صدر حديثا

الشيوعيون العراقيون في الإتحاد السوفييتي فصل من كتاب “شيوعيو الشرق الأوسط في الاتحاد السوفييتي” بقلم الباحث الروسي د. جريجوري كوساتش غلاف الكتاب باللغة الروسية جريجوري كوساج جريجوري كوساج في عام 1944 ، وهو مؤرخ سوفييتي وروسي في الشؤون العربية ومختص في الشؤون السياسية العربية المعاصرة، ويتقن اللغة العربية. ويشغل منصب بروفسور قسم التاريخ العربي المعاصر، وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 1990، وأخصائي في معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس تحرير مجلة “أوراسيا”، وهو مؤلف أكثر 163 من الكتب والمقالات في غالبيتها حول الشؤون السياسية في البلدان العربية. الشيوعيون العراقيون في موسكو، هل وجد حزب أصلا؟ مقر الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق – موسكو، ميدان ستراستنايا في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات ظهر لأول مرة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق طلبة من العراق. وكان عددهم قليلا ولم يتجاوز أربعة طلاب. ولم يصل هؤلاء الطلاب إلى العاصمة السوفييتية في وقت واحد، بل بطرق مختلفة وبمبادرة من المجاميع الشيوعية الفاعلة في الشرقين الأدنى والأوسط، والحديث يدور هنا بالدرجة الرئيسية من ايران.إن مثل هذه المبادرات لم تأت نتيجة لنشاط هذه المجاميع بقدر ما تعكس اهتمام الكومنترن بالعراق الذي يستند على قدر من الأسس، رغم أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل مبادرات هذه المجاميع. فالعراق كان يعاني من عدم الاستقرار الداخلي أولاً، وثانياً أن حصول العراق على الصفة القانونية كدولة مستقلة سياسياً عام 1932، لم يُغيّر من الواقع الحقيقي، وهو الدور المهيمن لانتداب بريطانيا العظمى على البلاد. إن معارضة شعب البلاد للدولة المنتدِبة قد طرح في البداية على سكرتارية الأممية الشيوعية تحت اسم “ميسوپوتيميا”. كان أول طالب عراقي في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق هو عبد الحميد الخطيب1 (بالإسم المستعار خالد)2 الذي وصل إلى موسكو في آب عام 1929. أما الطالب الثاني فهو عاصم فليح الذي ورد اسمه في وثائق الجامعة. وصل عاصم لفيف من طلبة الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من مختلف الجنسيات في نهاية العشرينيات فليح3،(بالإسم المستعار صائموف) إلى عاصمة الاتحاد السوفييتي في عام 1931 واستقر فيها، ودرس في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الفترة بين عامي 1934 – 1935. وقد اعتبر عاصم فليح ممثل الشيوعيين العراقيين في المؤتمر 1901-1949 1910-1970 يوسف سلمان يوسف (فهد) قاسم حسن أحمد الشيخ السابع للأممية الشيوعية مع قاسم حسن أحمد الشيخ4 ( تحت اسماء مستعارة هي مريد، ناظم تمين، زقور نعيم) 5، بالإضافة إلى يوسف سلمان6 (الإسم المستعار هو فردريك، برنارد فريدريك). لقد مكث قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو لمدة سنة واحدة، وغادرها في عام 1936 بعد أن انهى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق وعاد إلى الوطن. ومكث يوسف سلمان في موسكو حتى عام 1937، و أصبح لا حقاً قائداً للحزب الشيوعي العراقي. ومن اللافت للنظر هو قلة عدد العراقيين في موسكو، أخذا بنظر الاعتبار اهتمام الكومنترن بتشكيل منظمة شيوعية في العراق قادرة على قيادة النشاط في البلاد. وهنا يطرح السؤال التالي. هل أن تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي بدأ بالفعل في عام 1934؟؟ فإذا كان هذا التاريخ صحيحاً، فبأية صفة كان عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح يتلقيان الدراسة قبلئذ في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق؟ هل بصفتهم كشيوعيين أم كمرشحين لتبني العقيدة البلشفية؟7، ولماذا وجد بعد عام 1934 طالبان عراقيان فقط في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الوقت الذي كانت المنظمة الشيوعية العراقية بحاجة الى أن يتلقى الدراسة فيها عدد اكثر من الحزبيين العراقيين؟ 1 الطلبة العراقون في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق: هل يعتبرون أفراد شيوعيين إن المقبولين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من أي بلد كانوا يعتبرون من انصار الشيوعية نظرياً وعملياً، ويعملون بنشاط في صفوف الفرع المحلي للاممية الشيوعية، وإن الذي يرسل إلى العاصمة السوفييتية بناء على طلب الحزب الشيوعي المعني لا بد وأن يتلقى في المستقبل المعرفة الضرورية النظرية والتطبيقية، ويصبح هؤلاء الطلبة أعضاء في اللجنة المركزية أو في الهيئات القيادية المحلية ( أعضاء في اللجنة المركزية أو في لجان المناطق أو لجان المدن أو اللجان المهنية)8. كان العراق حالة استثنائية من هذه القاعدة. فظهور طلبة من هذه البلاد في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق كان متأخراً ولم يكن قد خُطط له مسبقاً. إن قيادة الجامعة استطاعت أن تقبل في جامعتها القادمين من “الريف”9 عند اتخاذ قراراتها فيما يتعلق بقبول الطلبة من البلدان العربية، وبذلك فإنها تميز من الناحية الاجتماعية ممثلي الأحزاب (على سبيل المثال إنها أبعدت الفلاحين عن الإنتماء في صفوف الشيوعيين المصريين)؟ وفي معايير القبول، في حين لم توضع أية ملاحظة تخص العراقيين10. بالرغم من أن الشيوعيين العراقيين كانوا يصرون على إرسال طلبتهم إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق11. يحتوي ارشيف الدولة الخاص بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الروسي، وتحديداً في القسم المتعلق بالعلاقة بين الكومنترن والشيوعيين العراقيين، على بعض وجهات نظر لا يمكن مقارنتها بحجم المعلومات المتعلقة بالاحزاب الشيوعية العاملة في البلدان العربية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. ففي العديد من هذه السجلات المتعلقة بالعراق، لا توجد من الناحية العملية أية قرارات صادرة من الكومنترن أو سكرتارية الشرق سوى القليل من الرسائل أو التقارير المرسلة من العراق. ولا توجد هذه الوثائق في ملفات مستقلة خاصة بالعراق، بل هي موجودة في ملفات عضو سكرتارية الكومنترن الشيوعي الفرنسي أ. مارتي(تسع وثائق). وإن تم الإعلان رسمياً عن تاريخ تأسيس الحزب، فهل اعترفت الأممية الشيوعية به مباشرة بعد تأسيسه؟ وهل أن الحركة الشيوعية العراقية في الثلاثينيات قد مرت بأحسن فترة من تاريخها؟ من المناسب العودة إلى موضوع الطلبة االعراقيين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق، حيث تطرح العديد من الأسئلة في تعابير أخرى: ما هي مهنهم وما هو العامل المشترك بينهم؟ أو السؤال عن ما هو العامل الذي أدى إلى تأسيس الحزب في حالة إنتماء مثل هؤلاء الأعضاء إليه؟ إن أعمار هؤلاء الطلاب تدل على أنهم ينتمون إلى جيل واحد. وحسب تأكيدات عبد الحميد الخطيب، فإنه قدم إلى موسكو بعد أن جرى تعيينه معلماً للفيزياء في إحدى المدارس العراقية12. وقبلئذ كان عبد الحميد قد أنهى مدرسة الصنائع العراقية وأرسل إلى البصرة حيث قام بالتدريس في أحدى المدارس المحلية لمدة عام واحد13. ويمكن القول إن عمره لم يتجاوز العشرين عاما. وفي أغلب الظن إنه ولد في الفترة بين عام 1909 وعام 1910. وولد يوسف سلمان في عام 1901 وعاصم فليح في عام 1903 وقاسم حسن في عام 1910. وقد وحدتهم بغداد كمسقط رأسهم. وكان عبد الحميد الخطيب من عائلة ميسورة الحال. أما عاصم فليح فقد ولد يتيماً من أب معلم، واشتغل في الهند ولم يكمل حتى تعليمه الإبتدائي، حيث لم يجلس على مقعد الدراسة سوى لمدة سنتين ونصف. وترك الدراسة لمساعدة عائلته وأصبح خياطاً واختار مهنة والدته. وسار على هدى الطريق الذي سار عليه يوسف سليمان في طفولته، حيث شارك مسار رفاق دربه في العقيدة. ولد البطل الرسمي اللاحق للحزب الشيوعي العراقي(فهد) في عائلة مارست مهنة الخبازة، إلاّ أنه يختلف عن الشيعي عاصم فليح. فيوسف سلمان ينتمي إلى المكون المسيحي الكلداني15 .ودرس في الفترة التي سبقت عام 1912 في مدرسة مسيحية في بغداد، ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، واجبره أبوه على التوجه إلى البصرة للدراسة في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة. وأخيراً، نعرج على المنحدِر من الطائفة السُنّية قاسم حسن أحمد الشيخ. فالشيخ كان ابن جنرال في الجيش العثماتي، ودرس في مدرسة الحقوق التي كان من الممكن أن تفتح أمامه أبواب الرزق ويصبح محامياً في بغداد. إلاّ أنه لم يكمل دراسته في تلك المدرسة15. عاد قاسم حسن أحمد الشيخ إلى موسكو في عام 1941 بسبب اندلاع الحرب العراقية البريطانية في آيار من نفس العام حيث أعلن عن مشاركته فيها16. وأمل في أن يحصل على اللجوء السياسي، ومن جديد دوّن سيرة حياته. وجاء في مدونة السيرة ما يلي:” إنني ابن ضابط في الجيش التركي، وكان أبي الموظف الوحيد في العائلة التي اشتغل أفرادها كعمال. وكان والدي يشغل رتبة لواء في الجبهة الشمالية من العراق في فترة الحرب الأمبريالية الأولى عندما أحتل الجيش البريطاني العراق. وقد وافته المنية في كردستان العراق، وقد دس له السم من قبل عميل بريطاني”. ويستطرد قاسم حسن في تدوين سيرته قائلاً:”وبعد وفاته لم يبق للعائلة أي مصدر للرزق. وانتقلنا إلى بغداد حيث مكثنا فيها ثلاث سنوات في بيت واحد مع أقرباء لنا لحين حصول أخي الأكبر على راتب يسد قوت العائلة. في أعوام 1924-1928، انهيت الدراسة المتوسطة واضطررت إلى العمل كعامل. وقتها كنت أعمل في النهار واستمر في الدراسة المسائية. وبدأت بدراسة التاريخ والعلوم الاجتماعية. وكان تاريخ ثورة اكتوبر الاشتراكية أحد المواضيع التي اوليت له جل اهتمامي في الوقت الذي تصاعدت خلالها موجة الحركة الوطنية الثورية ضد الأمبريالية البريطانية”17. ومما يثير الإهتمام إن الخيار الشيوعي (أو بالأحرى التطلع الى بلوغ الوضع المأمول كلاجئ) قد ارغم هذا الشخص على تعديل سيرته الذاتية. أنه لأمر سئ كون المسؤولين في الكومنترن ليسوا على معرفة جيدة بالبلاد التي تنشط فيها منظمات لها علاقة بهم. وكيف إستغل عدم المعرفة هذه وجمود تفكير رجال اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الأفكار والممارسات الشيوعية بعد دخول الإتحاد السوفيتي الحرب العالمية الثانية (يكفي ان نشير بهذا الصدد الى التفسير المعادي للإنكليز الذي طرحه قاسم حسن أحمد الشيخ .. في حادثة وفاة والده). لم يتقن عاصم فليح سوى اللغة العربية، أما يوسف سلمان يوسف، الذي عمل، بعد انهاء الدراسة في المدرسة التبشيرية عام في البصرة عام 1916، مترجماً في الجيش البريطاني، فقد كان يجيد اللغتين العربية والانجليزية. أما فيما يتعلق بقاسم حسن أحمد الشيخ فإنه كان يتحدث بطلاقه باللغات العربية والتركية والكردية والانجليزية18.وقدم تقريره باللغة الانجليزية، وتدل تواقيعه على إتقانه لغة المتروبول. وعلى الرغم من التباين في منحدراتهم الاجتماعية ومستوى تعليمهم، إلاّ أن ذلك لا يعني أن الطريق والمصير الذي اختطوه كان متعارضاً. على العكس، فقد واجهت الجميع ظروف مؤثرة من شأنها أن وحدت ابن الجنرال السابق الذي ينحدر من من مجموعة أثنية ودينية غير مرموقة وممثل طبقة متوسطة انحدر بسبب عوامل عائلية نقلته من واقع الصدف إلى مرتبة اجتماعية متدنية. لم تؤسس الدولة العراقية بفعل عوامل داخلية نابعة من رحم المجتمع، بل نتيجة لتدخل طرف خارجي فرض سياسته في المنطقة بقوة السلاح. هذا الطرف هو بريطانيا، الدولة العظمى في تلك الفترة. فبفضل الجهود التي بذلتها في عام 1920، تم تأسيس المملكة العراقية على جزء من أراضي الامبراطورية العثمانية ( في البداية على شكل انتداب)، واستلم التاج قائد “الثورة العربية الكبرى” الأمير فيصل الذي أطيح به جرّاء ضربات الجيش الفرنسي ضد ” الدولة العربية” في دمشق. في فترة تأسيس الدولة العراقية ( في الوقع لقد تأسست لاحقاً لأسباب عديدة)‘ فإن التركيبة المحلية كانت تبدو في الواقع بعيدة كل البعد عن كونها مجتمعا وطنيا 19. وهذا يعني أن العراق يمكن أن يصنف كمجال أرضي يحتاج إلى أن يصبح حقيقة سياسية ترتبط بمُثُل موحدة للمجتمع الوطني. وكان الطريق إلى ذلك شائكاً. وخلال كل الفترة بين الحربين العالميتين عصفت بالبلاد موجة من العصيانات والانتفاضات، إضافة إلى تناقضات بين “الفئات الحاكمة” المدعومة من الخارج، هذه التناقضات التي لم تهدأ بعد إعلان الدولة المستقلة سياسياً. فالمصالح المتعارضة لهذه المجاميع النخبوية الداخلية التي تتمتع بعلاقات معقدة مع ” الفئة الحاكمة” في البلاد، أثارت في المجتمع مواجهات عرقية طائفية تميل إلى الإتفصال ولا نهاية لها، ودموية أحياناً. لقد أدى إعلان الدولة العراقية إلى تغيير في أولويات االعراقي ومصيره. وتشكل وضعً انطوى على حراك اجتماعي لم يسبق له مثيل، وتدمير المؤسسات الاجتماعية القديمة التي بدت غير قابلة للتغيير. فهل كان من الممكن لإبن جنرال الجيش العثماني، الذي تعرض للهزيمة بين القوى المتصارعة، أي دول المتروبول، أن يحتفظ بمكانته الاجتماعية السابقة؟ ألا كان من الأفضل أن يستمر، على سبيل المثال قاسم حسن أحمد الشيخلي، بنمط الحياة التي عاشها، قبل الحرب العالمية الأولى، والإنخراط في مهنة والده العسكرية في الجيش العثماني. وهل أنه اختار حقل دراسة الحقوق لأن الخيار الأول بدا وكأنه ضرب من الخيال؟ بالطبع أن الدراسة في مدرسة الحقوق تتطلب موارد مالية، وشكل ذلك العامل الذي أدى إلى عدم قدرة قاسم حسن أحمد الشيخ على الاستمرار بالدراسة. ومن المحتمل أنه لم يكن بمستطاعه توفيرالمبالغ الكافية كي يصبح محامياً. إن تطور الأحداث اللاحقة في العشرينيات والثلاثينيات أصبحت متوقعة. وعمل الشيخ “كاتباً في وزارة المعارف” (عندما احتاجت الدولة العراقية إلى المعلمين من أجل تأسيس المعاهد التعليمية). ثم تعرض الشيخ إلى الفصل من الوزارة لاحقاً جراء “نشاطه الشيوعي”20.”، كما جاء في وثائق الكومنترن، علما إن صفحة الأعمال الخاصة بقاسم حسن أعدت من أجل حاجة الأمن الداخلي في الكومنترن ، وليس من المجدي فهم أقوال كاتبها حرفياً “، ولم يوضح مكان انتقاله إلى وظيفة محاسب هذه المرة. الحديث يدور عن تدهور لاحق للحالة المعيشية وإنحطاط الوضع الاجتماعي، وكذلك عدم وجود وارد مستقر له. أضطر قاسم حسن أحمد الشيخ جراء فقدان عمله في بغداد إلى الانتقال إلى بعقوبة حيث تولى مهمة تأسيس خلية شيوعية فيها21 ، ثم عاد لاحقاً إلى العاصمة وخاض النشاط السياسي العلني. في عامي 1934 و 1935 عمل الشيخ في جريدة “الأهالي”22 . وقد أشار إلى تلك الفترة من حياته في مدونته الجديدة التي كتبها في تشرين الثاني من عام 1941 في موسكو:” لقد عدت إلى بغداد حيث كان ينشط تنظيمنا الشيوعي كتفاً لكتف مع العناصر الثورية الأخرى التي أصدرت جريدة “الأهالي”. وقد شاركنا بفعالية في هذه الجريدة ونشرنا على صفحاتها مقالات دافعنا فيها عن مطالب الطبقة العاملة. وأصبحت على رأس تحرير هذه الجريدة، وشرعت في الوقت نفسه بالدراسة في كلية الحقوق التي تولت إعداد المحامين”. ومن جديد صحح قاسم حسن أحمد الشيخ سيرته الذاتية، ويبدو أن سيطرة الكومنترن الشاملة على أقسامه كانت في الواقع ضرباً من الخيال. ولم يكن مصير عاصم فليح استثنائياً. فقد احتفظ بمهنته كخياط. ومن يطلع على سيرته الذاتية يجد مشاعر من الاحباط العميق عند هذا الإنسان24. لقد دخل المدرسة قبل رحيل والده. وكان من الممكن أن يستمر في دراسته والحصول على مهنة محترمة كمعلم مدرسة، لولا المصاعب المالية التي أضطرت والده إلى الهجرة، مما أجبر عاصم فليح على ترك مقاعد الدراسة. ويشير في سيرته الذاتية الى أنه كان يأمل في تلقي تعليمه ذاتياً . ولكن هل كان سيؤدي ذلك إلى رفع مكانته الاجتماعية؟ ومن المحتمل أن العديد من الشباب من أقرانه، من الذين الذين يقعون تحت تأثير تقاليد الثقافة الدينية، طمحوا إلى الإرتفاع بمعارفهم بشكل مستقل. ولكن هل تمكنوا من رفع مستواهم المعرفي؟ إن الظروف التي أحاطت بالشباب نتيجة للأوضاع في العراق، ومنهم عاصم فليح، قد وضعت أمامهم إمكانية أخرى، وهي السياسة، التي كانت من الممكن أن تحدد النوعية الشخصية للمنخرطين فيها. والحديث لا يدور حول تقييم تلك الثقافة السياسية التي تقبلها عاصم فليح. في أعوام 1920– 1923، أصبح عاصم فليح مشاركاً فعالاً في “الخلايا الوطنية”، ولاحقاً عضواً في نادي ” التضامن”. وفي شباط عام 1928، تعرض شيوعي المستقبل إلى القمع بسبب اعتقاله جراء مشاركته في مظاهرة أحتجاجاً على زيارة الفريد موند الداعية الصهيوني البريطاني إلى بغداد بدعوة من صديقه الملك فيصل للترويج لإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولم يمكث فليح في المعتقل لفترة طويلة، فبعد إطلاق سراحه لم يقطع علاقته مع الوطنيين. وشارك في عام 1930 في لجنة وطنية بغدادية وضعت على رأس مهماتها تشكيل حزب وطني. أما يوسف سلمان فقد إختار طريقاً آخر؟ فبعد الإنتهاء من دراسته في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة خلال الأعوام الممتدة بين 1916 إلى 1919، عمل يوسف سلمان كمترجم في الوحدات العسكرية للمتروبول التي استقرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى25. وليس هناك اية جدوى في المبالغة أو التقليل من شأن هذه الحالة. انتقلت عائلة يوسف سلمان إلى البصرة لتفادي الملاحقة والتصفيات الجسدية للمسيحيين. إن دراسته في المدرسة المسيحية التي كانت خاضعة للتشريعات في البلاد، والتي تعود إلى دولة أجنبية وقفت موقف الحياد في الحرب العالمية الأولى في بدايتها (الولايات المتحدة –ع.ح.)، ضمنت للطالب الأمان. واعتبر دخول القوات البريطانية في نهاية عام 1916 في جنوب عراق المستقبل من قبل المراهق كنهاية للتهديدات بالتصفية الجسدية وضمان أمنه (هذه التهديدات التي ورثها أب عن جد). لقد وفر العمل لدى القوات المسلحة البريطانية في ظل تفكك وإنهيار مؤسسات الدولة العثمانية، الفرصة للتمتع بقدر نسبي من الأمان لكل عائلة يوسف سلمان. وليس من قبيل الصدفة أن يتوجه في أعوام 1920-1924 للعمل “ككاسب صغير” مستغلاً الظروف التي استجدت. هل كان ذلك بداية لنجاحه؟ ولكن وبسرعة تبين عكس ذلك، لأن يوسف سلمان سرعان ما انخرط في العمل في اجهزة الدولة، واشتغل في البداية كعامل في محطة كهرباء البصرة، ثم في ورشة صناعة الثلج في الناصرية. وانخرط في البصرة في انصار الحركة الوطنية للشباب. فحسب مدونته المحفوظة في ملفات “ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي ” حول سيرته الذاتية، يشار إلى أنه قد نظم “النادي الشبابي المعادي للأمبريالية”، حيث أسس وقاد الفرع المحلي للحزب الوطني العراقي في الناصرية (1930-1934). واحتفظ بوجهات نظره العرقية والدينية. وكانت الحركة الوطنية العراقية بحاجة إلى محيط أوسع من الأنصار، وطرحت شعار “الوحدة الوطنية الشاملة” ودعت إلى تضامن جميع مواطني البلاد بغض النظر عن منحدراتهم الدينية والعرقية، ومن ضمنها الطائفتين الشيعية والسنية والكرد والتركمان والأرمن والآشوريين والكلدان واليهود26. مر يوسف سلمان في أعوام 1929 -1930 بفترة متميزة حيث زار الدول المجاورة، وصفت بإنها كانت مهمة حزبية. فقد زار كردستان، ولا يعرف هل يدور الحديث هنا عن كردستان العراق، كما زار ايران والكويت وسوريا وفلسطين وشرق الأردن. وهذه المعطيات لا تتعلق بأرشيف الكومنترن، حيث أنه تعرف يوسف سلمان في هذه الزيارات على شيوعيين عرب فلسطينيين، كما تعرف في إيران على ممثلي الدولة السوفييتية. ولا توجد أية معلوات في أرشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي عن عبد الحميد الخطيب، فالحديث يدور فقط في هذا الأرشيف عن تمثيله في اجتماع اللجنة التنفيذية للكومنترن في آب عام 1929 حيث قدم تقريراً عن جهوده لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي (ذي طابع سلبي)27، حيث تبلورت حوله وجهة نظر سلبية للغاية من قبل رفاقه 27، مما يؤكد أنه بقي شيوعياً في النهاية حتى حدود عام 1935 كما تؤكد ذلك التقارير المتعلقة بالشيوعية في العراق. وفي التقرير الذي قدمه عبد الحميد الخطيب إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن، أشار إلى موضوعة “وحدة البلدان العربية” التي يمكن لها ان تعود بالفائدة لدى تحقيقها على “الكادحين المحرومين”، حسب اعتقاده. وفي الواقع، ومن أجل أن تتحقق فكرة الوحدة العربية بأدواتها الذاتية، بقوة العمال والفلاحين، ينبغي تشكيل منظمة العمل الشيوعي”28. إن كلا من يوسف سلمان وعبد الحميد الخطيب انضما إلى حلقة للوطنيين الشباب في أثناء مكوثهما في البصرة. ويشير الخطيب في فقرات من تقريره:”يوجد في البصرة نادي الشباب العراقي، وقد استخدمنا هذا النادي وأجرينا انتخابات وانتقلت إلينا قيادة النادي”29. بالطبع، إن تصويره لهذا النادي لا يعني أنه أسس النواة الأصلية للحزب الشيوعي الذي قام بإنشائه. إن عبد الحميد الخطيب ضلل الكومنترن عن وعي. ومع ذلك ، فإن مجرد وجود هذا النادي، الذي يشار إليه عادة في مذكرات المساهمين من شباب البصرة، هوعلى الأرجح حقيقة واقعة30. هذه المذكرات تؤكد مساهمة عبد الحميد الخطيب فيه، بالرغم من عدم مواصلة نشاطه. ومن بين هذه المذكرات يشار إلى أنه قد قدم محاضرة بعنوان :”عاصفة جبارة أطاحت بالطغاة، نشيد للرب المقدس ولحق البشر في الحرية”. وفي هذه المحاضرة طرح موضوعة عن ” إن الطريق إلى احياء الوطن يمر عبر الإطاحة بالعروش وتهديم القصور”. إن مثل هذه الإنبعاث يعود إلى ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا التي تحققت بفعل “اشخاص متنورين”. وكل ما يتطلب من أفضل هؤلاء الرجال أن يتابعوا الطريق على هدى أخوانهم الروس المحبين للحرية”. لقد توحد جميع الطلبة العراقيين الذين التحقوا بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق على طريق التحرك صوب الشيوعية. إنهم على الرغم من خصوصياتهم في كل الحالات الأربع، بقوا متماسكين بمقدار ما كانوا يتجهون صوب طريق يخدم الأفكار الوطنية العربية، والذين عرفوا أنفسهم، أي عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح ويوسف سلمان وقاسم حين أحمد الشيخ على أنهم عرب31. 