عام2018 … المترجم ).

لا يمكن لأحد أن يصدق أن قوات حفظ القانون لم تكن قادرةً على منع حشود ترامب من إحداث الفوضى. كان الترامبيون يتوعدون منذ أشهر بحرب أهلية في اليوم السادس من يناير – حتى أنهم طبعوا ذلك على قمصانهم-. بالنظر إلى حجم جهاز الشرطة وأجهزة الأمن الامريكيه، لا يمكن للمتظاهرين احتلال مبنى الكابيتول بحرية إلا إذا اتخذت الشرطة قرارًا متعمدًا بالسماح لهم بذلك.

صورة الحشود العسكرية الضخمة في الصيف الماضي بالعاصمة رداً على الاحتجاجات الجماهيرية ضد التمييز العنصري تقدم لنا نموذجاً صارخاً للمقارنة. لا يسع المرء إلا ان يتأمل، لو أن انتيفا (منظمة لمناهضة الفاشية….المترجم) هي التي تجمعت بهذه القوة والعنف، فسوف تصرف الشرطة بالتأكيد وقتا في اطلاق الرصاص المطاطي ومسيل الدموع أطول من الوقت الذي صرفته بأخذ صور سلفي مع مثيري الشغب، (انظر على سبيل المثال، ما حدث لمتظاهري 20 يناير بعد تنصيب ترامب.)…. ” تم اعتقال أكثر من 200 من اليساريين والرافضين لترامب ووجهت لهم تهم تزيد في احكامها على 75 عاماً في السجن٠٠٠ المترجم “، (هذا لا يعني أن الرد المناسب هنا هو تعزيز الدولة البوليسية ومعاملة جميع المتظاهرين بالطريقة التي يعامل بها المهمشون حاليًا ؛ الحق في احتلال المباني السياسية هو حق قد نرغب فيه نحن أنفسنا من وقت لآخر)

في نهاية المطاف، تم طرد الغوغاء من المبنى، وبدأ أعضاء مجلس الشيوخ بإلقاء خطابات عاصفة مكررين عبارة “هذه ليست أمريكا “، ثم ظهر دونالد ترامب ليهنئ المشاغبين على حسن ادائهم، قائلاً إنه يجب علينا “تذكر هذا اليوم إلى الأبد” …” لأن هذه هي الأشياء والأحداث التي تحدث عندما يتم تجريده من (انتصار ساحق مقدس في الانتخابات بشكل غير قانوني وسافر) “. دعا بعض المسؤولين المنتخبين، مثل إلهان عمر وأوكاسيو كورتيز، إلى محاكمة ترامب بسبب رفضه الانصياع  لمبدأ التداول السلمي للسلطة واستمرار تحريضه لمؤيديه لمقاومة قبول نتائج الانتخابات.

من الواضح أنه يجب عزل ترامب وإقالته من منصبه، فقد أثبت مراراً أنه غير قادر على المشاركة في العملية الديمقراطية القانونية وهو عازم على تقويضها وإثارة روح التمرد على حكم القانون، بيد أن دعواته لبقاء أنصاره سلميين، ليست إلا حلقات جوفاء طالما تأتي مصحوبة بإصرار مستمر على أن الانتخابات كانت مزورة وأنه هو الرئيس الشرعي. إذا كانت الانتخابات مزورة وكان بايدن مغتصبًا، كما يحاول ترامب إقناع الناس، فمن المؤكد أن الانتفاضة المسلحة ليست انقلابًا بل فعل وطنيين محترمين للحفاظ على الديمقراطية. في جملة يدعو المشاغبين الى العودة لبيوتهم، وفي أخرى يخبرهم أن حكومتهم يتم الاستيلاء عليها حاليًا بشكل غير قانوني من قبل اوتوقراط. ان أي شخص يتعامل معه بجدية يشعر بالميل إلى حمل السلاح، حيث يُقال له إنه ما لم يتم فعل شيء ما، فإن الرئيس المنتخب حسب الأصول على وشك أن يُطرد من منصبه بشكل غير قانوني.

