مقالات

بصري بين الجبال ٣من ١٢ .

هيئة التحرير .

الباحث عبد الحميد برتو .

ويتسع القلق حول الجدوى
شعر النصير الجديد محمد الحجاج بعد شهرين فقط من الإنضمام الى الحياة الفعلية للأنصار بالملل. يعيش واقعاً يشبه حالة البطالة على حد وصفه. يقول التتابع المنطقي لحالةِ مَنْ يشعر بالبطالة أن عليه تقع مسؤولية وضرورة البحث عن عمل ما. وجد ضالته بمعالجة مسألة شحة الغذاء. قاد مفرزة نحو القرى التركية لهذا الغرض. كما جاءت فرصة أخرى حين كلفه الرفيق الراحل توما توماس في 29 تشرین الأول 1980 بقيادة مفرزة ثانية لنقل السلاح الى قاعدة (ھیركي) وسط قاطع بھدنان. لا شك في أن الإعراب عما يحس به النصير شجاعة من نوع آخر. خاصة حين تطغى الحماسة عليها، وهي مهمة عند تقديم العطاء. ولكن ينبغي على إدارة العمل من جانب آخر، أن تفرز مراتب تلك الحماسة لقتال العدو حسب مؤشرات تقدير الواقع، والتحري عن الأسباب، المعلنة منها، وترك نسبة للتوقع الحصيف. إن درجات الصدق في التعبير عن المواقف والقناعات متباينة عند أعضاء كل مجموعة إجتماعية.

بدأ دبيب الأسئلة يتسع عند المقاتل الشاب وعالم الوراثة المتخرج حديثاً. فذهب أبعد مسافة من الملل والشعور بالفراغ. بدأ يدرس حالة الحصار المحيطة به، وبالعمل الأنصاري ككل. طرح الأمر على النحو التالي: تركيا وحلف شمال الأطلسي “الناتو” من الشمال، والنشاط الأنصاري يجري في منطقة نائية وخالية من السكان، وتحيط الربايا العسكرية العراقية الموقع من كل الإتجاهات. إن طَرَحَ هذه الأسئلة على نفسه، أمر عادي. فحوار الذات حدوده واسعة جداً.

يتفحص النصير تلك التساؤلات على النحو التالي: “ھل نحن بمستوى التحدیات الكبیرة التي نواجھھا من النواحي الإجتماعیة والعسكریة والإستعداد لأي طاريء قد یحدث؟”. (تجربتي ص 35). يجيب على أسئلته فوراً ودون تردد، بقوله: “إن قناعتي تقول أنه لو بقینا على نفس سیرة العمل التي كنا نعیشھا من الجوانب الفكریة والتنظیمیة، فإن ھذا المستوى بعید عن تحقیق الأھداف ألآنیة والبعیدة والتي نحن بصددھا ونعمل من أجلھا”. (تجربتي ص 35).

عندما يصل تداول مثل هذه الأمور عند أي عضو في أية جماعة الى هذا الحد، ينبغي فتح باب المناقشات واسعاً بين المقاتل والإدارة. ينبغي مد جسور التواصل بين موقفين متعارضين، أحدهما للفرد والآخر للجماعة. يتطلب الموقف من إدارة العمل دراسة ما يُقَدَم بحكمة وصبر مع ذخيرة حقيقية من التبرير المعرفي. كل التجارب في العمل الذي يقوم على حمل السلاح والأعمال ذات الطبيعة الإقتحامية، تتطلب القناعة بجدوى ذلك العمل من قبل المقاتل. خلاف ذلك يُنقل النصير الى التنظيم المحلي أو العمل في منطقة أخرى على أمل خلق حالة من الإنسجام المقبول، ضمن أعراف الجماعة. هذا طبعاً بعد إستنفاد المناقشات الواعية والصبورة. غير هذا الموقف يعني وجد خلل عند أحد الطرافين، أو الطرفين معاً. الأول لم يتخذ تدبيراً والثاني لم يتخذ قراراً. إن الكفاح المسلح له حدود حادة وقواعده صارمة وموحدة، ومن المفترض أن تحظى بقناعة ونفوذ عند كل المشاركين فيه، وعلى مختلف مراتب المهمات.

بعد عملية نقل الطعام، ومن ثم عملية نقل السلاح، جاء لقاء النصير مع الرفيق یوسف سطیفان ـ أبو عامل، الذي وصفه بالقائد العام لقوات الأنصار. تقرر نزول قوة من الأنصار الى القرى القریبة بقیادة توما توماس. وهو يرافقه كمستشار سیاسي لتلك القوة. بعض المرارات الطبيعية قَرَّبَت المقاتل من الشعر. تذكر إبن البصرة السياب وقصيدته العملاقة أنشودة المطر: ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء .. كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر! لا يوجد ما يوحي بأن صاحبنا تجاوز الحالات التي مرت عليه. وعجزت عن تغيّر حالته معركة مع القوات الحكومية دامت نصف ساعة تقریباً. تلك المعركة التي إستقبلها الأھالي بالأھازیج والترحاب الحار.