2 الحزب الشيوعي العراقي: نسخة من الرواية الرسمية أسس مؤرخو الحزب الشيوعي العراقي (ومنهم في الوقت نفسه اعضاء قي قيادة الحزب الشيوعي العراقي في السبعينيات وفي الثمانينيات من القرن الماضي، من حيث الأعضاء ونفوذ المنظمة السياسية في البلاد، سيرة حياة “منسقة ومنطقية داخلياً ومدعمة بالكثير من النصوص حول نشوء الحزب وتطوره”. وتحدد منطق هذه الرواية المتين اعتمادا على الرؤية الميثودولوجية الوحيدة لأحداث الماضي الخاصة بالحركة الشيوعية في تلك الفترة، بإعتبارها تمثل في سياق هذه الأحداث العلاقة بين الظواهر الخاصة (المرتبطة بالعوامل الداخلية لتطور البلاد) والظواهر العامة (التي تتسم بطابع متميز في العالم كله). وكان من الطبيعي، أن يشغل مكانة مركزية في سياق هذه الرواية الحادث الذي جرى في روسيا (انقلاب اكتوبر عام 1917)، ومن ثم ظهرر الإتحاد السوفييتي، والذين شكلا العوامل التي غيرت العالم ومنه العراق 32. لقد تغير العالم بسبب رئيسي هو أن الثورة الروسية وفرت الإمكانية لظهور الحركة الشيوعية. وتبعاً لذلك فإن هذه الظاهرة لم تحدد تطور العالم ككل فحسب، بل وكل بقعة من بقاع العالم. بالطبع أن الحوار الشيوعي العراقي لم يكن بإمكانه أن يعتمد على التأثير الخارجي، وبالتالي حصر تأثير هذا العامل على شرعية وجود الفكرة الشيوعية على الحزب. فالحوار الشيوعي العراق حاول الكشف عن العلاقة الداخلية بين هذا التأثير الخارجي وبين واقعهم العراقي. فليس بمستطاع العامل الخارجي أن يترك أي تأثير على العراق إذا لم تتوفر الأرضية الموضوعية. ومن بينها تبلور حركة التحرر الوطني في العراق وظهور الطبقات الاجتماعية الحديثة، ومن ضمنها وبالدرجة الأولى البروليتاريا كطبقة هي الأكثر استمرارية وقادرة على حل مهمات الثورة المعادية للاستعمار والاقطاع. غير أن هذه الحالة لم يتاح لها أن تصبح مؤثرة لولا دور “البطل” الذي”اجترح المآثر”. هذا البطل هو يوسف سلمان – فهد الذي قام بالمأثرة ووحد “الحلقات الماركسية” في نهاية آذار عام 1934، وفي عام 1936، أصبح يوسف سلمان أبرز عضو وأكثر الأعضاء فاعلية في قيادة الحزب الفتي، وتم إرساله إلى الدراسة في موسكو وممثلاً عن الحزب الشيوعي العراقي إلى المؤتمر السابع لمؤتمر الكومنترن، الأممية الشيوعية33. إن مؤلفي “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي” الذي صدر عام 1984 وأصبح جزء من الاحتفال باليوبيل الفضي لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، كتبوا التالي:”إن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في بداية عقد الثلاثينيات في بلد متخلف وبطبقة عاملة فتية قليلة العدد والتجربة في تلك السنوات وفي بلد مثل العراق كان ممكناً فقط لأن ما ساعد على هذه العملية هي الظروف الموضوعية- التغيرات على المسرح الدولي، وكذلك سبب ذاتي متمثلاً في قيادة الرفيق فهد”34. إن المنطق الداخلي لهذا الاختراق موجه إلى إحداث حراك مواز بين منظمة الشيوعيين العراقيين وبين الحزب السوفييتي الحاكم: وبروز العقيدة الماركسية خارج حدود روسيا وقيام “الدولة البروليتارية”من جهة، ولينين وفهد من الجهة الأخرى. وقد استثنت الرواية الشيوعية الرسمية عن سيرة الحزب الشيوعي العراقي أي ذكر للعراقيين كيوسف سلمان من الذين تلقوا الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق. وأضحى الصمت يطغي تقريباً على سماته. حقاً إن أصحاب الرواية الحزبية تحدثوا عن ” الحلقات الماركسية” في بغداد والبصرة والناصرية ولقاء قادتها “وتبادلهم الخبرة” مع يوسف سلمان. لقد كانت هذه الحلقات مستقلة بعضهل عن البعض تنظيمياً ولم تظهر إلى الوجود في آن واحد ، فشخصيات قادتها متنوعة، إذا ما إستخدمنا تعبير مؤلف”طلائع الحركة الشيوعية في العراق”35، ولم تذكر أسمائهم بإستثناء مؤلف واحد هو زكي خيري36 . إن الرواية الرسمية للحزب الشيوعي العراقي تعتبر مهمة من جانب آخر آخر. فلدى الإشارة إلى مرحلة “الحلقات” بصفته بداية تاريخ الحزب الشيوعي، لم تعقد مقارنة مجددا مع سلفه الأقدم تاريخياً وروحياً أي الحزب الاشتراكي- الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل. فعند إستذكار مرحلة “الحلقات” بإعتبارها المقدمة لتأسيس الحزب الشيوعي فلم يجري فقط مقارنة بينه وبين شقيقه الروحي الأكبر الذي سبقه تاريخياً – الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل “الحركة الشيوعية العراقية” إلى زمن أقدم من عام 1934 . 37 لم يتوجه المؤلفون الرسميون للحزب الشيوعي العراقي صوب الوثائق المحفوظة في الأرشيف السوفييتي ( لم يكن هذا الأرشيف متيسرا لاطلاع الباحثين في العهد السوفييتي، وفتح المجال فقط بعد زوال النظام السوفييتي-ع.ح. ). وتكونت لديهم رواية احتوت على اعتراف بأهم الظروف التي حددت تشكيل الحركة الشيوعية العراقية ( إلى تلك الفترة تابعها زملاؤهم السوفييت)، ومصادرهم الوطنية. هذا الاعتراف لا ينطوي بأي حال من الأحوال على التفاصيل ولا يستوعب ضرورة الاستناد إلى ما ورد في الوثائق من معطيات. إن المصادر المحلية عرضت فقط نتاجات طبيعية عن “الروابط الناقصة” مع “الطبقة العاملة” المحلية التي لم تسمح للرواد الشيوعيين الأوائل إدراك أهمية النظرية البلشفية ومبادئ العمل. ولكن أليس من المحتمل أن تكون عملية الوعي قد بدت أكثر تعقيداً؟ وهل من الممكن أنها تأثرت بعوامل أكثر أهمية من التصميمات المجردة، ومن بينها أنه من الطبيعي أن تحتل “الطبقة العاملة” المكانة الرئيسية؟ 3 الكومنترن:مصادر معلوماته عن العراق ومحتواها لقد أدرك العاملون في الكومنترن بسرعة شحة معلوماتهم عن الوضع السياسي الداخلي في العراق، ومن ضمنها تطور الحركة الشيوعية المحلية. وهذا لا يعني أن الكومنترن لم يكن لديه معلومات عن الشيوعيين العراقيين. فهذه المعلومات مدرجة في تقارير وبلاغات ورسائل العراقيين وشيوعيي البلدان العربية المجاورة. وخلاصة القول إنها كانت نصوص مكتوبة، شأنها في ذلك شأن كل المدونات، تعكس وجهات نظر مدونيها، وتصوراتهم الشخصية عن الواقع وأهدافهم وطموحاتهم، وأصبحت بهذا القدر أو ذاك إنعكاس قريب لتطور الأحداث. وإضافة إلى ذلك، إن تجميع هذه النصوص يمكن أن يقربنا من فهم هذه العملية، ولكن على شرط أن يتم وضعها في نص أوسع لتاريخ العراق ونشاط الكومنترن. في نهاية عام 1930، وصل إلى سكرتارية الشرق للكومنترن أول تقرير عن نشاط المنظمة التي أطلقت على نفسها أسم “الحزب الشيوعي العراقي”، قدمه عبد الحميد الخطيب. وإحتوى التقرير على على ملاحظة من كاتبه بأنه على صلة مباشرة مع الشيوعيين العراقيين. وكتب على الأقل أنه:”بعد فترة طويلة من العمل( في تأسيس منظمة الشيوعيين العراقيين- ج.ج.ك)، قرر الحزب في طهران في بداية عام 1929 إرساله لتلقي الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق38. ويستطرد عبد الحميد الخطيب في تقريره أنه يوجد هناك في العراق”حزب شيوعي قوي ونقابتين عماليتين”- إتحاد المهنيين واتحاد عمال الطباعة. ويشير كاتب التقرير بصراحة أن كلتا النقابتين قد تم تأسيسهما من قبل الشيوعيين وتحت قيادتهم. ويعلن مقدم التقرير المرسل إلى الكومنترن إن رفاقه يخططون لتأسيس ” اتحاد للعمال” من شأنه أن يقود كل المنظمات العمالية العراقية تحت القيادة التامة للحزب”. والحديث هنا يدور حول اتحاد نقابي قوي،اقنع عندها عبد الحميد الخطيب الكومنترن، بأن الهدف قابل للتحقيق، وإنه ستصدر في البلاد صحيفتان “تخدمان الحزب”. وأشير في تقريره إلى أن الشيوعيون ينشطون في البصرة وضواحيها، وفي الناصرية وسوق الشيوخ والمنتفك والعمارة والنجف وكربلاء والرمادي وفي بغداد وضواحيها، ومن ضمنها الكاظمية والأعظمية، وفي الموصل وكركوك. ويقود هؤلاء الشيوعيين أربعة مراكز في البصرة والناصرية والحلة وبغداد. ويفهم من كلامه أن هذه اللجان الحزبية هي أشبه باللجان المنطقية (أو أنها تشمل عدداً من المناطق). وأنشأ الحزب لجاناً في المدن، وخاصة في بغداد والبصرة. كما يؤكد عبد الحميد الخطيب إن ” الأوضاع لم تسمح لنا بإنتخاب لجنة مركزية، لأن أعضاء الحزب موزعون في شتى أنحاء العراق، وإن الأعضاء على إرتباط بعملهم المهني”، بالرغم من أن سكرتاريي جميع هذه اللجان على صلة بكاتب التقرير (مؤسس وقائد الحزب)، إلاّ أنه على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني. إن كاتب التقرير يطمح بالطبع إلى تكوين إنطباع من هذا التقرير بأن الحزب الشيوعي العراقي- حزب كبير وتنتشر منظماته في سائر أنحاء البلاد. ولكن توزيع الخلايا ، إذا ما وجدت، فقد إقتصرت بالأساس على المناطق الشيعية من البلاد. إن الخضوع التنظيمي لقائدهم ( إن كان عبد الحميد الخطيب هو القائد فعلياً) والتوزع الهيكلي للشيوعيين العراقيين ( الذين قرروا إرسال الخطيب إلى الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق)، فرض عليه أن يؤكد أن الحزب الشيوعي العراقي قد تأسس( حسب التقرير في عام 1926) كفصيل لا يتجزأ عن التنظيم الشيوعي في الدول المجاورة39. ويشير التقرير إلى الاتجاهات الرئيسية في نشاط الشيوعيين غي العراق. من الطبيعي إن أهم ما قاموا به هو النشاط في الأوساط العمالية40، وهو أمر مفهوم وواضح، بقدر ما تتطلبه المبادئ الشيوعية ومواقف الكومنترن. ومن المنطقي أن يكون الاتجاه الآخر هو إقامة الصلة مع الفلاحين كما أشير في تقريره وخاصة في “المناطق الجنوبية من الفرات ومع مركز البصرة”، واستنهاض الفلاحين للنضال ضد الاقطاعيين ( وهذه هي أحد مطاليب الكومنترن)، وهذا ما تطلب شن دعاية لأفكار هذا النضال في مناطقهم. وكما أوضح كاتب التقرير إلى اللجنة التنفيذية للكومننترن:” ومن أجل الدعاية، فإننا استخدمنا مجاميع الفنانين وزيارة بعض القرى في أثناء راحة الفلاحين”، والقيام بالدعاية لأفكر النضال في هذا الوسط. ” ومن أجل الدعاية، كما يشير كاتب التقرير إلى اللججنة التنفيذية للكومنترن، فإننا نستخدم مجموعة من الفنانين ونزور بعض القرى في أوقات العطل”.أما التجاه الثالث فكان نشر المقالات في الصحافة المهمة الصادرة في البلاد، وكما يشير عبد الحميد الخطيب، “فإن مساعد منظمة جنوب الفرات أخذ على عاتقه العمل في الصحافة، وهو الآن يشغل مراسلاً لأهم الصحف العراقية”. ويدورالحديث في التقرير أيضاً عن تشكيل منظمات اجتماعية ونوادي بقيادة الشيوعيين مثل “نادي الشباب العراقي” الذي أشرنا إليه آنفاً. وإلى جانب ذلك، وجدت في البصرة “جمعية البحوث العلمية” التي شارك في نشاطها الشيوعيون الذين استطاعوا أن ينظموا “النقاشات حول الشيوعية والحركة العمالية العالمية”. وأخيراً النشاطات الجماهيرية:” المظاهرات ضد الصهيونية في بغداد في أثناء المواجهات الدامية في فلسطين بين العرب واليهود. وقد قاد الحزب هذه المظاهرات. في التقرير الذي استندنا إليه، تعمد كاتب التقرير المبالغة في إمكانيات ودرجة نفوذ المنظمة التي أدى نشاطها ، حسب رأيه، إلى تغيير جذري في الوعي في البلاد:” فالأغلبية الكبيرة من المثقفين، وقبل تشكيل الحزب، كانت تعتقد أن الشيوعية هي مرادفة للفوضى والخراب وإباحة النساء ، وإن السلطة السوفيتيية هي مصدر كل هذه الفوضى، ولذا ينبغي الإطاحة بها. ولكن بعد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، خاض عملاً واسعاً من أجل إيضاح الحقيقة”. وكان من نتيجة هذا النشاط أن تغير موقف العراقيين تجاه الشيوعية وتجاه السلطة السوفيتية:”والآن هناك فرق كبير في أذهان الرأي العام بين عام 1926 وعام 1930 تجاه الشيوعية وروسيا السوفييتية. وإذا ما نظر آنذاك إلى الشيوعية كفوضى، فالآن أصبحت المثل الوحيد والواقعي للطبقة العاملة”. وكسب الحزب:”التعاطف في المجتمع لصالح الاتحاد السوفييتي”. لماذا اختار مدون تقرير الكومنترن اللجوء إلى هذه المبالغة؟ إن الجواب على السؤال موجود في متن التقرير نفسه. فعبد الحميد الخطيب يؤكد أن ماجاء في تقريره:هو أن “هناك حزب شيوعي فعال ومتطور في العراق ونقابات متنوعة، ولكن مازال حزبنا غير قانوني وغير معترف به رسمياً. وكذا الحال بالنسبة للنقابات العمالية فهي غير المنضمة إلى النقابات الأممية الحمراء، وهي تحتاج إلى قيادة جيدة. ولذا يقترح:1) إرسال رفيق أو أكثر إلى العراق لتنظيم الحزب والنقابات العمالية؛2) دعوة عدد من الرفاق العراقية للدراسة؛3) الاعتراف بالحزب”. وبعبارة أخرى فإن كاتب التقرير بالغ في إمكانيات منظمته، وسعى إلى أن يجري الأعتراف بالحزب كعضو مستقل في الكومنترن، ويتطور معه العاملون تحت قيادة النقابات الأممية الحمراء عبر علاقات مباشرة. وحتى لو برزت المنظمة الشيوعية للشيوعيين العراقيين إلى الوجود نتيجة نشاط أقرانهم في العقيدة من الأجانب، فإنها طمحت إلى الخروج من وصايتهم. وهذا يعني أمراً واحداً لا غير وهو أن: قادة المنظمة تعتبر أن العراق ، الذي أصبح واقعاً سياسياً فهو بهذا القدر يسعى إلى أن يصبح أرض طبيعية لنشاط الشيوعيين المحليين. وبفعل هذا الوضع فإن أغلبية أعضاء الحزب ( وفي المقدمة منهم الشيعة) راحوا يدركون من جديد أهمية ظهور الدولة العراقية كدولة عربية. ومن هنا أيضاً برز موقفهم الحاد تجاه الصهيونية والسعي إلى الخروج من دائرة الجنوب الشيعي وتحويل الحزب إلى منظمة تضم جميع ألوان الطيف العراقي. لقد شكل تقرير عبد الحميد الخطيب بالنسبة إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن أساس كاف للتحليل الدقيق للمشكلة. وجاء في قرار الكومنترن العبارة التالية:” يرسل ويوضع تحت تصرف مارتي”(المقصود المندوب الفرنسي المسؤول عن قسم الشرق)ع.ح. ولكن لم تبادر اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى إقامة صلات مع الشيوعيين العراقيين إلاَ بعد ثلاث سنوات، و إرتفع صداهم. في أيلول عام 1933، وبمبادرة من مارتي، اتخذت اللجنة التنفيذية للكومنترن قراراً حمل عنوان”مقترحات حول العمل في العراق”. وفي الوقت نفسه تم إرسال عبد الحميد الخطيب إلى الوطن، وذُكر في القرار أسم مستعار هو “حلوان” كقائد فعلي لأنصار الكومنترن المحليين. كما أشير في القرار أيضاً إلى عاصم فليح الذي اقترح عليه على الفور أن يتوجه إلى العراق لصالح تعزيز نشاط الشيوعين. وأخيراً، ومن أجل حل هذه المشكلة، اعتبرت اللجنة التنفيذية للكومنترن أنه من الضروري أن يرسل إلى العراق واحد أو اثنين من الشيوعيين السوريين (عبر الموصل) من أجل ترتيب أمور الشيوعيين المحليين و”تكليف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الإسراع بتنفيذ مهمة إرسال ثلاثة طلبة عراقيين للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق”. وفي هذا السياق، فإن أحد مهمات الشيوعيين الفرنسيين هي ” إقامة الصلة مع الطلبة العراقيين الذين يتلقون الدراسة في باريس، وعلى الشاكلة نفسها يتولى الشيوعيون الأنجليز “تشكيل مجاميع معادية للأمبريالية” بين الطلبة العراقيين الذين يتلقون التعليم في لندن”. وكما تشير الوثيقة، فإن قرار اللجنة التنفيذية للكومنترن لم يتضمن طرح مسألة الاعتراف الرسمي بالتنظيم الشيوعي العراقي ( إذ برزت شكوك وحذر حول واقعية وجود هذا التنظيم في العراق)، ولم تضع اللجنة الشيوعيين المحليين تحت رعاية الحزب الشيوعي السوري، ولكنه في الوقت نفسه كلف هذا الحزب القيام بدور فعال في الحلقة المركزية للحركة الشيوعية في كل البلدان العربية. وهكذا فإن مصدر كل المعلومات التي ترد إلى الكومنترن حول الشيوعيين العراقيين كانت تأتي من التركيب التنظيمي “الشقيق” أو المعلومات الواردة من العراق بشكل مباشر، ولكنها خاضعة لرقابة هذا التركيب بصورة مشددة. محمود الأطرش( محمود الجزائري) (1903-1981) علماً إن أمكانية للرقابة على المعلومات بالدرجة الأولى، تحددت بأنه تم في عام 1935 اختيار ممثل الحزب الشيوعي السوري م.م. الجزائري (محمود الأطرش- ع.ح.) عضواً في القسم الشرقي اللجنة التنفيذية للكومنترن. بماذا تم إبلاغ اللجنة التنفيذية للكومنترن بعد عام 1933؟ يبدو أنه قد وردت إلى موسكو من دمشق في عام 1934 وثيقة باللغة العربية (دون ذكر التاريخ التقريبي ) بإسم ” حركة التحرر الوطني في العراق”( في الحقيقة كانت تسمى ( لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار- ع.ح.) 42، كما تؤكد الوثائق الرسمية للحزب الشيوعي العراقي. وأشير لأول مرة في هذه الوثيقة عن الرابطة العضوية بين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، الذي يمثلهم قبل كل شيء في جنوب العراق الحزب الوطني بزعامة جعفر أبو التمن43. إن فكرة هذه الرابطة قد جرى الإشارة إليها في أكثر من وثيقة في عام 1927، حيث أسست مجموعة من الشباب يبلغ عددهم ثلاثة عشر شاباً من أعضاء الحزب الوطني، النادي الثقافي في البصرة . وضم هذا النادي أعضاء من الموظفين والطلاب والمعلمين. وضم مؤسسي هذا النادي عدد من الشباب من ذوي النزعات الراديكالية (شباب المعرفين)44. وفي عام 1929 أصبحوا من أنصار جعفر أبو التمن، والذين بادروا في البصرة إلى تأسيس أول خلية شيوعية، ولحقتها خلية ثانية في الناصرية. وتضمن البرناج الحافل الدعوة إلى إستقلال العراق ووحدة البلدان العربية والنضال ضد الأثرياء والاقطاعيين، بإعتبار هذه الفئة من عملاء الأمبرياليين جعفر ابو التمن 1881-1945 الانجايز، ونشر العلمانية بإعتبارها ملاذأ للمساواة بين جميع الطوائف الدينية والنضال ضد التطرف الديني وإزاحة المستشارين الانجليز من أجهزة الدولة وتنظيم العمال والنشاط في صفوف الفلاحين ورفع مستواهم التعليمي. ولم تطمح هذه الشبيبة الراديكالية إلى القطيعة التامة مع الحزب الوطني، واعتبرت أنه من الضروري ” دفعه إلى تشكيل منظمة لكل الفئات الشعبية في الحملة المناهضة للأمبريالية”. ويضاف إلى ذلك، فإن الشيوعيون ساعدوا على “تأسيس فروع لهم في البصرة والناصرية”. وفي الوثيقة المذكورة أعلاه يشار إلى أنه فقط” في عام 1934، وبمساعدة الرفاق السوريين”بدأت في صفوف الشيوعيين العراقيين عملية “التمركز”. وبفضل الشيوعيين السوريين جرت المبادرة إلى تأسيس ” نقابات سرية في الموصل وخانقين”، و” تعزز أيضاً الاهتمام بالفلاحين والقبائل البدوية، عندما شارك الشيوعيون بنشاط في انتفاضة العشائر في الهندية في الفرات الأوسط، وانتشرت بين المنتفضين البيانات والنشرات كدعاية تحريرية”. وأخيراً، جرى التأكيد في الوثيقة على حادثة جرت في عام 1934 حيث أصطدم انصار الكومنترن مع “تيار برز في صفوفهم من الشعبيين” من الذين وقفوا ضد التحول إلى الشيوعية”. وهناك الكثير من الموضوعات المهمة في هذه الوثيقة، خاصة الإشارة إلى مصادر الشيوعية في البصرة ذات الأغلبية الشيعية- كالحزب الوطني العراقي بزعامة القيادي السياسي الشيعي، إضافة إلى الإشارة حول الدور المهم لرفاقهم السوريين قي توحيد المجاميع التي تكونت في الجنوب مع تلك المجاميع من أنصار الأفكار الشيوعية التي تأسست في بقاع أخرى من البلاد. وهنا فإن الإشارة إلى “الشعبيين” ترتدي أهمية مبدأية. لقد تردد ذكر هذا المصطلح في قاموس الكومنترن في فترة النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، وفي أحاديث شيوعيي الشرق الأوسط ومن ضمنهم الشيوعيين العراقيين. وهي تعني بالنسبة لهم مجموعة سياسية بارزة في العراق في تلك الفترة وتدعى “جمعية الإصلاح الشعبي”، ومقرها في بغداد ويترأسها كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل. وقد أشير إليها في تقرير عبد الحميد الخطيب، كامل الجادرجي عبد القادر اسماعيل والتي أصدرت صحيفة “الأهالي”. وعبرت عن عقيدتها السياسية في برنامجها المنشور عام 1936 الذي أكد على ضرورة إجراء”إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي في المجتمع لصالح جميع أفراد الشعب العراقي وتطوره والقضاء على الاستغلال”45. وقد فصّل البرنامج هذه الموضوعات العامة وتناول السياسة الخارجية وأكد على أهمية “تقارب البلدان العربية (ام التقارب)”، “وتعزيز عرى الصداقة بين العراق وجيرانه”. وفي الميدان الداخلي، أكدت الوثيقة على “تقوية الجيش”، “وتوفير الظروف لنشر حرية الرأي والديمقراطية”، “ورفع المستوى المعيشي للشعب عن طريق توفير كل النعم المادية والروحية”. وتطرق البرنامج إلى تطوير “التعاونيات الفلاحية”، مؤكداً على أهمية تصفية الأمية وبناء المؤسسات الصحية وتشريع قوانين العمال، ومن ضمنها حرية تأسيس المنظمات العمالية، وكذلك تحرير المرأة. وإعتبر الكومنترن المنظمات المشابهة لهذه الجمعية كحركات وطنية ديمقراطية، ينبغي على الشيوعيين إقامة علاقة وثيقة معها ( على الأقل في بداية وأواسط عقد الثلاثينيات) تحت الشعار الذي راج في بلدان الشرق حول ” تأسيس الجبهة الموحدة المناهضة للأمبريالية”. وعلى الفور أغرى ذلك الشعار أنصار الكومنترن من العراقيين الطامحين وطالبوا “بتحويل الشعبيين إلى الشيوعيين” بإعتباره أمراً يتجاهل ( أو على الأقل لا يفهم) تكتيك هذه الجبهة. زد على ذلك، فإن هذا الإغراء قد تعزز لأن الكومنترن قد سبق وأن طلب من أنصاره في بلدان الشرق إلى تحويل ” التنظيمات الوطنية الديمقراطية” المحلية في مجال نشاطها، عن طريق احداث انشقاق في هذه التنظيمات كي يتم انتقال ” العناصر الأكثر ثباتاً” في صفوفها إلى مواقع الشيوعية. لقد وجد هذا المنحى فهماً دائماً في صفوف جميع شيوعيي الشرق. ولكن، كما يبدو فالحديث لا يدور فقط عن نهج تذبذب الكومنترن، بقدر ما يدور حول ظروف تأسيس الحركة الشيوعية العراقية التي تحددت بدورها بعوامل تأسيس الدولة العراقية. ومن المناسب هنا التوقف عند بعض الوثائق المتعلقة بالحزب الشيوعي العراقي. في كانون الأول علم 1936 تلقت سكرتارية الشرق التابعة للكومنترن ” ومن جديد عير سوريا” وثيقة غير موقعة تحت عنوان ” الوضع في العراق ومهمات الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب التاسع والعشرين من نشرين الأول عام 1936″. واحتوت الوثيقة على سمات المنظمات والأحزاب السياسية المحلية، ومن ضمنها الحزب الوطني وجمعية الاصلاح الشعبي. وجاء في الوثيقة :”إلى جانب الحزب الوطني، توجد في البلاد مجموعة تلتف حول جريدة ” الأهالي” اليسارية وهي حلقات الشعبيين. و برز الحزب الشيوعي العراقي في عام 1934 من وسط الشعبيين بالدرجة الأولى”46. وهكذا فإن المصدر الثاني لتأسيس الحركة الشيوعية العراقية – هم الشعبيون (وهذا هو الترابط العضوي مع الحركة الوطنية). ويبدو أنه من الممكن استعادة قائمة بأسماء 15 عضواً من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي من الذين انشقوا عن الشعبيين. وهم أعضاء المجموعة الشيوعية البغدادية من ناشطي جمعية الإصلاح الشعبي ومن بينهم عاصم فليح ، الذي أصبح سكرتيراً لهذا “الحزب” بعد عودته من موسكو، وقاسم حسن أحمد الشيخ ممثله في الكومنترن عام 1935. في الرسالة التي أرسلها قاسم فليح باللغة الروسية وحملها قاسم حسن أحمد الشيخ في أول زيارة له للعاصمة السوفييتية، أعلن فيها:”أننا على إدراك بجذرية وعدمية ميولنا” 48. وبعبارة أخرى، فإن وجهات نظر الشيوعيين البغداديين تتميز مبدئياً عن أقرانهم في البصرة. ويشير الكاتب إلى أن ” السبب الرئيسي ..هو قلة أعضاء المجموعة” و ” عدم حياز