هذا شيء يجب أن نفهمه عن المتظاهرين، فهم لا يرون أنفسهم على أنهم انقلابيون. إنهم يرون أنفسهم يحاولون استعادة الديمقراطية، لأنهم يعتقدون أن الانتخابات قد سُرقت. يأتي غضبهم من وهم خطير سيجعل من الصعب عليهم العودة إلى ديارهم بهدوء. إذا استمر ترامب في قول أشياء مماثلة بعد تركه منصبه (ربما على موقع التواصل الاجتماعي اليميني Parler بدلاً من Twitter، حيث سيأخذ صدى كلماته تأثيرا أكبر في ابعاد انصاره بعيداً عن الواقع الحقيقيّ، ليس من المستبعد أن نستمر لفترة طويلة مع أعداد كبيرة ممن لا يعترفون بادارة بايدن كحكومة شرعية.

سارعت صحيفة نيويورك تايمز في نشر مقال وصفت فيه الأحداث على أنها “نهاية حقبة ترامب” و” فعل أخير يائس من معسكر يعاني من الافلاس السياسي”. لست واثقاً من صواب ذلك. تذكرني نبرتهم كثيرًا بذات النبرة في عام 1923 عندما كتبوا أن “أي احتمال بأن يلعب هتلر دورًا رائدًا في السياسة البافارية قد تلاشى تماماً “…، بل من الممكن تمامًا أن يعود ترامب. لا شيء يمنعه من الترشح مرة أخرى في عام 2024، وهو أكثر حزنًا واضطرابًا من أي وقت مضى. إذا كانت إدارة بايدن ضعيفة ولا تحظى بشعبية، وانحسر فشل ترامب الهائل بسبب COVID-19 في الذاكرة الجماعية (ننسى كل شيء في خمس دقائق هذه الأيام، حتى الجرائم ضد الإنسانية)، أعتقد أنه من الممكن تمامًا أننا سنرى ثانية ترامب، ولست متحمسًا لمعرفة كيف ستسير الأمور. (قد يؤدي عزله ومحاكمته إلى حرمانه من الترشح في عام 2024، لكن يبدو أنه أمر غير مرجح).

لا يوافق الجميع على أن ما جرى يمكن وصفه بمحاولة انقلابية، فلم يكن واضحًا تمامًا ما الذي يعتزم مثيرو الشغب فعله في مبنى الكابيتول، ولم أتوقع أن يبدأ الرجل الذي يرتدي قرونًا وجلدا مرقطأ، ووجهه مطلي باللون الأحمر والأبيض والأزرق، في إصدار الإعلانات التشريعية وأوامر الطوارئ من منصة مجلس الشيوخ. لكن انقلاب بير هول كان أيضًا فاشلاً وعبثيًا. أخذ الامر عقدًا آخر حتى تولى النازيون السلطة بالفعل. خلال ذلك العقد، على الرغم من ذلك، ارتكب العديد من الناس نفس الخطأ الذي ارتكبته صحيفة نيويورك تايمز، وافترضوا أنه بسبب فشل الانقلاب، فإن الحركة التي مثلتها لم تكن تهديدًا. كان هذا خطأ فادحًا تمامًا، وإذا ارتكبناه مرة أخرى فقد فاتنا أحد أهم الدروس في القرن العشرين.

يمكن أن يكون المستبدون مهرجين، مما يجعل من السهل السخرية منهم. أنا متأكد من أن بايدن سوف يتم تنصيبه وأنه ستكون هناك رتابة سطحيه تتمثل ب”العودة إلى الحياة الطبيعية” في هذا البلد. سيكون من المغري الاعتقاد بأن أولئك الذين اقتحموا مبنى الكابيتول فعلوا ذلك بدافع اليأس ولم يعد هناك داعٍ للقلق منهم. قاوموا هذا الإغراء. بالنسبة لي، الشيء الوحيد الذي يمنع اليمين المتطرف من الاستيلاء على السلطة في هذا البلد هو أنه ليس لديهم زعيم فعال وكاريزمي. دونالد ترامب كسول وأبله، وليس ايديولوجيا ملتزما مثل هتلر.

يجب على المرء أن يكون حريصًا بشأن إجراء مقارنات كثيرة جدًا بين فاشية عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي والوضع الحالي. ما يمكننا فعله هو استخلاص الدروس حول كيفية تعزيز القوة، في الثلاثينيات من القرن الماضي بألمانيا، كانت الحكومة الليبرالية المتعسرة والتي لا تستطيع حل المشكلات الاجتماعية الأساسية عرضة لحركة يمينية متطرفة محكمة التنظيم، لم تحصل على أغلبية الأصوات ولكنها كانت قادرة مع ذلك على إدارة حلقات حول السياسيين الذين افترضوا أن دستورهم وقوانينهم ستكون حبل نجاة. اليوم، علينا أن نتجنب التفكير في أن تعرض اليمين لانتكاسة انتخابية، سيمنع عودته بقوة أكبر. (وقد تعلمنا أن الشرطة والجيش قد لا يكونا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم في حماية الديمقراطية باللحظات الحرجة).