تُرْافِقُ روحُ الإعتراضِ صاحبنا حتى بعد تلك العملية الناجحة، التي قال عنها: إنھا نقطة تحول مھمة في حركة الأنصار بشكل عام، ولكنه عاد واستدرك بقوله: لكنها عفوية، وتشبه إسلوب العشائر. هذا التقويم أثار غضب الرفيق توما توماس، وهو غضب لا أستغربه، ربما بسبب النزعة الحرفية عند بعض الرفاق. ولكن في الوقت نفسه لا أرى نفعاً في أن يتحول الرأي الى نقطة ضد النصير محمد الحجاج.

تجاوز النقد من جانب الحجاج دراسة أو نقد إحدى المعارك، الى تناول سياسة الحزب ككل. قال: “وقد أكدت في إحدى جوانب النقاش على ضرورة التخلي عن النھج المتبع (الذي تغلب العفویة علیه)، والذي في جوھره الطابع الیمیني لقیادة الحزب، حتى وإن تسترت ظاھریاً بركوب الموجه (الیساریة) الجدیدة التي تكرست من خلال ضغط الوضع السیاسي العام في العراق والمنطقة آنذاك. وذكرت فیھا بان النھج الجبھوي السابق ھو المسؤول الأساسي على ما نحن علیه. ولاحظت حینھا إرتیاحاً ورضا من الحاضرین في الإجتماع ما عدا الثلاثة (أبو عامل وأبو یوسف وأبو جمیل) لأن الأمر یھمھم”.(تجربتي ص 42). وأنحى باللائمة بصفة خاصة على الرفيق باقر إبراهم ـ أبو خولة عضو المكتب السياسي.

إن تركيز النقد على شخص واحدة من قيادة أية جماعة لا يستقيم مع الدراسات العلمية. قد يلجأ إليه البعض للتخلص من مسؤوليات نقد الحالة العامة. وأحياناً لتمرير الضر العام من خلال التصويب على شخص واحد. وراء مثل هذه المواقف دوافع مختلفة. إن تسليط الضوء في التجريح على شخص واحد قد يضر بسمعته أو هيبة. ولكن الوجه الآخر من العملية يساهم في إهانة الجماعة كلها، وتقزيم مركزيتها وسمعتها الواجبة. ربما الشخص الأول في أية جماعة يتحمل مسؤولية أكبر بحكم كونه الموقع الذي تتجمع فيه كل خيوط الحزب أو الجماعة الإجتماعية حسب. ينبغي في الوقت نفسه الإعتراف بأن الأفراد قد ينزلون أضراراً بالجماعة أكثر من الأعداء المكشوفين. إن هؤلاء الذين يلحقون الضر بالأفراد والجماعة، تكون أهدافهم وأسباب سلوكهم متباينة. تتطلب التقصي الحذر والدقيق. أخطرها أصحاب الدور المرسوم من دوائر لا تمت للجماعة بصلة. تحمل تجاربنا الخاصة وتجارب أشقائنا الكثير مما يستحق التوقف والتحليل المعمق والنزيه.

واصل الحجاج كلامه مضيفاً: “لقد أیقنت منذ الأشھر الأولى لوصولي الى كردستان، أن الكفاح المسلح بدون إسناد سیاسي من قبل الشعب ھو عملیة فاشلة” (تجربتي ص 39). قال بصوت مسموع أثر خسارة لعبة المحیبس: “إن القیادة التي أوصلتنا الى الھزیمة لا تستطیع أن تقودنا الى النصر”. (تجربتي ص 43). تناول طبيعة العمل الجبهوي المرتبك مع جبهة (جود). توقف عند مساهمتهم في العمل العسكري، حيث فشلوا من أول مواجهة على الأرض. طرح بالمقابل فكرة تصعيدية لمهاجمة مقر أحد الأفواج العسكریة المكلفة بحمایة قضاء زاخو.