الشيوعيون العراقيون في الإتحاد السوفييتي

فصل من كتاب “شيوعيو الشرق الأوسط في الاتحاد السوفييتي”

بقلم الباحث الروسي د. جريجوري كوساتش

 

غلاف الكتاب باللغة الروسية

 

جريجوري كوساج

 جريجوري كوساج في عام 1944 ، وهو مؤرخ سوفييتي وروسي في الشؤون العربية ومختص في الشؤون السياسية العربية المعاصرة، ويتقن اللغة العربية. ويشغل منصب بروفسور قسم التاريخ العربي المعاصر، وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 1990، وأخصائي في معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس تحرير مجلة “أوراسيا”، وهو  مؤلف أكثر 163 من الكتب والمقالات في غالبيتها حول الشؤون السياسية في البلدان العربية.

 

 

الشيوعيون العراقيون في موسكو، هل وجد حزب أصلا؟

 

 

مقر الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق – موسكو، ميدان ستراستنايا

في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات ظهر لأول مرة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق طلبة من العراق. وكان عددهم قليلا ولم يتجاوز أربعة طلاب. ولم يصل هؤلاء الطلاب إلى العاصمة السوفييتية في وقت واحد، بل بطرق مختلفة وبمبادرة من المجاميع الشيوعية الفاعلة في الشرقين الأدنى والأوسط، والحديث يدور هنا بالدرجة الرئيسية من ايران.إن مثل هذه المبادرات لم تأت نتيجة لنشاط هذه المجاميع بقدر ما تعكس اهتمام الكومنترن بالعراق الذي يستند على قدر من الأسس، رغم أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل مبادرات هذه المجاميع. فالعراق كان يعاني من عدم الاستقرار الداخلي أولاً، وثانياً أن حصول العراق على الصفة القانونية كدولة مستقلة سياسياً عام 1932، لم يُغيّر من الواقع الحقيقي، وهو الدور المهيمن لانتداب بريطانيا العظمى على البلاد. إن معارضة شعب البلاد للدولة المنتدِبة قد طرح في البداية على سكرتارية الأممية الشيوعية تحت اسم “ميسوپوتيميا”.

