فن

زَهاء حديد والجائحة المعمارية .

هيئة التحرير .

زَهاء حديد والجائحة المعمارية

محمد عارف*
في 8 مارس الماضي، افتُتح في مدينة دبي فندق ME، الذي صممته زهاء حديد عام 2007، وأشرفت على تصميمه الداخلي، أقيم الفندق في مُجَّمع معماري من برجين اسمه the opus ويعني «التوليفة» بالعربية، حيث يؤلف بين برجي المجمع في شكل مكعب، وهي طريقة اشتهرت بها المعمارية العراقية، «التي غيّرت ناطحات السحاب حول العالم»، حسب فضائية «سي أن أن».
وإبداعات زهاء المعمارية جائحة تغير العالم، منذ فازت عام 1982 على 600 معمار عالمي بجائزة تصميم مبنى «الذروة» على سفوح التلال المحيطة بمدينة هونغ كونغ، ولم يتم إنشاء المبنى لأن «مخطط التصميم كان مقسماً على طبقات أفقية، بدلاً من أن تكون رأسية حسب المألوف، وبدت عناصر التصميم عائمة، كما لو كانت منثورة في الجو»، ذكر ذلك المعماري الياباني «آراتا إيسوزاكي» عضو لجنة التحكيم، الذي أيّد بقوة منح زهاء الجائزة، وادعاء تعويم عناصر التصميم سيواجه معظم أعمال زهاء، وهو الذي حقق لها الفوز بعشرات الأبنية، بينها برج «جامعة هونغ كونغ التكنولوجية» عام 2013، البالغ طوله 76 متراً، ويشهق الناظرون لمرآه معلقاً في الفضاء
وعندما نتابع مقابلات زهاء التلفزيونية ومحاضراتها ندرك قوتها الجائحة، التي تستمر في تغيير العالم، ويحملها عنها الآن مكتبها الذي يضم 700 معماري شاب من مختلف أنحاء العالم، اختارتهم أثناء تدريسها العمارة، أو تنفيذها مشاريع في بلدان عدة، وتَعَهَدتهم سنوات طويلة، ويُعبر أحد تلامذتها عن موقفها في عدم التكرار، وهو قانون زهاء حديد في الإبداع، الذي يُفّجره التحدي، والجِدة، والمغامرة المعمارية، وضاعف هذا نزعة العداء للنساء والعرب التي واجهتها زهاء، وبلغت حد ادعاء محرر ملحق «نيويورك تايمز» مقتل 500 عامل عند إنشاء ملعب كرة قدم من تصميمها، وكسبت زهاء دعوى أقامتها ضده، لكنها تنازلت عن مبلغ التعويض لقاء تقديم اعتذار رسمي
ويفخر المعماريون عادة بقصور فخمة أشادوها للأثرياء وعلية القوم، لكن لن تجد بين أعمال زهاء حديد سوى فيلا واحدة، تُسامق أشجار غابة روسية، أقيمت في أعماقها، وبعد أربع سنوات على رحيلها، يستعيد العالم قوة مثالها وأفكارها، في تغيير تصاميم دور إيواء المسنين، حيث «تبلغ وفياتهم في الولايات المتحدة ثلث عدد ضحايا جائحة كورونا»، ذكر ذلك تقرير مسهب في «نيويورك تايمز» عنوانه «مع تقافز عدد وفيات دور اِلإيواء ترتفع النداءات لتغيير تصميمها»، الذي جعلها «وليمة مسعورة» للوباء، حيث بلغ عدد المصابين المرضى وأعضاء الكادر الصحي 296 ألف، والوفيات 55 ألف.
ويتسابق المعماريون في تصميم بنايات ما بعد الجائحة، وتُعرَض أفكار عابثة، تُركِّز على تفاصيل ثانوية، كتصميم أغطية رأس شفافة تتدلّى من السقف لتغطية رؤوس المدعوين للعشاء! وفي حديث مع «راديو 4»، تسهب المعمارية البريطانية «أماندا ليفيت»، الحائزة على جائزة «ستيرلنغ» للعمارة، في إيراد تفاصيل تغيير تصاميم المنازل بعد الجائحة، ثم تتذكر شحة المنازل أصلاً في بريطانيا، وعدم توفر قروض لبناء منازل جديدة، ولو أن زهاء حديد، وهي أول أمرأة تفوز بجائزة «ستيرلنغ»، تتحدث عن البناء بعد الجائحة، لما ترددت في السخرية، على غرار كلمتها في حفل منحها وسام الإمبراطورية البريطانية، حين قالت إنها لا تشرب الكحول، ليس لأنها عراقية مسلمة، بل لأنها تهوى المرح والعمل ساعات طويلة، والشرب يفسد كليهما.
وكالشاعر المتنبي «على قلقٍ كأن الريح تحتي// أوجهها جنوباً أو شمالا»، أنشأت زهاء في مختلف القارات متاحف ومسارح ودور أوبرا ومسابح ومنصات قفز على الجليد ومنشآت طبية وأكاديمية ومحطات وجسور، وتُلخّص سيرتها عبارتها المجنحة «لا يمكن تحقيق تقدم من دون عنصر من اللايقين، ومن دون الانطلاق المثير في رحلة المجهول»، وما الذي يماثل الجائحة في اللايقين والمجهول؟.
*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com