على الرغم من كل حالات الغضب والشعور باللاجدوى. وجد صاحبنا ما ينبغي إمتداحه، حيث إمتازت مفارزنا باحترامھا للأھالي. وإن ھناك توجیھات صارمة لا جدال فیھا. تقضي بعدم المساس بالسكان، أو الإخلال بالقواعد الأخلاقیة. خلافاً لبعض القوى والحركات في المنطقة، التي غالبا ما تستخدم أسالیب قاسیة. يضيف إشارة إيجابية أخرى: “وكانت احتفالاتنا بیوم المرأة العالمي في 8 آذار له طعم آخر لكون النصیرات یمثلن أزھى وأنبل وجه في بطولتھن الرائعة وھن یشاركن بمعظم ما یتطلبه عمل قوات الأنصار. وكنا نقیم بعض الفعالیات الممیزة وبعض العروض المسرحیة في الھواء الطلق كالتي أشرف علیھا أبو عراق وصباح المندلاوي وغیرھم”. (تجربتي ص 54). إمتدح وجود (ھیئة قضائیة) ومحكمة مشكلة من حقوقیین أنصار. تبت في كثیر من القضایا كالزواج والتحقیق والبحث في أية قضية ذات طبيعة قضائية. تناول تجارب الإندساس أيضاً، وسبل كشفها وطرق التحقيق.

طرح فكرة على قیادة الحزب في نھایة عام 1981 بضرورة التفكیر بطریقة أخرى للتوجه الى المناطق الجنوبیة من العراق، لإیجاد أو بناء ركائز تنظیمیة جدیدة بعیدة عن أعین المخابرات الحكومیة. تتضمن تلك الخطة استغلال إمكانیة بعض منظماتنا في الدول المجاورة، وتحدیداً دولة الكویت. ذكر بعض التجارب الفاشلة، منها: تكليفه بإیصال الرفيق أبي ماجد (حامد الخطیب) الى قریة قرب العمادیة في طريق عودته الى بغداد. دهش حين طلب منه المُرْسَلُ الى الداخل وثائق وھویات متفق عليها.

لاحظ “أن الوضع السیكولوجي للأنصار إتجاه مراكز تجمع الجیش لم یصل الى الشعور بالعداء لكوننا نعلم أن أكثر أفراده ھم من المجندین إجباریاً ولا یمثلون النظام… هذا الشعور عبر عنه بعض الأنصار بإسلوب ھزلي وبطریقة المزح ، قال مؤكداً بـ: أنھا تعبر عن واقع لم یفھم بطریقة علمیة. ففي أحدى المرات ونحن نقصف مقرا لفوج قریب من مقر القاطع كنت أسمع أمنیات تصدر من أفواه بعض الأنصار، بأن لا تصیب قذائفنا الجنود المتواجدین فیه لكونھم أقربائنا وأولاد عمومتنا”. (تجربتي ص 59).

هنا أستطيع أن أقول بلا تحفظ أن تقدير الكاتب كان سليماً. ظهرت أول إشارة من هذا النوع عندنا في الخارج عند بدايات إنطلاق العمل الأنصاري. وكنت حينها عضواً لجنة تنظيم الخارج للحزب. جاءت تلك الملاحظة من رفيق طيار هارب من النظام. ويعمل ضمن منظمة الحزب في إيطاليا، قال” أنا ضد مهاجمة الجنود وهم لا ذنب لهم”. بديهي في النضال الوطني ينبغي أن تكون عمليات إختيار الأهداف واضحة ودقيقة جداً. حين يتسرب الشك الى المقاتلين حول طبيعة الأهداف المختارة. هذا يعني أن هناك خلل ينبغي أن يعالج بأفق إستراتيجي ومبدئي وبعيد عن العواطف غير الرزينة أو المدققة. إن البطولة في غير موقعها تمنح العدو فرصة في أن يستخدمها في دعايته.

يبدو أن عدد غير قليل من الرفاق يدعون الى توفیر الأجواء لطرق جدیدة أخرى الى جانب العمل الأنصاري. يقول الحجاج” “لقد لاقت إقتراحاتي رضا قیادة الحزب حول الدخول الى الوطن عبر منافذ دول الجوار، وقد إھتمت تنظیمات المنطقة الجنوبیة بذلك. وبالإتفاق مع أبو یوسف فقد تقرر سفري الى دمشق لسببین الأول ھو العمل على توفیر الإمكانیة للدخول عبر الكویت الى البصرة أو الناصریة، والثاني والذي ھو غطاء للأول ھو للعلاج بسبب بروز أعراض قرحة في الإثني عشري وكان ھذا من الإرھاق وسوء التغذیة”. (تجربتي ص 60).

إن شروط عدم البقاء تكاملت عند النصير محمد الحجاج. على أساس الركائز التالية: لا جدوى من العمل الأنصاري، قيادة غير كفوءة، تحالفات مرتبكة، محاطون بالأعتداء من كل الجهات، وظواهر تردي الوضع الصحي.
يتبع …

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com