كان أول طالب عراقي في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق هو عبد الحميد الخطيب1 (بالإسم المستعار خالد)2 الذي وصل إلى موسكو في آب عام 1929. أما  الطالب الثاني فهو عاصم فليح الذي ورد اسمه في وثائق الجامعة. وصل عاصم

لفيف من طلبة الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من مختلف الجنسيات في نهاية العشرينيات

 

فليح(بالإسم المستعار صائموف) إلى عاصمة الاتحاد السوفييتي في عام 1931 واستقر فيها، ودرس في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الفترة بين عامي 1934 – 1935. وقد اعتبر عاصم فليح ممثل الشيوعيين العراقيين في المؤتمر

  

1901-1949                                        1910-1970

يوسف سلمان يوسف (فهد)                          قاسم حسن أحمد الشيخ

السابع للأممية الشيوعية مع قاسم حسن أحمد الشيخ4 ( تحت اسماء مستعارة هي مريد، ناظم تمين، زقور نعيم) 5، بالإضافة إلى يوسف سلمان6 (الإسم المستعار هو فردريك، برنارد فريدريك). لقد مكث قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو لمدة سنة واحدة، وغادرها في عام 1936 بعد أن انهى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق وعاد إلى الوطن. ومكث يوسف سلمان في موسكو حتى عام 1937، و أصبح لا حقاً قائداً للحزب الشيوعي العراقي.

ومن اللافت للنظر هو قلة عدد العراقيين في موسكو، أخذا بنظر الاعتبار اهتمام الكومنترن بتشكيل منظمة شيوعية في العراق قادرة على قيادة النشاط في البلاد. وهنا يطرح السؤال التالي. هل أن تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي بدأ بالفعل في عام 1934؟؟ فإذا كان هذا التاريخ صحيحاً، فبأية صفة كان عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح يتلقيان الدراسة قبلئذ في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق؟ هل بصفتهم كشيوعيين أم كمرشحين لتبني العقيدة البلشفية؟7، ولماذا  وجد بعد عام 1934 طالبان عراقيان فقط في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الوقت الذي كانت المنظمة الشيوعية العراقية بحاجة الى أن يتلقى الدراسة فيها عدد اكثر من الحزبيين العراقيين؟

 

 

 

1

الطلبة العراقون في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق: هل يعتبرون أفراد شيوعيين

إن المقبولين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من أي بلد كانوا يعتبرون من انصار الشيوعية نظرياً وعملياً، ويعملون بنشاط في صفوف الفرع المحلي للاممية الشيوعية، وإن الذي يرسل إلى العاصمة السوفييتية بناء على طلب الحزب الشيوعي المعني لا بد وأن يتلقى في المستقبل المعرفة الضرورية النظرية والتطبيقية، ويصبح هؤلاء الطلبة أعضاء في اللجنة المركزية أو في الهيئات القيادية المحلية ( أعضاء في اللجنة المركزية أو في لجان المناطق أو لجان المدن أو اللجان المهنية)8.

كان العراق حالة استثنائية من هذه القاعدة. فظهور طلبة من هذه البلاد في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق كان متأخراً ولم يكن قد خُطط له مسبقاً. إن قيادة الجامعة استطاعت أن تقبل في جامعتها القادمين من “الريف”9 عند اتخاذ قراراتها فيما يتعلق بقبول الطلبة من البلدان العربية، وبذلك فإنها تميز من الناحية الاجتماعية ممثلي الأحزاب (على سبيل المثال إنها أبعدت الفلاحين عن الإنتماء في صفوف الشيوعيين المصريين)؟ وفي معايير القبول، في حين لم توضع أية ملاحظة تخص العراقيين10. بالرغم من أن الشيوعيين العراقيين كانوا يصرون على إرسال طلبتهم إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق11.

يحتوي ارشيف الدولة الخاص بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الروسي، وتحديداً في القسم المتعلق بالعلاقة بين الكومنترن والشيوعيين العراقيين، على بعض وجهات نظر لا يمكن مقارنتها بحجم المعلومات المتعلقة بالاحزاب الشيوعية العاملة في البلدان العربية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. ففي العديد من هذه السجلات المتعلقة بالعراق، لا توجد من الناحية العملية أية قرارات صادرة من الكومنترن أو سكرتارية الشرق  سوى القليل من الرسائل أو التقارير المرسلة من العراق. ولا توجد هذه الوثائق في ملفات مستقلة خاصة بالعراق، بل هي موجودة في ملفات عضو سكرتارية الكومنترن الشيوعي الفرنسي أ. مارتي(تسع وثائق). وإن تم الإعلان رسمياً عن تاريخ تأسيس الحزب، فهل اعترفت الأممية الشيوعية به مباشرة بعد تأسيسه؟ وهل أن الحركة الشيوعية العراقية في الثلاثينيات قد مرت بأحسن فترة من تاريخها؟

من المناسب العودة إلى موضوع الطلبة االعراقيين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق، حيث تطرح العديد من الأسئلة في  تعابير أخرى: ما هي مهنهم وما هو العامل المشترك بينهم؟ أو السؤال عن ما هو العامل الذي أدى إلى تأسيس الحزب في حالة إنتماء مثل هؤلاء الأعضاء إليه؟

إن أعمار هؤلاء الطلاب تدل على أنهم ينتمون إلى جيل واحد. وحسب تأكيدات عبد الحميد الخطيب، فإنه قدم إلى موسكو بعد أن جرى تعيينه معلماً للفيزياء في إحدى المدارس العراقية12. وقبلئذ كان عبد الحميد قد أنهى مدرسة الصنائع العراقية وأرسل إلى البصرة حيث قام بالتدريس في أحدى المدارس المحلية لمدة عام واحد13. ويمكن القول إن عمره لم يتجاوز العشرين عاما. وفي أغلب الظن إنه ولد في الفترة بين عام 1909 وعام 1910. وولد يوسف سلمان في عام 1901 وعاصم فليح في عام 1903 وقاسم حسن في عام 1910. وقد وحدتهم بغداد كمسقط رأسهم. وكان عبد الحميد الخطيب من عائلة ميسورة الحال.

أما عاصم فليح فقد ولد يتيماً من أب معلم، واشتغل في الهند ولم يكمل حتى تعليمه الإبتدائي، حيث لم يجلس على مقعد الدراسة سوى لمدة سنتين ونصف. وترك الدراسة لمساعدة عائلته وأصبح خياطاً واختار مهنة والدته. وسار على هدى الطريق الذي سار عليه يوسف سليمان في طفولته، حيث شارك مسار رفاق دربه في العقيدة. ولد البطل الرسمي اللاحق للحزب الشيوعي العراقي(فهد) في عائلة مارست مهنة الخبازة، إلاّ أنه يختلف عن الشيعي عاصم فليح. فيوسف سلمان ينتمي إلى المكون المسيحي الكلداني15 .ودرس في الفترة التي سبقت عام 1912 في مدرسة مسيحية في بغداد، ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، واجبره أبوه على التوجه إلى البصرة للدراسة في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة.

وأخيراً، نعرج على المنحدِر من  الطائفة السُنّية قاسم حسن أحمد الشيخ. فالشيخ كان ابن جنرال في الجيش العثماتي، ودرس في مدرسة الحقوق التي كان من الممكن أن تفتح أمامه أبواب الرزق ويصبح محامياً في بغداد. إلاّ أنه لم يكمل دراسته في تلك المدرسة15.

عاد قاسم حسن أحمد الشيخ إلى موسكو في عام 1941 بسبب اندلاع الحرب العراقية البريطانية في آيار من نفس العام حيث أعلن عن مشاركته فيها16. وأمل في أن يحصل على اللجوء السياسي، ومن جديد دوّن سيرة حياته. وجاء في مدونة السيرة ما يلي:” إنني ابن ضابط في الجيش التركي، وكان أبي الموظف الوحيد في العائلة التي اشتغل أفرادها كعمال. وكان والدي يشغل رتبة لواء  في  الجبهة الشمالية من العراق في فترة الحرب الأمبريالية الأولى عندما أحتل الجيش البريطاني العراق. وقد وافته المنية في كردستان العراق، وقد دس له السم من قبل عميل بريطاني”. ويستطرد قاسم حسن في تدوين سيرته قائلاً:”وبعد وفاته لم يبق للعائلة أي مصدر للرزق. وانتقلنا إلى بغداد حيث مكثنا فيها ثلاث سنوات في بيت واحد مع أقرباء لنا لحين حصول أخي الأكبر على راتب يسد قوت العائلة. في أعوام 1924-1928، انهيت الدراسة المتوسطة واضطررت إلى العمل كعامل. وقتها كنت أعمل في النهار واستمر في الدراسة المسائية. وبدأت بدراسة التاريخ والعلوم الاجتماعية. وكان تاريخ ثورة اكتوبر الاشتراكية أحد المواضيع التي اوليت له جل اهتمامي في الوقت الذي تصاعدت خلالها موجة الحركة الوطنية الثورية ضد الأمبريالية البريطانية”17.

ومما يثير الإهتمام إن الخيار الشيوعي (أو بالأحرى التطلع الى بلوغ الوضع المأمول كلاجئ) قد ارغم هذا الشخص على تعديل سيرته الذاتية. أنه لأمر سئ كون المسؤولين في الكومنترن ليسوا على معرفة جيدة بالبلاد التي تنشط فيها منظمات لها علاقة بهم. وكيف إستغل عدم المعرفة هذه وجمود تفكير رجال اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الأفكار والممارسات الشيوعية بعد دخول الإتحاد السوفيتي الحرب العالمية الثانية (يكفي ان نشير بهذا الصدد الى التفسير المعادي للإنكليز الذي طرحه قاسم حسن أحمد الشيخ .. في حادثة وفاة والده).

لم يتقن عاصم فليح سوى اللغة العربية، أما يوسف سلمان يوسف، الذي عمل، بعد انهاء الدراسة في المدرسة التبشيرية عام  في البصرة عام 1916، مترجماً في الجيش البريطاني، فقد كان يجيد اللغتين العربية والانجليزية. أما فيما يتعلق بقاسم حسن أحمد الشيخ فإنه كان يتحدث بطلاقه باللغات العربية والتركية والكردية والانجليزية18.وقدم تقريره باللغة الانجليزية، وتدل تواقيعه على إتقانه لغة المتروبول.

وعلى الرغم من التباين في منحدراتهم الاجتماعية ومستوى تعليمهم، إلاّ أن ذلك لا يعني أن الطريق والمصير الذي اختطوه كان متعارضاً. على العكس، فقد واجهت الجميع ظروف مؤثرة من شأنها أن وحدت ابن الجنرال السابق الذي ينحدر من من مجموعة أثنية ودينية غير مرموقة وممثل طبقة متوسطة انحدر بسبب عوامل عائلية نقلته من واقع الصدف إلى مرتبة اجتماعية متدنية.

لم تؤسس الدولة العراقية بفعل عوامل داخلية نابعة من رحم المجتمع، بل نتيجة لتدخل طرف خارجي فرض سياسته في المنطقة بقوة السلاح. هذا الطرف هو بريطانيا، الدولة العظمى في تلك الفترة. فبفضل الجهود التي بذلتها في عام 1920، تم تأسيس المملكة العراقية على جزء من أراضي الامبراطورية العثمانية ( في البداية على شكل انتداب)، واستلم التاج قائد “الثورة العربية الكبرى” الأمير فيصل الذي  أطيح به جرّاء ضربات الجيش الفرنسي ضد ” الدولة العربية” في دمشق.

في فترة تأسيس الدولة العراقية ( في الوقع لقد تأسست لاحقاً لأسباب عديدة)‘ فإن التركيبة المحلية كانت تبدو في الواقع بعيدة كل البعد عن كونها مجتمعا وطنيا 19. وهذا يعني أن العراق يمكن أن يصنف كمجال أرضي يحتاج إلى أن يصبح حقيقة سياسية ترتبط بمُثُل موحدة للمجتمع الوطني. وكان الطريق إلى ذلك شائكاً. وخلال كل الفترة بين الحربين العالميتين عصفت بالبلاد موجة من العصيانات والانتفاضات، إضافة إلى تناقضات بين “الفئات الحاكمة” المدعومة من الخارج، هذه التناقضات التي لم تهدأ بعد إعلان الدولة المستقلة سياسياً. فالمصالح المتعارضة لهذه المجاميع النخبوية الداخلية التي تتمتع بعلاقات معقدة مع ” الفئة الحاكمة” في البلاد، أثارت في المجتمع مواجهات عرقية طائفية تميل إلى الإتفصال ولا نهاية لها، ودموية أحياناً.

لقد أدى إعلان الدولة العراقية إلى تغيير في أولويات االعراقي ومصيره. وتشكل وضعً انطوى على حراك اجتماعي لم يسبق له مثيل، وتدمير المؤسسات الاجتماعية القديمة التي بدت غير قابلة للتغيير. فهل كان من الممكن لإبن جنرال الجيش العثماني، الذي تعرض للهزيمة بين القوى المتصارعة، أي دول المتروبول، أن  يحتفظ بمكانته الاجتماعية السابقة؟ ألا كان من الأفضل أن يستمر، على سبيل المثال قاسم حسن أحمد الشيخلي، بنمط الحياة التي عاشها، قبل الحرب العالمية الأولى، والإنخراط في مهنة والده العسكرية في الجيش العثماني. وهل أنه اختار حقل دراسة الحقوق لأن الخيار الأول بدا وكأنه ضرب من الخيال؟ بالطبع أن الدراسة في مدرسة الحقوق تتطلب موارد مالية، وشكل ذلك العامل الذي أدى إلى عدم قدرة قاسم حسن أحمد الشيخ على الاستمرار بالدراسة. ومن المحتمل أنه لم يكن بمستطاعه توفيرالمبالغ الكافية كي يصبح محامياً.

إن تطور الأحداث اللاحقة في العشرينيات والثلاثينيات أصبحت متوقعة. وعمل الشيخ  “كاتباً في وزارة المعارف” (عندما احتاجت الدولة العراقية إلى المعلمين من أجل تأسيس المعاهد التعليمية). ثم تعرض الشيخ إلى الفصل من الوزارة لاحقاً جراء “نشاطه الشيوعي”20.”، كما جاء في وثائق الكومنترن، علما إن صفحة الأعمال الخاصة بقاسم حسن  أعدت من أجل  حاجة الأمن الداخلي في الكومنترن ، وليس من المجدي فهم أقوال كاتبها حرفياً “، ولم يوضح مكان انتقاله إلى وظيفة محاسب هذه المرة. الحديث يدور عن تدهور لاحق للحالة المعيشية وإنحطاط الوضع الاجتماعي، وكذلك عدم وجود وارد مستقر له. أضطر قاسم حسن أحمد الشيخ جراء فقدان عمله في بغداد إلى الانتقال إلى بعقوبة حيث تولى مهمة تأسيس خلية شيوعية فيها21 ، ثم عاد لاحقاً إلى العاصمة وخاض النشاط السياسي العلني.

في عامي 1934 و 1935 عمل الشيخ في جريدة “الأهالي”22 . وقد أشار إلى تلك الفترة من حياته في مدونته الجديدة التي كتبها في تشرين الثاني من عام 1941 في موسكو:” لقد عدت إلى بغداد حيث كان ينشط تنظيمنا الشيوعي كتفاً لكتف مع العناصر الثورية الأخرى التي أصدرت جريدة “الأهالي”. وقد شاركنا بفعالية في هذه الجريدة ونشرنا على صفحاتها مقالات دافعنا فيها عن مطالب الطبقة العاملة. وأصبحت على رأس تحرير هذه الجريدة، وشرعت في الوقت نفسه بالدراسة في كلية الحقوق التي تولت إعداد المحامين”. ومن جديد صحح قاسم حسن أحمد الشيخ سيرته الذاتية، ويبدو أن سيطرة الكومنترن الشاملة على أقسامه كانت في الواقع ضرباً من الخيال.

ولم يكن مصير عاصم فليح استثنائياً. فقد  احتفظ بمهنته كخياط. ومن يطلع على سيرته الذاتية يجد مشاعر من الاحباط العميق عند هذا الإنسان24. لقد دخل المدرسة قبل رحيل والده. وكان من الممكن أن يستمر في دراسته والحصول على مهنة محترمة كمعلم مدرسة، لولا المصاعب المالية التي أضطرت والده إلى الهجرة، مما أجبر عاصم فليح على ترك مقاعد الدراسة. ويشير في سيرته الذاتية الى أنه كان يأمل في تلقي تعليمه ذاتياً . ولكن هل كان سيؤدي ذلك إلى رفع مكانته الاجتماعية؟ ومن المحتمل أن العديد من الشباب من أقرانه، من الذين الذين يقعون تحت تأثير تقاليد الثقافة الدينية، طمحوا إلى الإرتفاع بمعارفهم بشكل مستقل. ولكن هل تمكنوا من رفع مستواهم المعرفي؟ إن الظروف التي أحاطت بالشباب نتيجة للأوضاع في العراق، ومنهم عاصم فليح، قد وضعت أمامهم إمكانية أخرى، وهي السياسة، التي كانت من الممكن أن تحدد النوعية الشخصية للمنخرطين فيها. والحديث لا يدور حول تقييم تلك الثقافة السياسية التي تقبلها عاصم فليح.

في أعوام 1920– 1923، أصبح عاصم فليح مشاركاً فعالاً في “الخلايا الوطنية”، ولاحقاً عضواً في نادي ” التضامن”. وفي شباط عام 1928، تعرض شيوعي المستقبل إلى القمع بسبب اعتقاله جراء مشاركته في مظاهرة أحتجاجاً على زيارة الفريد موند الداعية الصهيوني البريطاني إلى بغداد بدعوة من صديقه الملك فيصل للترويج لإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولم يمكث فليح في المعتقل لفترة طويلة، فبعد إطلاق سراحه لم يقطع علاقته مع الوطنيين. وشارك في عام 1930 في لجنة وطنية بغدادية وضعت على رأس مهماتها تشكيل حزب وطني.

 أما يوسف سلمان فقد إختار طريقاً آخر؟ فبعد الإنتهاء من دراسته في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة خلال الأعوام الممتدة بين 1916 إلى 1919، عمل يوسف سلمان كمترجم في الوحدات العسكرية للمتروبول التي استقرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى25. وليس هناك اية جدوى في المبالغة أو التقليل من شأن هذه الحالة. انتقلت عائلة يوسف سلمان إلى البصرة لتفادي الملاحقة والتصفيات الجسدية للمسيحيين. إن دراسته في المدرسة المسيحية التي كانت خاضعة للتشريعات في البلاد، والتي تعود إلى دولة أجنبية وقفت موقف الحياد في الحرب العالمية الأولى في بدايتها (الولايات المتحدة –ع.ح.)، ضمنت للطالب الأمان. واعتبر دخول القوات البريطانية في نهاية عام 1916 في جنوب عراق المستقبل من قبل المراهق كنهاية للتهديدات بالتصفية الجسدية وضمان أمنه (هذه التهديدات التي ورثها أب عن جد). لقد وفر العمل لدى القوات المسلحة البريطانية في ظل تفكك وإنهيار مؤسسات الدولة العثمانية، الفرصة للتمتع بقدر نسبي من الأمان لكل عائلة يوسف سلمان. وليس من قبيل الصدفة أن يتوجه في أعوام 1920-1924 للعمل “ككاسب صغير” مستغلاً الظروف التي استجدت.