أفضل حماية للديمقراطية وتقويض تأثير اليمين أن يقدم جو بايدن للشعب الأمريكي من المنجزات والمكاسب ما يجعله محصناً من خداع الخطاب اليميني. فرانكلين روزفلت تمكن من تأمين رضا ومساندة قطاعات واسعة من الشعب، عبر تقديم بعض المنجزات لهم، مثل التأمين الاجتماعي، وادارة تطوير العمل، وقانون GI… (ادارة تطوير العمل: حزمة من مشاريع البناء وانشاء الجسور والسدود وفرت ملايين الوظائف للعاطلين عن العمل، قانون GI:  تم وفقه صرف تامين صحي ورسوم تعليم ومخصصات تقاعد للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية… المترجم)، أن عددًا كبيرًا من الناس العاديين سيفكرون بشكل إيجابي إزاء حكومتهم، اذا ما وضعت المال في جيوبهم، أو وفرت لهم تعليمًا جامعيًا مجانيًا، أو أنتشلتهم من البطالة.

 إذا ما قام الديموقراطيون بتمرير حزمة الانقاذ (في فترة الوباء) ذات الشعبية الكبيرة والتي تتضمن صرف 2000 دولار للفرد، وأعقبوها بتشريع زيادة الحد الادنى للأجور الى 15 دولارًا بالساعة، وإقرار حق العامل بإجازة عائلية مدفوعة الأجر، وجعل الدراسة في الكليات مجاناً، وإعفاء الطلاب من الديون، واصدار قانون تأمين صحي مجاني للجميع،  والبدء بمشروع الطاقة البديلة – تلك الخطوات التي لا توجد أعذار لعدم القيام بها الآن بعد أن أمسكوا بزمام السلطتين التنفيذية والتشريعية – عندها سيحصل كل شخص في البلاد على شيء ملموس من الإدارة. سيشمل ذلك القدرة على الذهاب إلى المدرسة دون القلق بشأن الديون، والقدرة على الذهاب إلى الطبيب دون الحاجة إلى التفكير في الفاتورة، والقدرة على إنجاب طفل دون القلق من أنك ستحتاج إلى العودة إلى العمل في اليوم التالي، واطمئنان الفرد أن أحفاده قد يعيشون على كوكب صالح للسكن مع حضارة مستدامة. الحكومة التي تقدم تلك الخدمات لشعبها انما تزوده بلقاح مضاد لإغراءات خطاب الديماغوجيين الفاشيين.

أنا بالطبع لست واثقًا على الإطلاق من أن جو بايدن سيبذل أي محاولة جادة لتنفيذ هذه السياسات. لقد حنث بالفعل بوعوده، وكانت اختياراته المعلنة للمناصب مخيبة للآمال وعديمة الجدوى، وأوضح أنه لا يزال يسعى إلى تحقيق ذلك الحلم الخيالي غير المثمر، والمتمثل في حكم مشاركة بين الحزبين، الامر الذي يرعبني، لأن أولئك الذين لا يلاحظون أن حياتهم تتغير للأفضل في ظل الإدارة الديمقراطية، لن يروا أي سبب لإعادة الديمقراطيين إلى السلطة. الجمهوريون الذين ما زالوا يسيطرون على المحاكم ومصممون على تآكل الديمقراطية قدر الإمكان، سيعودون إلى السلطة بغفلة منا إذا أفسد الديمقراطيون هذه اللحظة المحفوفة بالمخاطر. لسوء الحظ، لم يتضح لي على الإطلاق كم منهم يعرف حتى أنها لحظة محفوفة بالمخاطر، ناهيك عن فهم ما يجب القيام به.

يجب أن لا نطمئن للافتراض القائل أنه لا يمكن أن يكون هناك انقلاب ناجح في الولايات المتحدة المعاصرة. سيكون اليوم الذي نكتشف فيه أننا مخطئون هو اليوم الذي فات فيه الأوان لفعل أي شيء حياله، التاريخ لم ينته. أمامنا الكثير، وخياراتنا اليوم تحدد الطريق الذي سنسير فيه

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com