هل كان ذلك بداية لنجاحه؟ ولكن وبسرعة تبين عكس ذلك، لأن يوسف سلمان سرعان ما انخرط في العمل في اجهزة الدولة، واشتغل في البداية كعامل في محطة كهرباء البصرة، ثم في ورشة صناعة الثلج في الناصرية. وانخرط في البصرة في انصار الحركة الوطنية للشباب. فحسب مدونته المحفوظة في ملفات “ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي ” حول سيرته الذاتية، يشار إلى أنه قد نظم “النادي الشبابي المعادي للأمبريالية”، حيث أسس وقاد الفرع المحلي للحزب الوطني العراقي في الناصرية (1930-1934). واحتفظ بوجهات نظره العرقية والدينية. وكانت الحركة الوطنية العراقية بحاجة إلى محيط أوسع من الأنصار، وطرحت شعار “الوحدة الوطنية الشاملة” ودعت إلى تضامن جميع مواطني البلاد بغض النظر عن منحدراتهم الدينية والعرقية، ومن ضمنها الطائفتين الشيعية والسنية والكرد والتركمان والأرمن والآشوريين والكلدان واليهود26.

مر يوسف سلمان في أعوام 1929 -1930 بفترة متميزة حيث زار الدول المجاورة، وصفت بإنها كانت مهمة حزبية. فقد زار كردستان، ولا يعرف هل يدور الحديث هنا عن كردستان العراق، كما زار ايران والكويت وسوريا وفلسطين وشرق الأردن. وهذه المعطيات لا تتعلق بأرشيف الكومنترن، حيث أنه تعرف يوسف سلمان في هذه الزيارات على شيوعيين عرب فلسطينيين، كما تعرف في إيران على ممثلي الدولة السوفييتية.

ولا توجد أية معلوات في أرشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي عن عبد الحميد الخطيب، فالحديث يدور فقط  في هذا الأرشيف عن تمثيله في اجتماع اللجنة التنفيذية للكومنترن في آب عام 1929 حيث قدم تقريراً عن جهوده لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي (ذي طابع سلبي)27، حيث تبلورت حوله وجهة نظر سلبية للغاية من قبل رفاقه 27، مما يؤكد أنه بقي شيوعياً في النهاية حتى حدود عام 1935 كما تؤكد ذلك التقارير المتعلقة بالشيوعية في العراق. وفي التقرير الذي قدمه عبد الحميد الخطيب إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن، أشار إلى موضوعة “وحدة البلدان العربية” التي يمكن  لها ان تعود بالفائدة لدى تحقيقها على “الكادحين المحرومين”، حسب اعتقاده. وفي الواقع، ومن أجل أن تتحقق فكرة الوحدة  العربية بأدواتها الذاتية، بقوة العمال والفلاحين، ينبغي تشكيل منظمة العمل الشيوعي”28.

إن كلا من يوسف سلمان وعبد الحميد الخطيب انضما إلى حلقة للوطنيين الشباب في أثناء مكوثهما في البصرة. ويشير الخطيب في فقرات من تقريره:”يوجد في البصرة نادي الشباب العراقي، وقد استخدمنا هذا النادي وأجرينا انتخابات وانتقلت إلينا قيادة النادي”29. بالطبع، إن تصويره لهذا النادي لا يعني أنه أسس النواة الأصلية للحزب الشيوعي الذي قام بإنشائه. إن عبد الحميد الخطيب ضلل الكومنترن عن وعي. ومع ذلك ، فإن مجرد وجود هذا النادي، الذي يشار إليه عادة في مذكرات المساهمين من شباب البصرة، هوعلى الأرجح حقيقة واقعة30. هذه المذكرات تؤكد مساهمة عبد الحميد الخطيب فيه، بالرغم من عدم مواصلة نشاطه. ومن بين هذه المذكرات يشار إلى أنه قد قدم محاضرة بعنوان :”عاصفة جبارة أطاحت  بالطغاة، نشيد للرب المقدس ولحق البشر  في الحرية”. وفي هذه المحاضرة طرح موضوعة عن ” إن الطريق إلى احياء الوطن يمر عبر الإطاحة بالعروش وتهديم القصور”. إن مثل هذه الإنبعاث يعود إلى ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا التي تحققت بفعل “اشخاص متنورين”. وكل ما يتطلب من أفضل هؤلاء الرجال أن يتابعوا الطريق على هدى أخوانهم الروس المحبين للحرية”.

لقد توحد جميع الطلبة العراقيين الذين التحقوا بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق على طريق التحرك صوب الشيوعية. إنهم على الرغم من خصوصياتهم في كل الحالات الأربع، بقوا متماسكين بمقدار ما كانوا يتجهون صوب طريق يخدم الأفكار الوطنية العربية، والذين عرفوا أنفسهم، أي عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح ويوسف سلمان وقاسم حين أحمد الشيخ على أنهم عرب31.

 

2

الحزب الشيوعي العراقي: نسخة من الرواية الرسمية

أسس مؤرخو الحزب الشيوعي العراقي (ومنهم في الوقت نفسه اعضاء قي  قيادة الحزب الشيوعي العراقي في السبعينيات وفي الثمانينيات من القرن الماضي، من حيث الأعضاء ونفوذ المنظمة السياسية في البلاد، سيرة حياة “منسقة ومنطقية داخلياً ومدعمة بالكثير من النصوص حول نشوء الحزب وتطوره”. وتحدد منطق هذه الرواية المتين اعتمادا على الرؤية الميثودولوجية الوحيدة لأحداث الماضي الخاصة بالحركة الشيوعية في تلك الفترة، بإعتبارها تمثل في سياق هذه الأحداث العلاقة بين الظواهر الخاصة (المرتبطة  بالعوامل الداخلية لتطور البلاد) والظواهر العامة (التي تتسم بطابع متميز في العالم كله). وكان من الطبيعي، أن يشغل مكانة مركزية في سياق هذه الرواية الحادث الذي جرى في روسيا (انقلاب اكتوبر عام 1917)، ومن ثم ظهرر الإتحاد السوفييتي، والذين شكلا العوامل التي غيرت العالم ومنه العراق 32.

لقد تغير العالم بسبب رئيسي هو أن الثورة الروسية وفرت الإمكانية لظهور الحركة الشيوعية. وتبعاً لذلك فإن هذه الظاهرة لم تحدد تطور العالم ككل فحسب، بل وكل بقعة من بقاع العالم. بالطبع أن الحوار الشيوعي العراقي لم يكن بإمكانه أن يعتمد على التأثير الخارجي، وبالتالي حصر تأثير هذا العامل على شرعية وجود الفكرة الشيوعية على الحزب. فالحوار الشيوعي العراق حاول الكشف عن العلاقة الداخلية بين هذا التأثير الخارجي وبين واقعهم العراقي. فليس بمستطاع العامل الخارجي أن يترك أي تأثير على العراق إذا لم تتوفر الأرضية الموضوعية. ومن بينها تبلور حركة التحرر الوطني في العراق وظهور الطبقات الاجتماعية الحديثة، ومن ضمنها وبالدرجة الأولى البروليتاريا كطبقة هي الأكثر استمرارية وقادرة على حل مهمات الثورة المعادية للاستعمار والاقطاع.

غير أن هذه الحالة لم يتاح لها أن تصبح مؤثرة لولا دور “البطل” الذي”اجترح المآثر”. هذا البطل هو يوسف سلمان – فهد الذي قام بالمأثرة ووحد “الحلقات الماركسية” في نهاية آذار عام 1934، وفي عام 1936، أصبح يوسف سلمان أبرز عضو وأكثر الأعضاء فاعلية في قيادة الحزب الفتي، وتم إرساله إلى الدراسة في موسكو وممثلاً عن الحزب الشيوعي العراقي إلى المؤتمر السابع لمؤتمر الكومنترن، الأممية الشيوعية33. إن مؤلفي “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي” الذي صدر عام 1984 وأصبح جزء من الاحتفال باليوبيل الفضي لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، كتبوا التالي:”إن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في بداية عقد الثلاثينيات في بلد متخلف وبطبقة عاملة فتية قليلة العدد والتجربة في تلك السنوات وفي بلد مثل العراق كان ممكناً فقط لأن ما ساعد على هذه العملية هي الظروف الموضوعية- التغيرات على المسرح الدولي، وكذلك سبب ذاتي متمثلاً في قيادة الرفيق فهد”34. إن المنطق الداخلي لهذا الاختراق موجه إلى إحداث حراك مواز بين منظمة الشيوعيين العراقيين وبين الحزب السوفييتي الحاكم: وبروز العقيدة الماركسية خارج حدود روسيا وقيام “الدولة البروليتارية”من جهة، ولينين وفهد من الجهة الأخرى.

وقد استثنت الرواية الشيوعية الرسمية عن سيرة الحزب الشيوعي العراقي أي ذكر للعراقيين كيوسف سلمان من الذين تلقوا الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق. وأضحى الصمت يطغي تقريباً على سماته. حقاً إن أصحاب الرواية الحزبية تحدثوا عن ” الحلقات الماركسية” في بغداد والبصرة والناصرية ولقاء قادتها “وتبادلهم الخبرة” مع يوسف سلمان. لقد كانت هذه الحلقات مستقلة بعضهل عن البعض تنظيمياً ولم تظهر إلى الوجود في آن واحد ، فشخصيات قادتها متنوعة، إذا ما إستخدمنا تعبير مؤلف”طلائع الحركة الشيوعية في العراق”35، ولم تذكر أسمائهم بإستثناء مؤلف واحد هو زكي خيري36 . إن الرواية الرسمية للحزب الشيوعي العراقي تعتبر مهمة من جانب آخر آخر. فلدى الإشارة إلى مرحلة “الحلقات” بصفته بداية تاريخ الحزب الشيوعي، لم تعقد مقارنة مجددا مع سلفه الأقدم تاريخياً وروحياً أي الحزب الاشتراكي- الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل. فعند إستذكار مرحلة “الحلقات” بإعتبارها المقدمة لتأسيس الحزب الشيوعي فلم يجري فقط مقارنة بينه وبين شقيقه الروحي الأكبر الذي سبقه تاريخياً – الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل “الحركة الشيوعية العراقية” إلى زمن أقدم من عام 1934 . 37

لم يتوجه المؤلفون الرسميون للحزب الشيوعي العراقي صوب الوثائق المحفوظة في الأرشيف السوفييتي ( لم يكن هذا الأرشيف متيسرا لاطلاع الباحثين في العهد السوفييتي، وفتح المجال فقط بعد زوال النظام السوفييتي-ع.ح. ). وتكونت لديهم رواية احتوت على اعتراف بأهم الظروف التي حددت تشكيل الحركة الشيوعية العراقية ( إلى تلك الفترة تابعها زملاؤهم السوفييت)، ومصادرهم الوطنية. هذا الاعتراف لا ينطوي بأي حال من الأحوال على التفاصيل ولا يستوعب ضرورة الاستناد إلى ما ورد في الوثائق من معطيات. إن المصادر المحلية عرضت فقط نتاجات طبيعية عن “الروابط الناقصة” مع “الطبقة العاملة” المحلية التي لم تسمح للرواد الشيوعيين الأوائل إدراك أهمية النظرية البلشفية ومبادئ العمل. ولكن أليس من المحتمل أن تكون عملية الوعي قد بدت  أكثر تعقيداً؟ وهل من الممكن أنها تأثرت بعوامل أكثر أهمية من التصميمات المجردة، ومن بينها أنه من الطبيعي أن تحتل “الطبقة العاملة” المكانة الرئيسية؟

 

3

الكومنترن:مصادر معلوماته عن العراق ومحتواها

 

لقد أدرك العاملون في الكومنترن بسرعة شحة معلوماتهم عن الوضع السياسي الداخلي في العراق، ومن ضمنها تطور الحركة الشيوعية المحلية. وهذا لا يعني أن الكومنترن لم يكن لديه معلومات عن الشيوعيين العراقيين. فهذه المعلومات مدرجة  في تقارير وبلاغات ورسائل العراقيين وشيوعيي البلدان العربية المجاورة. وخلاصة القول إنها كانت نصوص مكتوبة، شأنها في ذلك شأن كل المدونات، تعكس وجهات نظر مدونيها، وتصوراتهم الشخصية عن الواقع وأهدافهم وطموحاتهم، وأصبحت بهذا القدر أو ذاك إنعكاس قريب لتطور الأحداث. وإضافة إلى ذلك، إن تجميع هذه النصوص يمكن أن يقربنا من فهم هذه العملية، ولكن على شرط أن يتم وضعها في نص أوسع لتاريخ العراق ونشاط الكومنترن.

في نهاية عام 1930، وصل إلى سكرتارية الشرق للكومنترن أول تقرير عن نشاط المنظمة التي أطلقت على نفسها أسم “الحزب الشيوعي العراقي”، قدمه عبد الحميد الخطيب. وإحتوى التقرير على على ملاحظة من كاتبه بأنه على صلة مباشرة مع الشيوعيين العراقيين. وكتب على الأقل أنه:”بعد فترة طويلة من العمل( في تأسيس منظمة الشيوعيين العراقيين- ج.ج.ك)، قرر الحزب في طهران في بداية عام 1929 إرساله لتلقي الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق38.

ويستطرد عبد الحميد الخطيب في تقريره أنه يوجد هناك في العراق”حزب شيوعي قوي ونقابتين عماليتين”- إتحاد المهنيين واتحاد عمال الطباعة. ويشير كاتب التقرير بصراحة أن كلتا النقابتين قد تم تأسيسهما من قبل الشيوعيين وتحت قيادتهم. ويعلن مقدم التقرير المرسل إلى الكومنترن إن رفاقه يخططون لتأسيس ” اتحاد للعمال” من شأنه أن يقود كل المنظمات العمالية العراقية تحت القيادة التامة للحزب”. والحديث هنا يدور حول اتحاد نقابي قوي،اقنع عندها عبد الحميد الخطيب الكومنترن، بأن الهدف قابل للتحقيق، وإنه ستصدر في البلاد صحيفتان “تخدمان الحزب”. 

وأشير في تقريره إلى أن الشيوعيون ينشطون في البصرة وضواحيها، وفي الناصرية وسوق الشيوخ والمنتفك والعمارة والنجف وكربلاء والرمادي وفي بغداد وضواحيها، ومن ضمنها الكاظمية والأعظمية، وفي الموصل وكركوك. ويقود هؤلاء الشيوعيين أربعة مراكز في البصرة والناصرية والحلة وبغداد. ويفهم من كلامه أن هذه اللجان الحزبية هي أشبه باللجان المنطقية (أو أنها تشمل عدداً من المناطق). وأنشأ الحزب لجاناً في المدن، وخاصة في بغداد والبصرة. كما يؤكد عبد الحميد الخطيب إن ” الأوضاع لم تسمح لنا بإنتخاب لجنة مركزية، لأن أعضاء الحزب موزعون في شتى أنحاء العراق، وإن الأعضاء على إرتباط بعملهم المهني”، بالرغم من أن سكرتاريي جميع هذه اللجان على صلة بكاتب التقرير (مؤسس وقائد الحزب)، إلاّ أنه على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني.

إن كاتب التقرير يطمح بالطبع إلى تكوين إنطباع من هذا التقرير بأن الحزب الشيوعي العراقي- حزب كبير وتنتشر منظماته في سائر أنحاء البلاد. ولكن توزيع الخلايا ، إذا ما وجدت، فقد إقتصرت بالأساس على المناطق الشيعية من البلاد. إن الخضوع التنظيمي لقائدهم ( إن كان عبد الحميد الخطيب هو القائد فعلياً) والتوزع الهيكلي للشيوعيين العراقيين ( الذين قرروا إرسال الخطيب إلى الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق)، فرض عليه أن يؤكد أن الحزب الشيوعي العراقي قد تأسس( حسب التقرير في عام 1926) كفصيل لا يتجزأ عن التنظيم الشيوعي في الدول المجاورة39.

ويشير التقرير إلى الاتجاهات الرئيسية في نشاط الشيوعيين غي العراق.

من الطبيعي إن أهم ما قاموا به هو النشاط في الأوساط العمالية40، وهو أمر مفهوم وواضح، بقدر ما تتطلبه المبادئ الشيوعية ومواقف الكومنترن. ومن المنطقي أن يكون الاتجاه الآخر هو إقامة الصلة مع الفلاحين كما أشير في تقريره وخاصة في “المناطق الجنوبية من الفرات ومع مركز البصرة”، واستنهاض الفلاحين للنضال ضد الاقطاعيين ( وهذه هي أحد مطاليب الكومنترن)، وهذا ما تطلب شن دعاية لأفكار هذا النضال في مناطقهم. وكما أوضح كاتب التقرير إلى اللجنة التنفيذية للكومننترن:” ومن أجل الدعاية، فإننا استخدمنا مجاميع الفنانين وزيارة بعض القرى في أثناء راحة الفلاحين”، والقيام بالدعاية لأفكر النضال في هذا الوسط. ” ومن أجل الدعاية، كما يشير كاتب التقرير إلى اللججنة التنفيذية للكومنترن، فإننا نستخدم مجموعة من الفنانين ونزور بعض القرى في أوقات العطل”.أما التجاه الثالث فكان نشر المقالات في الصحافة  المهمة الصادرة في البلاد، وكما يشير عبد الحميد الخطيب، “فإن مساعد منظمة جنوب الفرات أخذ على عاتقه العمل في الصحافة، وهو الآن يشغل مراسلاً لأهم الصحف العراقية”. ويدورالحديث في التقرير أيضاً عن تشكيل منظمات اجتماعية ونوادي بقيادة الشيوعيين مثل “نادي الشباب العراقي” الذي أشرنا إليه آنفاً. وإلى جانب ذلك، وجدت في البصرة “جمعية البحوث العلمية” التي شارك في نشاطها الشيوعيون الذين استطاعوا أن ينظموا “النقاشات حول الشيوعية والحركة العمالية العالمية”. وأخيراً النشاطات الجماهيرية:” المظاهرات ضد الصهيونية في بغداد في أثناء المواجهات الدامية في فلسطين بين العرب واليهود. وقد قاد الحزب هذه المظاهرات.

في التقرير الذي استندنا إليه، تعمد كاتب التقرير المبالغة في إمكانيات ودرجة نفوذ المنظمة  التي أدى نشاطها ، حسب رأيه، إلى تغيير جذري في الوعي في البلاد:” فالأغلبية الكبيرة من المثقفين، وقبل تشكيل الحزب، كانت تعتقد أن الشيوعية هي مرادفة للفوضى والخراب وإباحة النساء ، وإن السلطة السوفيتيية هي مصدر كل هذه الفوضى، ولذا ينبغي الإطاحة بها. ولكن بعد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، خاض عملاً واسعاً من أجل إيضاح الحقيقة”. وكان من نتيجة هذا النشاط أن تغير موقف العراقيين تجاه الشيوعية وتجاه السلطة السوفيتية:”والآن هناك فرق كبير في أذهان الرأي العام بين عام 1926 وعام 1930 تجاه الشيوعية وروسيا السوفييتية. وإذا ما نظر آنذاك إلى الشيوعية كفوضى، فالآن أصبحت المثل الوحيد والواقعي للطبقة العاملة”. وكسب الحزب:”التعاطف في المجتمع لصالح الاتحاد السوفييتي”.

لماذا اختار مدون تقرير الكومنترن اللجوء إلى هذه المبالغة؟ إن الجواب على السؤال موجود في متن التقرير نفسه. فعبد الحميد الخطيب يؤكد أن ماجاء في تقريره:هو أن “هناك حزب شيوعي فعال ومتطور في العراق ونقابات متنوعة، ولكن مازال حزبنا غير قانوني وغير معترف به رسمياً. وكذا الحال بالنسبة للنقابات العمالية فهي غير المنضمة إلى النقابات الأممية الحمراء، وهي تحتاج إلى قيادة جيدة. ولذا يقترح:1) إرسال رفيق أو أكثر إلى العراق لتنظيم الحزب والنقابات العمالية؛2) دعوة عدد من الرفاق العراقية للدراسة؛3) الاعتراف بالحزب”. وبعبارة أخرى فإن كاتب التقرير بالغ في إمكانيات منظمته، وسعى إلى أن يجري الأعتراف بالحزب كعضو مستقل في الكومنترن، ويتطور معه العاملون تحت قيادة النقابات الأممية الحمراء عبر علاقات مباشرة. وحتى لو برزت المنظمة الشيوعية للشيوعيين العراقيين إلى الوجود نتيجة نشاط أقرانهم في العقيدة من الأجانب، فإنها طمحت إلى الخروج من وصايتهم. وهذا يعني أمراً واحداً لا غير وهو أن: قادة المنظمة تعتبر أن العراق ، الذي أصبح واقعاً سياسياً فهو بهذا القدر يسعى إلى أن يصبح أرض طبيعية لنشاط الشيوعيين المحليين. وبفعل هذا الوضع فإن أغلبية أعضاء الحزب ( وفي المقدمة منهم الشيعة) راحوا يدركون من جديد أهمية ظهور الدولة العراقية كدولة عربية. ومن هنا أيضاً برز موقفهم الحاد تجاه الصهيونية والسعي إلى الخروج من دائرة الجنوب الشيعي وتحويل الحزب إلى منظمة تضم جميع ألوان الطيف العراقي.

لقد شكل تقرير عبد الحميد الخطيب بالنسبة إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن  أساس كاف للتحليل الدقيق للمشكلة. وجاء في قرار الكومنترن العبارة التالية:” يرسل ويوضع تحت تصرف مارتي”(المقصود المندوب الفرنسي المسؤول عن قسم الشرق)ع.ح.

ولكن لم تبادر اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى إقامة صلات مع الشيوعيين العراقيين إلاَ بعد ثلاث سنوات، و إرتفع صداهم.

في أيلول عام 1933، وبمبادرة من مارتي، اتخذت اللجنة التنفيذية للكومنترن قراراً حمل عنوان”مقترحات حول العمل في العراق”. وفي الوقت نفسه تم إرسال عبد الحميد الخطيب إلى الوطن، وذُكر في القرار أسم مستعار هو “حلوان” كقائد فعلي لأنصار الكومنترن المحليين. كما أشير في القرار أيضاً إلى عاصم فليح الذي اقترح عليه على الفور أن يتوجه إلى العراق لصالح تعزيز نشاط الشيوعين. وأخيراً، ومن أجل حل هذه المشكلة، اعتبرت اللجنة التنفيذية للكومنترن أنه من الضروري أن يرسل إلى العراق واحد أو اثنين من الشيوعيين السوريين (عبر الموصل) من أجل ترتيب أمور الشيوعيين المحليين و”تكليف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الإسراع بتنفيذ مهمة إرسال ثلاثة طلبة عراقيين للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق”. وفي هذا السياق، فإن أحد مهمات الشيوعيين الفرنسيين هي ” إقامة الصلة مع الطلبة العراقيين الذين يتلقون الدراسة في باريس، وعلى الشاكلة نفسها يتولى الشيوعيون الأنجليز “تشكيل مجاميع معادية للأمبريالية” بين الطلبة العراقيين الذين يتلقون التعليم في لندن”.

وكما تشير الوثيقة، فإن قرار اللجنة التنفيذية للكومنترن لم يتضمن طرح مسألة الاعتراف الرسمي بالتنظيم الشيوعي العراقي ( إذ برزت شكوك وحذر حول واقعية وجود هذا التنظيم في العراق)، ولم تضع اللجنة الشيوعيين المحليين تحت رعاية الحزب الشيوعي السوري، ولكنه في الوقت نفسه كلف هذا الحزب القيام بدور فعال في الحلقة المركزية للحركة الشيوعية في كل البلدان العربية. وهكذا فإن مصدر كل المعلومات التي ترد إلى الكومنترن حول الشيوعيين العراقيين كانت تأتي من التركيب التنظيمي “الشقيق” أو المعلومات الواردة من العراق بشكل مباشر، ولكنها خاضعة لرقابة هذا التركيب بصورة مشددة.

محمود الأطرش( محمود الجزائري) (1903-1981)

علماً إن أمكانية للرقابة على المعلومات بالدرجة الأولى، تحددت بأنه تم في عام 1935 اختيار ممثل الحزب الشيوعي السوري م.م. الجزائري (محمود الأطرش- ع.ح.) عضواً في القسم الشرقي اللجنة التنفيذية للكومنترن.

بماذا تم إبلاغ اللجنة التنفيذية للكومنترن بعد عام 1933؟

يبدو أنه قد وردت إلى موسكو من دمشق في عام 1934 وثيقة باللغة العربية (دون ذكر التاريخ التقريبي ) بإسم ” حركة التحرر الوطني في العراق”( في الحقيقة كانت تسمى ( لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار- ع.ح.) 42، كما تؤكد الوثائق الرسمية للحزب الشيوعي العراقي. وأشير لأول مرة في هذه الوثيقة عن الرابطة العضوية بين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، الذي يمثلهم قبل كل شيء في جنوب العراق الحزب الوطني  بزعامة جعفر أبو التمن43. إن فكرة هذه الرابطة قد جرى الإشارة إليها في أكثر من وثيقة في عام 1927، حيث أسست مجموعة

من الشباب يبلغ عددهم ثلاثة عشر شاباً من أعضاء الحزب الوطني، النادي الثقافي في البصرة . وضم هذا النادي أعضاء من الموظفين والطلاب والمعلمين. وضم مؤسسي هذا النادي عدد من الشباب من ذوي النزعات الراديكالية (شباب المعرفين)44. وفي عام 1929 أصبحوا من أنصار جعفر أبو التمن، والذين بادروا في البصرة إلى تأسيس أول خلية شيوعية، ولحقتها خلية ثانية في الناصرية. وتضمن البرناج الحافل الدعوة إلى إستقلال العراق ووحدة البلدان العربية والنضال ضد الأثرياء والاقطاعيين، بإعتبار هذه الفئة من عملاء الأمبرياليين

 

جعفر ابو التمن

1881-1945

الانجايز، ونشر العلمانية بإعتبارها ملاذأ للمساواة بين جميع الطوائف الدينية والنضال ضد التطرف الديني وإزاحة المستشارين الانجليز من أجهزة الدولة وتنظيم العمال والنشاط في صفوف الفلاحين ورفع مستواهم التعليمي. ولم تطمح هذه الشبيبة الراديكالية إلى القطيعة التامة مع الحزب الوطني، واعتبرت أنه من الضروري ” دفعه إلى تشكيل منظمة لكل الفئات الشعبية في الحملة المناهضة للأمبريالية”. ويضاف إلى ذلك، فإن الشيوعيون ساعدوا على “تأسيس فروع لهم في البصرة والناصرية”.

وفي الوثيقة المذكورة أعلاه يشار إلى أنه فقط” في عام 1934، وبمساعدة الرفاق السوريين”بدأت في صفوف الشيوعيين العراقيين عملية “التمركز”. وبفضل الشيوعيين السوريين جرت المبادرة إلى تأسيس ” نقابات سرية في الموصل وخانقين”، و” تعزز أيضاً الاهتمام بالفلاحين والقبائل البدوية، عندما شارك الشيوعيون بنشاط في انتفاضة العشائر في الهندية في الفرات الأوسط، وانتشرت بين المنتفضين البيانات والنشرات كدعاية تحريرية”. وأخيراً، جرى التأكيد في الوثيقة على حادثة جرت في عام 1934 حيث أصطدم انصار الكومنترن مع “تيار برز في صفوفهم من الشعبيين” من الذين وقفوا ضد التحول إلى الشيوعية”.

وهناك الكثير من الموضوعات المهمة في هذه الوثيقة، خاصة الإشارة إلى مصادر الشيوعية في البصرة ذات الأغلبية الشيعية- كالحزب الوطني العراقي بزعامة القيادي السياسي الشيعي، إضافة إلى الإشارة حول الدور المهم لرفاقهم السوريين قي توحيد المجاميع التي تكونت في الجنوب مع تلك المجاميع من أنصار الأفكار الشيوعية التي تأسست في بقاع أخرى من البلاد. وهنا فإن الإشارة إلى “الشعبيين” ترتدي أهمية مبدأية.

لقد تردد ذكر هذا المصطلح في قاموس الكومنترن في فترة النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، وفي أحاديث شيوعيي الشرق الأوسط ومن ضمنهم الشيوعيين العراقيين. وهي تعني بالنسبة لهم مجموعة سياسية بارزة في العراق في تلك الفترة وتدعى “جمعية الإصلاح الشعبي”، ومقرها في بغداد ويترأسها كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل. وقد أشير إليها في تقرير عبد الحميد الخطيب،

  

                             كامل الجادرجي                             عبد القادر اسماعيل       

 والتي أصدرت صحيفة “الأهالي”. وعبرت عن عقيدتها السياسية في برنامجها المنشور عام 1936 الذي أكد على ضرورة إجراء”إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي في المجتمع لصالح جميع أفراد الشعب العراقي وتطوره والقضاء على الاستغلال”45.

وقد فصّل البرنامج هذه الموضوعات العامة وتناول السياسة الخارجية وأكد على أهمية “تقارب البلدان العربية (ام التقارب)”، “وتعزيز عرى الصداقة بين العراق وجيرانه”. وفي الميدان الداخلي، أكدت الوثيقة على “تقوية الجيش”، “وتوفير الظروف لنشر حرية الرأي والديمقراطية”، “ورفع المستوى المعيشي للشعب عن طريق توفير كل النعم المادية والروحية”. وتطرق البرنامج إلى تطوير “التعاونيات الفلاحية”، مؤكداً على أهمية تصفية الأمية وبناء المؤسسات الصحية وتشريع قوانين العمال، ومن ضمنها حرية تأسيس المنظمات العمالية، وكذلك تحرير المرأة. وإعتبر الكومنترن المنظمات المشابهة لهذه الجمعية كحركات وطنية ديمقراطية، ينبغي على الشيوعيين إقامة علاقة وثيقة معها ( على الأقل في بداية وأواسط عقد الثلاثينيات) تحت الشعار الذي راج في بلدان الشرق حول ” تأسيس الجبهة الموحدة المناهضة للأمبريالية”.

وعلى الفور أغرى ذلك الشعار أنصار الكومنترن من العراقيين  الطامحين وطالبوا “بتحويل الشعبيين إلى الشيوعيين” بإعتباره أمراً يتجاهل ( أو على الأقل لا يفهم) تكتيك هذه الجبهة. زد على ذلك، فإن هذا الإغراء قد تعزز لأن الكومنترن قد سبق وأن طلب من أنصاره في بلدان الشرق إلى تحويل ” التنظيمات الوطنية الديمقراطية” المحلية في مجال نشاطها، عن طريق احداث انشقاق في هذه التنظيمات كي يتم انتقال ” العناصر الأكثر ثباتاً” في صفوفها إلى مواقع الشيوعية. لقد وجد هذا المنحى فهماً دائماً في صفوف جميع شيوعيي الشرق. ولكن، كما يبدو فالحديث لا يدور فقط عن نهج تذبذب الكومنترن، بقدر ما يدور حول ظروف تأسيس الحركة الشيوعية العراقية التي تحددت بدورها بعوامل تأسيس الدولة العراقية. ومن المناسب هنا التوقف عند بعض الوثائق المتعلقة بالحزب الشيوعي العراقي.

في كانون الأول علم 1936 تلقت سكرتارية الشرق التابعة للكومنترن ” ومن جديد عير سوريا” وثيقة غير موقعة تحت عنوان ” الوضع في العراق ومهمات الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب التاسع والعشرين من نشرين الأول عام 1936″. واحتوت الوثيقة على سمات المنظمات والأحزاب السياسية المحلية، ومن ضمنها الحزب الوطني وجمعية الاصلاح الشعبي. وجاء في الوثيقة :”إلى جانب الحزب الوطني، توجد في البلاد مجموعة تلتف حول جريدة ” الأهالي” اليسارية وهي حلقات الشعبيين. و برز الحزب الشيوعي العراقي في عام  1934 من وسط الشعبيين بالدرجة الأولى”46. وهكذا فإن المصدر الثاني لتأسيس الحركة الشيوعية العراقية – هم الشعبيون (وهذا هو الترابط العضوي مع الحركة الوطنية). ويبدو أنه من الممكن استعادة قائمة بأسماء 15 عضواً من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي من الذين انشقوا عن الشعبيين. وهم أعضاء المجموعة الشيوعية البغدادية من ناشطي جمعية الإصلاح الشعبي ومن بينهم عاصم فليح ، الذي أصبح سكرتيراً لهذا “الحزب” بعد عودته من موسكو، وقاسم حسن أحمد الشيخ ممثله في الكومنترن عام 1935. 

في الرسالة التي أرسلها قاسم فليح باللغة الروسية وحملها قاسم حسن أحمد الشيخ في أول زيارة له للعاصمة السوفييتية، أعلن فيها:”أننا على إدراك بجذرية وعدمية ميولنا” 48. وبعبارة أخرى، فإن وجهات نظر الشيوعيين البغداديين تتميز مبدئياً عن أقرانهم في البصرة. ويشير الكاتب إلى أن ” السبب الرئيسي ..هو قلة أعضاء المجموعة” و ” عدم حيازتهم للمهارة التنظيمية الشيوعية” معلناً للجنة التنفيذية للكومنترن عن ” أن تنظيم الحزب الشيوعي قد بدأ في عام 1924″، هذا التنظيم الذي لم يستطع الوقوف على قدميه أكثر من سنة جراء عدم فاعليته، أجبر عاصم فليح على التوجه إلى العاصمة السوفييتية من أجل “تلقي الدراسة”. وكان منظم هذه الرحلة (كما تنص عليها الرسالة) الشيوعي السوري اللبناني ف.شميل.

لقد قدّم عاصم فليح في رسالته جواباً عن ذلك اتخذ شكل العلاقة بين المجموعتين الشيوعيتين في بغداد والبصرة. وكان الجواب مبطناً ويمكن أن ندرك فحواه من ثنايا السطور. فقد أعلن عاصم فليح:” إنما تسألون عن الحزب العراقي ولماذا لم أنخرط فيه؟ السبب هو وجود بعض الجنون فيه”. ويتابع الحديث:”بعد مضي بعض الوقت إلتقى الرفيق خالد ( عبد الحميد الخطيب) مع السفير السوفييتي في بلاد فارس واستلم قدراً من المال لشراء سيارة وكثير من التوجيهات. ولكن لم يشتروا السيارة ووزعوا الأموال بينهم. وعندما رأى الرفيق خالد ذلك، أخذ 150 ين من إجوره وغادر…وكان من بيهم شخص يدعى محمد عبد الحسين. ولقد قرأت بعدئذ مقالته في صحيفة “العراق” حيث هاجم الشيوعية والشيوعيين العرب والشيوعيين العراقيين بوجه خاص”50.

ومن المناسب الاستناد إلى وثيقة أخرى. وهي ” أوراق من الذاكرة” كتبها قاسم حسن أحمد الشيخ عندما شارك في أعمال المؤتمر السابع للكومنترن، وكان من المنتظر أن ينظر فيها من قبل السكرتارية الشرقية للجنة التنفيذية للكومنترن.  ويشير في مدونته أنه في عامي 1928-1929 تأسست في العراق “منظمتين شيوعيتين”،اللتان لم تتوحدا إلاّ في عامي 1933-1934 في حزب شيوعي”،

المؤتمر السابع للكومنترن – موسكو

حزيران- آب 1935

 (كان من المناسب أن يضيف أن ذلك أنه حدث بعد أن شارك أبو التمن في جمعية الإصلاح الشعبي51). إن هذا التنظيم تأسس من قبل الأعضاء الذين عملوا خلال فترة طويلة في جريدة “الأهالي”، ومن خلالها أطلعوا الرأي العام على ما يجري في الاتحاد السوفييتي. ولهذا أسسوا بيسر جبهه متحدة مع الثوريين الوطنيين ومع المجاميع الوطنية تحت شعار”حرية الوطن”، و”الانتخاب المباشر على أساس الحق الانتخابي العام”، و”حرية الاجتماعات والصحافة والتنظيم”. وأحتوت ورقة قاسم حسن أحمد الشيخ على عدد من المطالب ومنها “تخصيص ميزانية للشيوعيين في العراق بمقدار 3000 فرانك فرنسي من أجل إصدار صحيفة علنية ومساعدة تنظيم الحزب ألخ”52.

إن صورة كلتا المجموعتين الشيوعيتين تنطوي على تفاصيل جوهرية. والحديث لا يدور حول السمات الشخصية لعاصم فليح وقاسم حسن أحمد الشيخ في استخدام الصحافة الرسمية من أجل تبادل الهجمات ومن ضمنها عن العلاقات المختلفة للمراكز الشيوعية العراقية. ففي حالة المجموعة البغدادية فقد كانت على صلة بالحزب الشيوعي السوري، الذي يرعى هذه المجموعة ويمدها بالوسائل التي تقدمها السكرتارية الشرقية من خلال وجود م.م. الجزائري في عضويتها، كما هو الحال في تسهيل سفر قاسم حسن أحمد الشيخ إلى موسكو، أما بالنسبة إلى المجموعة البصرية فإنها على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني الذي يعمل مع مصدر الصلة – ممثلوا المؤسسات السوفييتية في الخارج.

إن الكومنترن الذي كان يتولى معالجة القضايا المتعلقة بتوسيع النفوذ السوفييتي، والاستخبارات الخارجية التي تتولى مهام أمن الإتحاد السوفييتي، كانتا مؤسستان تتعاونان وفي الوقت نفسه تتنافسان؟ حقاً أن واقع وجود تنظيمات مختلفة من الشيوعيين العراقيين ليس الواقع الوحيد، بل أكد الوضع العام “للتعاون مع المنافسة”54 . المنافسة نعم، ومن الطبيعي في حالة عدم وجود وجهات متقاربة بين الشيوعيين العراقيين، فلا يوجد موقف واحد يدعم الموقف بين “المتنافسين”. لم يكن عيد الحميد الخطيب العضو الوحيد في المجموعة البصرية، الذي أقام صلة مع المؤسسة السوفييتية في إيران. فقد أقام هذه الصلة أيضاً يوسف سلمان55. وفي حالات الضرورة فمن الممكن أن يتوجه أعضاء المجموعة الشيوعية البغدادية إلى نفس المؤسسة. لقد حاول قاسم حسن أحمد الشيخ أن يغادر العراق متوجهاً إلى موسكو عبر ايران في عام 1941. ولهذا احتاج إلى توصيات إيجابية من قبل موظفي السفارة السوفييتية في طهران، وهو اجراء طبيعي بالنسبة له، خاصة في ظل  الحرب العراقية البريطانية، ووجود القواعد العسكرية البريطانية على الأراضي العراقية56.

وبالرغم من اهمية هذه التفاصيل، إلاّ أنه يوجد ما هو أكثر أهمية هو “تبرعم” الشيوعيين من المجموعتين البغدادية والبصرية من الحزب الوطني وجمعية الإصلاح الشعبي.

 

4

الشيوعيون العراقيون: محاولات تأسيس الحزب

في آذار عام 1935 أكد أعضاء المنظمة العراقية الموحدة للشيوعيين في منشور حمل عنوان “ماذا نريد” موجهة إلى الانتفاضة الفلاحية في سوق الشيوخ في الفرات الأوسط على مايلي:”إن ثورتكم هي ثورة حقيقية، تغلي لسنوات طوال في قلوبكم. إنها إندلعت ليست استحابة لجشع الهاشمي والمدفعي والأيوبي والعسكري. أنهم لم يستلموا السلطة من أجل إحداث تغيير في حياة الملايين من الكادحين، بل بالعكس، فإن كل واحد منهم قي أدلى بدلوه في تكبيلنا بقيود العبودية، باتفاقيات وملحقات لهذه الاتفاقيات على شاكلة اتفاقيات النفط57. إن الأسماء المشار إليها لم تبق على أي شك: والحديث يدور حول أناس شرعوا منذ 16 سنة ولحد الآن بالإتفاف حول الأمير فيصل ورفعوا شعار “الثورة العربية الكبرى”.

لم رغب الشيوعيون العراقيون لشكل قاطع الاعتراف بالسيادة لوطنهم. ففي خطاب لقاسم حسن أحمد الشيخ في جلسة المؤتمر السابع للكمونترن أكد:” إن الامبريالية البريطانية انتقلت من إدارة الانتداب المباشر في إتفاقية عام 1930. ولكن هذه الاتفاقية… كرست وأضفت طابع خلود للإدارة الانجليزية على العراق كمستعمرة لبريطانيا العظمى”58. وطرح بلغة أشد حدة مسألة استمرار الاحتلال الاستعماري للعراق خلال النقاش حول تقريره.:” ليس من الصحيح القول أن الجماهير الشعبية في العراق تقع تحت طائل إدارة الحكومة الوطنية، إنها تعاني من النير المباشر للأمبريالية البريطانية….إن العراق مستعمرة للأمبريالية البريطانية، والجماهير الشعبية تأن تحت أفواه السلاح الانجليزي….وفيصل يمثل تحالف الإقطاعيين والكومبرادور…وتوجد في العراق حركة تحررية وطنية جبارة، ويعتبر الحزب الشيوعي العراقي أن من واجبه تنظيم هذا الحزب تحت قيادة الكومنترن على أساس الدور الطليعي للطبقة العاملة59.

إن أي حديث ( ولا يستثنى الحزب الشيوعي عن ذلك) يحتاج إلى تحليل محتواه، الذي يتستر بالكلام الخاص المستخدم. والمهم ليس ظاهره الخداع (مثل، العناصر الايقونية لهذا الحديث-كـ”هيمنة الطبقة العاملة” و “النير الأمبريالي” وما شابه ذلك). ما هو جوهري شيء آخر: تطور العملية السياسية، وممثليها وتقييمها والمشاركين فيها بهذا الشكل أو ذاك. ويستحق إلقاء نظرة على فقرات من الوثيقة المنشورة أعلاه لتبيان وجهة النظر هذه.

إن من كان يعتبر نفسه شيوعياً في العراق في عقد الثلاثينيات، كان من المشاركين في العملية السياسية المحلية، التي تتحدد مهمتها الأساسية في تعبئة الجهود لإضفاء طابع وطني على الدولة التي أنشأت من قبل قوة خارجية. فهذه القوة الخارجية هي التي كرست كل نواقص وعيوب وأمراض هذه العملية – كالمناطقية المعبرعنها أيضاً في نزعة صريحة معادية للشيعة60، (إذا كان الأمر يتناول المجموعة الشيوعية البغدادية) أو المفردات المعادية للسامية61 ، و التقليل من أهمية احراز استقلال الدولة أو الميل للحصول على وصاية القوى الخارجية (حتى “الأخوية” منها حتى ولو كان الحزب الشيوعي السوري “الشقيق”62. وفي الوقت الذي يجري التمسك بالبطولة ظاهرياً بشعار تحقيق المبادئ البلشفية (بإعتبارها الأداة لمواجهة بريطانيا العظمى)، ولكن كان عليهم تعبئة كل جهودهم لتحقيق “المصالح العليا” للحركة “من أجل التحرر الوطني”، وليس دعم تلك القوى السياسية في البلاد التي تحصل على تمويل لها من قبل ألمانيا النازية أو ايطاليا الفاشية (بدعوى التحرر من نير الأمبريالية البريطانية). ولعل أبرز مثال على ذلك مواقف الشيوعيين تجاه الانقلاب العسكري لرشيد عالي الكيلاني في نيسان عام 1941، وهو ما أكده قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو في سيرة حياته حيث قال:” لقد شاركت في الحركة الفدائية وأضطررت للهرب إلى إيران كلاجئ سياسي63″. القضية تتحدد في الدور الذي لعبه الشيوعيون في العملية، وماهيةعلاقتهم باللاعبين الآخرين، وفي نهاية المطاف، ماهي الأطراف التي إعتبروها حلفاء أو خصوم لهم؟

إن الجواب على الجزء الثاني من هذا السؤال يخلو من التعقيد. فإذا ما كان خصوم الشيوعيين هم بالدرجة الأولى المنفيون العراقيون المناصرون “للفكرة القومية العربية”، فهل كانوا من أنصار جعفر أبو التمن وحزبه الوطني، ولاحقاً “الشعبيين” من “ممثلي جمعية الإصلاح الشعبي”؟ لا يوجد في وثائق الحزب في عقد الثلاثينيات على الإطلاق أي انتقاد  للأمير فيصل ( الذي تولى العرش لاحقاً) ولا لعائلته، ولا أزاء مجموعة العمل القومي. وهذا الوضع بالضبط يمكننا من اعتبار الشيوعيين العراقيين قوة هامشية.

ويبدو أن هامشيته تكمن في مجال آخر، وتحددت في حالة أخرى، على سبيل المثال العدد القليل من أنصار الفكرة الشيوعية. فحسب رواية قاسم حسن أحمد الشيخ، عندما عاد إلى العراق من موسكو عام 1936، “كان عدد نشطاء الحزب بضعة رفاق…. ولكن هؤلاءالرفاق ذوي ميول يسارية، إثنان منهم أعضاء في اللجنة المركزية….وبعد تنحي صائيموف (عاصم فليح بعد اعتقاله وتعرضه للتعذيب الشديد –ج. س.)، بقينا أربعة رفاق، إضافة إلى آخر ميكانيكي، إلاّ أنه أمي”64.

ولكن بعد مضي بعض الوقت، أعلن قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو بأن الحزب قوي”، وإنه يستمد قوته من ” فعالية أعضائه”. ولكن كل ذلك مجرد كلمات، جرى تلفظها من أجل الحصول على الدعم المادي من قبل الكومنترن قبل كل شيء. وأورد كاتب التقرير معطيات أخرى ومن ضمنها “انبثاق عدد من لجان المناطق للحزب ، منها لجنة الفرات الأوسط يتولى رفيقان في كل منهما الشؤون التنظيمية بين الوطنيين الثوريين، ولكن يضيف قاسم حسن أحمد الشيخ،”إننا لا نستطيع متابعتهم لأن أحدهم قابع في السجن، والآخر لم يقدم التقارير الضرورية. “ولجنة البصرة مكونة من ثلاثة رفاق، ولديها عدد من الخلايا. ولا يعرف بدقة عدد أعضاء الخلية، وقد جرى حل بعضها، أما البقية فتستمر بنشاطها التنظيمي”. وتتالف “لجنة الناصرية من ثلاثة رفاق، يقبع سكرتيرها في السجن. ولديها خلية من التلاميذ- ثلاثة رفاق-، وخلية أخرى من ثلاثة خلايا لصباغي الأقمشة والأخرى لباعة الصحف والثالثة لصغار الموظفين”. “وتضم لجنة الديوانية ثلاثة رفاق، وثلاثتهم في المعتقل الآن”. وهناك” لجنةعمال السكك الحديدية على خط بغداد –كركوك تحت قيادة مهندس الخط. وأخيراً “لجنة بغداد”التي تتولى مهمة اللجنة المركزية ، وتقود عدد من خلايا العاصمة، ولدينا في الجيش أ- في القوة الجوية وقد قتل إثنان منهم ، وب- خلية في صنف المشاة وتضم ضابط وخليته وفي المدفعية رفيقين”، “وفي مدرسة الصناعة في بغداد،هناك ثلاث خلايا يعمل في كل منها ثلاثة رفاق”، و”أ- ثلاث خلايا في شغيلة السكك الحديدية وينتظم في كل خلية ثلاث رفاق، ب- ثلاث خلايا في المهن الحرة ، الأولى في بين الحمالين والثانية خاصة بالرفاق اليهود والثالثة بين عمال الجص”، و خلية للحلاقين تضم رفيقين” و “خلية للمستخدمين في وزارة الخارجية تضم رفيقين”، و “خلية في دوائر بلدية بغداد – رفيقين”، و “خلية في دوائر الأوقاف تضم أربعة رفاق”، و”خلية في صناعة الثلج”لا يعرف عددهم. وبالمناسبة تعمل في بغداد”، المدينة العراقية المتعددة القوميات، “ثلاثة لجان مستقلة ذاتياً للأكراد. الأولى تضم ثلاثة رفاق أكراد، والثانية رفيقان” و “خلية مستقلة للرفاق الآشوريين صلتها بالحزب عبر سكرتيرها وتضم ثلاثة رفاق”65.

إن الحديث لا يدور حول منظمة للشيوعيين العراقيين قليلة العدد. إنهم كانوا قوة هامشية من وجهة نظر علاقاتهم بموسكو. “لقد توجه الحزب الشيوعي العراقي، كما جاء في الوثيقة التي قدمها سكرتيره قاسم حسن أحمد الشيخ، بطلب إلى الكومنترن ليكون فرعاً للأممية الثالثة كي يتلقى بشكل دائم توجيهاته ونصائحه”66. هذه الوثيقة تعود إلى عام 1937.

ولكن المهم هو شأن آخر: هو هامشية الشيوعيين العراقيين بقدر ما يتعلق بالسياسة الداخلية، وعلاقاته الوثيقة المديدة مع العملية العرضية المؤذية مع الوطنيين الجناح “اليساري”للوطنيين – جعفر أبو التمن و”الشعبيين” بقيادة كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل؟

إن تطور الوضع الداخلي بعد فرض نظام الانتداب الانجليزي قد تحدد ببروز مجموعة نشطة من الوطنيين المحليين في البلاد. وتجاوزت الوطنية العراقية هذه المجموعة التي عملت داخل البلاد، فشملت حاشية الأمير فيصل. وكان يمثلهم الأعضاء السابقون في جمعية “العهد”، التي ضمت الضباط السابقون في الجيش العثماني. والحديث يدور حول مجموعة متراصة ( سبق أن أشير إليهم في نشرات الشيوعيين) والذين وصفته الأبحاث العراقية في عداد” فئة إجتماعياة خاصة”. هذه الفئة في الإطار الوطني والديني، هي مجموعة عربية دينية تبلورت اجتماعياً  من “المنحدرين من رحم المجتمع من الفئات ذات الدخول المحدودة، وإختاروا الخدمة في الجيش بإعتبارها ميداناً لنشاطهم المهني”. إن أعضاء هذه الفئة  ليس لديها أي ملكية، ولا أية مصادر ولم يكن لديهم ممتلكات، ويعتمدون على رواتبهم، ووحدة الثقافة والتقاليد التي تتصف بها البيئة العسكرية”67. وأخيراً، إلتحقوا بالمسيرة المجيدة ” الثورة العربية الكبرى”، وشاركوا في المحاولات لتوسيع نفوذ  سيدهم “فيصل”، الذي سبق وأن تم تتويجه على العرش في دمشق، ولو على جزء من الأراضي العراقية التي إحتلها الانجليز، وتحقيق هدف القوميين قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. 

لقد أصبحت القضية المتعلقة بأساليب إدارة العراق مهمة ملقاة يجب على السلطات البريطانية تحقيقها بعد إندلاع ثورة العشرين الوطنية في داخل البلاد68. وتضمن هذا الأمرل ( الذي نفذته مجموعة من ممثلي الإدارة الانجليزية والمؤسسة السياسية) في نقل السلطة إلى العرش الهاشمي والمحيطين به، والجناح “الخارجي” من القوميين العراقيين. ورافق عودتهم الاحتفالية إلى الوطن تأسيس “طبقة حاكمة” متراصة نسبياً، مستثنين منهم ممثلي الوطنيين في “الداخل”.

ولم تكن هي المرة الوحيدة في تاريخ العراق بين الحربين العالميتين أن جرت محاولات التغيير بعد حدوث إنقلاب عسكري في تشرين الأول عام 1936 الذي قاده بكر صدقي، وتشكلت حكومة برئاسة حكمت سليمان، شارك فيها ممثلو جمعية الإصلاح الشعبي ممثلاً في شخص قيادتها جعفر أبو التمن. وإلى جانب ذلك، فإن التحالف بين الطبقة التقليدية الحاكمة وبين الجناح الداخلي للوطنيين بدا مؤقتاً، نظراً لأن التناقضات بين نخب هاتين المجموعتين أضحت عميقة. ففي صيف عام 1937، أزيح وزراء ” الشعبيين” من تركيبة الوزراة، وبدأت في العراق الموجة الدورية لهستيريا معادة الشيوعية، التي لم تكن موجهة ضد الشيوعيين فحسب، بل ضد جمعية الإصلاح الشعبي.

 

  

    بكر صدقي                                   حكمت سليمان

1890-1937                                 1889-1964

ألم يكن الفارق عميقاً في تقييم الشيوعيين لامكانيات انقلاب بكر صدقي وحكومة حكمت سليمان في بداية تشرين الأول عام 1936، وبين تقييمهم لهذا الإنقلاب في صيف عام 1937؟ إن المنشورات التي وزعها الشيوعيون عقب الإنقلاب مباشرة أثارت نشوة عارمة، فقد جاء في أحد هذه المنشورات:”إن الشعب الذي عاني من استبداد الطغاة البرابرة، رفعوا السلاح وأطاحوا بسلطة أولئك الذ مثلوا النظام السابق. وقد تم إحراز النصر لأن الشعب دعم الحكومة الجديدة وإعتبرها شرعية. إن الشعب يطالب بإطلاق الحريات الديمقراطية ويحيي بالأجماع الحكومة الجديدة ويدعمها…على طريق الثورة التحررية الاجتماعية”69. ولكن كان تعليق الحزب في صيف عام 1937 مختصراً:”لقد قُتل بكر صدقي على يد أحد الجنود في الثاني عشر من آب …وهكذا طويت صفحة على الفاشية العلنية”70.

نشأت الشيوعية العراقية في بيئة  الوطنيين “المحليين” كرد فعل على التهميش الطويل الأمد للعراق عن محيطه. إن ضيق صدر وعدم التحمل الثوري للوطنيين الشباب دفعهم إلى التوجه صوب الأفكار الشيوعية، وأجبرهم على البحث عن المساعدة من قبل القوة الخارجية الوحديدة الاتحاد السوفييتي، القادرة، كما بدا على إنقاذ الوطنيين “المحليين” من الدوامة. ولكن هذه القوة الخارجية كانت أقل استعداداً لحل هذه المشكلة. فقد كانت لها مصالحها الذاتية، وإن فعلها كان محدوداً بسبب التزاماتها، فقد كانت هي الأخرى تسعى إلى الخروج من العزلة الدولية. وكان الشيوعيين العراقيين قليلو العدد ومحرومون من الصفة الضرورية كأعضاء في الكومنترن، واحتلوا المكانة الثانية في العملية السياسية المحلية. ولكن هل كان بإمكانهم تغيير هذا الوضع؟

إن العقيدة الشيوعية ما هي إلاّ أداة عمل، وإن القاعدة التي يستندون إليها (“الطبقة العاملة” ، “حزب البروليتاريا” و “الشيوعية”) ما هي إلاّ أدوات ليس لها سوى علاقة محدودة بالواقع. وفي هذا المعنى، فإنها تشبه العقائد الأخرى  التي تحددها التطبيقات السياسية ( الوطنية أو العقائد الدينية المتحضرة). وبإعتبارها قاعدة لكل الهياكل النظرية، فإن الخطاب الشيوعي هو مؤشر يسمح بالتمييز بين الهياكل التنظيمية الموجودة في المجتمعات الضعيفة في اصطفافها الطبقي. ومع ذلك، فإن الاستناد إلى الخطاب المناسب، المقترن بموجه (على دعم محدود من الخارج) لا تساعد من حيث المبدأ فقط على وضع حدود بين المشاركين الجدد في العملية السياسية وبين من سبقوهم جينياً، بل ويسمح للمشارك الجديد بكسب الإنصار. ولا يمكن النظر إلى التنظيم الشيوعي كإستثناء. فهل كان لدى الشيوعيين العراقيين القدرة على اختيار هذا التكتيك الموجه ( الذي رعاه الاتحاد السوفييتي والكومنترن)؟.

إن الجواب على هذا السؤال سلبي وعلى الفور.

لقد ظهرت منظمة الشيوعيين العراقيين على السطح في تلك الفترة من نشاط الكومنترن، التي يمكن اعتبارها مرحلة انتقالية للإعلان رسمياً عن رفض تكتيك “طبقة ضد طبقة”، والإعلان عن فكرة تشكيل إئتلاف سياسي واسع يطال أيضاً (بلدان الشرق) إلى جانب الشيوعيين والمجاميع والتنظيمات والحركات الوطنية اليسارية. إن إمكانية تشكيل مثل هذه “الائتلافات – الجبهات” تعود إلى أن بلدان الشرق قد حلت موضوعياً مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية كمرحلة تسبق الثورات ذات الطابع الاشتراكي (في المنظور البعيد).

لقد شخصت سكرتارية القسم الشرقي في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية تأسيس الجبهة المعادية للأمبريالية في ظروف العراق كمهمة ملحة من الدرجة الأولى لرفاق الدرب. ففي كانون الأول عام 1936 توجهت السكرتارية الشرقية للكومنترن لأول مرة بتوصيات تتعلق بنشاط رفاقها في العراق. وقد كتب مسودة هذه التوصيات م.م. الجزائري. وجاء في التوصيات” تحركوا (صوب جمعية الإصلاح الشعبي) وإعملوا هناك من أجل تحقيق برنامجه، وبينوا أنكم أفضل المناضلين من أجل مصالح الشعب. إن إنخراط الشيوعيين في هذه المنظمة من شأنه ، أولاً العمل في وسط الجماهير، وثانياً، وعدم الشعور بالرعب من القمع  الذي تسلطه الأمبريالية ضد الشيوعيين… ويرتكب الشيوعيون خطأً كبيراً في حالة استمرارهم في رفع شعار (التحرر الاجتماعي الثوري) الذي تم رفعه كشرط لدعم حكومة حكمت سليمان”. ويستطر الكاتب في المسودة:” يجب على الشيوعيين أن يبادروا ويتصدرون العمل من أجل تأسيس الجبهة الموحدة لجميع التنظيمات الديمقراطية (“جبهة الاصلاح الشعبي”و”الحزب الوطني”) من أجل دعم الحكومة الديمقراطية الحالية…وأن يشارك الشيوعيون في طليعة المناضلين من أجل الوحدة، وتقديم العون للشعبيين الثورين من البرجوازين الصغار والتحرر من الأوهام اليسارية المتطرفة. وللأسف في الماضي، فإن الشيوعيون العراقيون أنفسهم حاججوا الشعبيين من منطلق يساري”71.

وفي النص لاحقاً، أجرى م.م. الجزائري تعديلات ( دون المساس يالمعنى كلياً) وترجم إلى اللغة العربية. وأشير في الوثيقة الجديدة:” أنه بات من الضروري بالنسبة لكم القطيعة مع كل الشعارات والمطاليب ذات الميول المتطرفة والانعزالية، والتي يدعمها بعض الوطنيين المتطرفين، الذين يسعون إلى عرقلة عمل الحكومة الوطنية وفضحها بذريعة تغيير الاتفاقية العراقية-البريطانية أو قضية توزيع كل الأراضي على الفلاحين …. فكل هذه المطاليب إنعزالية لكونها غير قابلة للتحقيق في الأمد القريب. وعلى العكس من ذلك، فإن تكتيكاتكم يجب أن توجه صوب عزل الرجعية، والتخلي عن شعارات الحد الأقصى، التي يمكن أن تساعد على انتقال العناصر التقدمية إلى معسكرها”.

وتستطرد الوثيقة:”وإنطلاقاً من ذلك، فينبغي عليكم العمل قي جمعية الإصلاح الشعبي كحزب وطني جماهيري وعلني ( كما جاء في الوثيقة-ج.ك.) والدعوة لكل المجاميع والعناصر ذات المسحة الوطنية إلى الانخراط في هذا الحزب. وعبر هذا التكتيك فقط يمكن تعبئة أوسع الجماهير حول تحقيق مطاليبكم اليومية ، وتعزيز مواقعكم بينهم بإعتباركم أكثر المناضلين ثباتاً من أجل مصالحهم. وعبر هذا الطريق فقط، بإمكانكم تعزيز مكانة الحكومة الوطنية كحكومة ديمقراطية بحق، ودفعها إلى تحقيق الحريات للشعب وعزل العناصر الرجعية عن الحركة الوطنية، وتطهيرها من جهاز الدولة. وعلى هذا الطريق فقط يمكنكم دعم مطاليب كل المجاميع الوطنية والأثنية، والذي يؤدي إلى تعزيز تضامنهم الأخوي، وسيساعد على تعزيز الوحدة العراقية وتأسيس جبهة وطنية”72.

كلمات سليمة ومنمقة! ولكنها حرمت الشيوعيين من إمكانية التوجه صوب المفاهيم الأساسية لخطابهم، إلى تلك المؤشرات التي قادتهم إلى حافة الهاوية بينهم وبين المقربين منهم عضوياً من المجاميع السياسية الفاعلة. فكلمة “الشيوعية” لم تصدح حتى في نشراتهم. وإذا ما صوروا أنفسهم “جبهة معادية للأمبريالية” خلال الثورة التي إندلعت في الفرات الأوسط (جبهة ضد الاستعمار)73، ولكنهم بعد انقلاب بكر صدقي – أصبحوا ” مجموعة التحرر الوطني والاجتماعي” (جماعة التحرير الوطني والاجتماعي)74.

إن أنصار الكومنترن تعرضوا للركود في صفوف الوطنيين75. فهل سعوا إلى مواجهة هذا الوضع المتراكم؟ بالطبع نعم.

فالتقارير المرسلة إلى موسكو من قبل كل من وصل إلى العراق من الخريجين تشير إلى اختيار سكرتير جديد لمنظمة الشيوعيين العراقيين( علماً أنه قد تدرج في تولي هذا المنصب كل من عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح وقاسم حسن أحمد الشيخ، وأخيراً يوسف سلمان)، وأشارت المعلومات إلى طرد “التروتسكيين” و”المتطرفين اليساريين” من الحزب، والذين أطلق عليهم صفة “العناصر المعادية للحزب”.  وفي واقع الأمر، فليس في تحديد السمات، فقد وضعوا هؤلاء بدون معنى في صف أؤلئك الذين تعرضوا للعقوبات بتهمة معارضتهم لنهج الحزب الشيوعي السوفييتي (البلشفي) في الاتحاد السوفييتي. فماذا كان الاتهام الذي وجّه إلى عاصم فليح لطرده من الحزب عام 1938: لقد جرى التأكيد على أنه “على علاقة مع المنظمات الصهيونية ومع أشخاص لهم علاقة غير مباشرة مع أقطاب الطائفة الشيعية في مدينة النجف”76. وبالمناسبة، فإن هذا الوضع قد جرى تقييمه من قبل السكرتارية الشرقية للجنة التنفيذية للكومنترن وإعتبر أنه إمتداداً للصراع حول المناصب في الحزب77، وأتخذ ذلك من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن كذريعة إضافية لرفض الاعتراف بالشيوعيين العراقيين كعضو في الكومنترن. 

ولكن الحجج كانت أكثر مبدأية عند توجيه الاتهامات ضد العناصر المعادية للحزب. فقد اتهموا بممارستهم “تصرفات استفزازية متطرفة”، ذات “ميول يسارية”، أدت إلى بهم إلى التخطيط لـ”إصدار جريدة وتوزيع منشورات والإعلان عن نشاطهم الحزبي”78. إنهم ، كما أعلن في السكرتارية الشرقية للكومنترن، قد شرعوا مبكراً بالدعوة “ضد المشاركة والعمل في الحركة الوطنية”، وقاوموا “الاتحاد مع بعض المجاميع والأحزاب الوطنية على أساس النضال الوطني التحرري”بذريعة” أن الحركة الوطنية – هي حركة برجوازية، وإن هؤلاء الوطنيين هم مجموعة من الخونة”79. إن كل هذه “الممارسات” ما هي إلاّ إنعكاس لإنعدام الصبر الثوري، والطموح صوب الخروج من ظل القادة “المحليين” الهامشيين، وإتباع نهج في العمل بعيداً عن الإصلاحية، وكسب النفوذ في المجتمع والتحرر من الحالة الهامشية.

 

5

حل الكومنترن كشرط لتأسيس الجزب الشيوعي العراقي

 

كيف كان مصير بطل الشيوعيين العراقيين يوسف سلمان؟ وصل يوسف سلمان إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من باريس بحماية الشيوعي العربي الفلسطيني محمود الأطرش، في ظل رفض قاطع من قبل قائد الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش80. وبالإستناد إلى تصريحات للسكرتير العام للحزب الشيوعي السوري، وقام م.م. الجزائري بنقلها إلى السكرتارية الشرقية أن” يوسف لا يتمتع بثقة حزبنا”، ويستطرد قائلاً أن “رمزي”(الاسم المستعار لخالد بكداش-ع.ح.) طلب إلى جانب ذلك فصله من الحزب ، لأنه سيء” ومن جانبه أكد م.م. الجزائري(محمود الأطرش –ع.ح.) نفسه:”إنني لا أثق بيوسف…ولم اقدم له المساعدة”. إن هذا ضرب من شطط بعض الشيوعيين للتعبير عن فهمهم لـ” الأممية البروليتارية”!

خالد بكداش

1912-1995

لقد إقترنت عودة يوسف سلمان قادماً من موسكو بجملة من المصاعب81. ورجع يوسف سلمان إلى الوطن في بداية عام 1938، 82، مركزاً نشاطه على مدينة البصرة، وانتقل لاحقاً إلى بغداد في عام 1940.

       

                       زكي خيري                                      نوري روفائيل 

                          1911- 1995                                   1905  -1985

لقد وصف الوضع داخل صفوف الشيوعيين العراقيين على أنه مخيب للآمال، ولم يكن ذلك المرة الأولى التي استلم الكومنترن بشكل مباشر مثل هذه التقارير في البلاد. فقد كتب يوسف سلمان وقتها، إن القادة الحزبيين ” منهمكين في النقاش بينهم حول قضية القيادة، وبالطبع، حول المالية”. وأعلن عن عدم وجود مجموعة شيوعية منظمة وموحدة  في العراق، وقدم إلى السكرتارية الشرقية معلومات عن قادة الأجنحة:”مجموعة عبد الله مسعود – وهم من الرفاق ذوي الميول الثورية”، “التروتسكيون، وزعيمهم نوري روفائيل وكان في اسبانيا”، ومجموعة قاسم حسن ويوسف متي وزكي خيري التي لا تعتبر مجموعة حزبية”حيث” أن مواقعهم اللاماركسية وأفعالهم الخيانية أدت إلى تحطيم الحزب”. وإلى جانب ذلك، هناك “مجموعة معارضة يتزعمها يعقوب كوهين(فاضل)”، “التي جمعت الرفاق اليهود في مجموعة خاصة بهم، مما يذكرنا بتنظيم “البوند”( مجموعة من الماركسيين اليهود في روسيا قبل الثورة- ع.ح.)، والتي أعنت أنها تمثل اليهود في الحزب، التي تؤكد أن المنظمة الشيوعية العراقية “لا تعتبر حزباً عمالياً، وكذا الحال بالنسبة للطبقة العاملة فلا وجود لها في العراق حتى الآن، ولا يدور الحديث الآن عن الثورة الاشتراكية (التي يحققها المثقفين)”. وقد أعلنت كل هذه المجموعات أن يوسف سلمان “غير مناسب للعمل الحزبي”.

لقد مارس يوسف سلمان نفس الأدزار التي إتبعها أسلافه الذين تولوا سكرتارية منظمة الشيوعيين العراقيين. (وحسب أقوال قاسم حسن أحمد الشيخ في عام 1940 أن” يوسف سلمان أصبح على رأس الحزب”)83. وبالمناسبة فإن المنظمة لم تتعرض إلى نزعة راديكالية في بواكير نشاطها. وتمكننا الوثائق المحفوطة في أرشيف الدولة الروسية للتاريخ السياسي والاجتماعي، من الإطلاا على أن يوسف سلمان لم يكن إصلاحياً بقدر كان يسعى إلى هيكل شيوعي جديد، كما أعلن في تقرير قدمه إلى جيورجي ديمتروف “القائد الشيوعي البلغاري وسكرتير الكومنترن –ع.ح.) ، والذي جاء فيه ” إن عدد أعضاء منظتنا، التي ما هي إلاَ مجموعة لا تتعدى العشرة أعضاء”84. وتميز نشاطها بالخصوصية وفي الوقت نفسه عملت بشكل جدي وهادف. ( يبدو أنه قد تعلم الكثيرفي موسكو في عقد الثلاثينيات).

أعلن يوسف سلمان في موسكو عن نشاطاته وكتب يقول:” حتى عام 1937، كانت الناصرية نقط الإرتكاز وأقوى مركز لنشاط الشيوعيين. فهي زودت الحزب بأعداد كبيرة من الكوادر ( ومن ضمنهم أنا، السكرتير الحالي للحزب الشيوعي) وأعضاء الجهاز السري ونشطاء حزبيين فعالين للغاية. إلاّ أن الملاحقات المستمرة لأعضاء الحزب، والمواقف الخيانية لبعض القادة في عام 1937، والمستوى الواطئ للتعليم في السابق، إضافة إلى الوضع الإقتصادي للرفاق في الناصرية أدى إلى أن تتخلف الناصرية”85. والمدينة التي أشار إليها القائد الشيوعي الجديد، هي نفس المدينة التي أسس فيها فرعاً للحزب الوطني، وشرع بنشاطه السياسي وحيث بقي أصدقائه الذين يعرفوه ويتذكروه.

إن المعلومات التي توفرت لدى اللجنة التنقيذية للكومنترن حول التركيبة الكمية للحزب كما يؤكدها يوسف سلمان على الوجه التالي:” بلغ عدد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي 420 عضواً في عام 1942″. بالطبع إن أكثر الأعضاء هم في منظمة بغداد” 300 عضو، منهم 100 عامل ، و100 معلم وطالب، و80 من شغيلة الفكر والمحامين والموظفين الصغار والتجار الصغار، و10 عسكريين  و 10 نساء. فضلاً عن ذلك فقد تمركزت الخلايا الحزبية في جنوب البلاد:”البصرة -30 عضواً”، “العمارة 20 عضواً”، وغالبيتهم من المثقفين وتحديداً من المعلمين الذين تم انخراطهم في الحزب حديثاً”. وضمن منظمة “النجف -15 عضواً ضمن تنظيم ضعيف”، “والديوانية والسماوة–15 عضواً”، و”لناصرية -10″، و”الكوت- 3″. وأصبح الإتجاه العام ليوسف سلمان هو تأسيس خلايا حزبية في جنوب العراق، وقال :” نحن نعمل فب اتجاه تعزيز العلاقة مع الديوانية والبصرة والناصرية والعمارة والنجف”. وفي هذه المناطق برز أبرز أنصاره، (ومنهم حسين محمد الشبيبي في النجف).

حسين محمد الشبيبي

1917-1949

ويشير فهد في التقرير الذي قدمه إلى أن اللجنة المركزية الجديدة تضم “أغلبية عربية”. علماً أن الحزب لا يضم في صفوفه مختلف القوميات فحسب ( هناك 20 مواطن يهودي فيحملون عضوية الحزب)، بل أحتلت وجوه جديدة في الهيئات القيادية، ولكن من النادر أن لعب المنحدرون من المكون الشيعي في السابق دوراً في الحركة الشيوعية العراقية”86. وأشير في التقرير إلى تشكيل خلايا في الموصل، إضافة إلى ظهور أنصار للحزب في السليمانية “(المركز الكردي)، وهذا ما اعتبره يوسف سلمان:”إننا تقدمنا بخطوات حثيثة للعمل في وسط الأكراد”.

وأحيا يوسف سلمان يوسف المجموعة الشيوعية البَصرية، ووسعها كوسيلة اقليمية للتحرك صوب السلطة على النطاق العربي. وبالمناسبة فإن عملية التعبئة للمضمون الوطني القائم على اساس التحفيز الخارجي للفضاء الإقليمي أضحى بدون جدوى بدون العلاقات الوثيقة للمجموعات التي تتشارك في الرؤى اقليمياً أو تقليدياً، وهي مهمة ينبغي أن تتحقق عبر تأسيس سُلّم مراتب السيطرة والخضوع على مستوى كل البلاد.

في نهاية كانون الأول عام 1942، أصدر الحزب منشوراً تحت عنوان “نداء إلى الشعب العراقي” موقعاً بإسم “اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي”87. والحديث يدور حول الإعلان عن أول وثيقة برنامجية للشيوعيين في تاريخ العراق، التي وصفت الحزب بكونه “الفصيل الطليعي للطبقة العاملة العراقية الفتية… والوطنيين الحقيقيين لبلدهم، والذين يقفون على رأس حركة التحرر الوطني”.

ومن الطبيعي أن ينتهز الشيوعيون الفرصة باعتبارهم موجود سياسي مستقل  ليتطرقوا إلى موضوع الحرب العالمية في هذا المنشور:” يرى الشيوعيون العراقيون في النازية والفاشية خطراً على العراق. هذا الخطر لا يهدد فقط مصادرنا النفطية ولا احتيطي خبزنا واحتياطي التمور وبقية ثروات البلاد. فالفاشية  وتعاليمها وأفعالها تهدد وجود العراق نفسه كدولة وطنية. ويحيط بنا خطر استعبادنا وتحطيم إرادة الشعب العراقي المحب للحرية، الذي لم يضع نصب عينيه مهمة استعباد الشعوب الأخرى ونهبها”. ومن الطبيعي أن إعتبر الشيوعيون أنه من الضروري التأكيد على رؤيتهم في ” الدول الديمقراطية المشاركة في الأمم المتحالفة والذي يقف الاتحاد السوفييتي في طليعتها …بإعتباره افضل ضمانة لتحطيم الفاشية وإلى الأبد، وإزالة المخاطر التي تهدد استقلالنا”. ولكن الشيء الآخر المهم، أن الشيوعيين العراقيين، إذ يعلنون استقلالهم الفكري والتنظيمي، فإنهم يتمسكون بتلك الشعارات التي كانت على الدوام في مركز اهتمام الحلفاء الوطنيين القدامى والوطنيين المحليين وأن:”آمال الشعب العراقي في الوقت الحاضر تتحدد في إمكانية العمل وتوفير مستلزمات العيش، في ظل الدستور وضمان الرفاه الاقتصادي لكل الطبقات وتوفير الحريات الديمقراطية الحقة والإمكانية الفعلية لتوفير التعليم والرعاية الطبية….والمشاركة في التطور الاقتصادي والثقافي للبلاد”. ويختتم البلاغ بالكلمات التالية:” عاش الشعب العراقي الحر”.

 

المصادر

1-كان من أهالي بغداد، وعمل معلماً لمادة الكيمياء في أحدى مدارس العاصمةЛ وبمبادرة منه وصل إلى موسكو في عام 1929. وفي بداية عام 1930 عاد إلى العراق. ولم يعرف السبب في عودته، وحسب رواية بعض رواد الحركة الشيوعية العراقية، إن السبب يعود ربما إلى صلات عبد الحميد الخطيب مع التروتسكيين أو بسبب الوضع المتوتر في القسم العربي من الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق بالارتباد بالنقاشات التي كانت دائرة حول إعلان الكومنترن نهجه تجاه المنظمات الشيوعية في العالم العربيمن ناحية، ومن ناحية أخرى تجاه اليهود أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني، وهو غالباً ما أدى إلى مشاحنات علنية. وكان عبد الحميد الخطيب مشارك فعال في إحداها. قبيل عودته إلى العراق، كم يورد أحد الرواد، زار السفارة البريطانية في موسكو وأصبح “عميلاً” للشرطة العراقية والمخابرات البريطانية. راجع كتاب “الجذور الفكرية الاشتراكية والتقدمية في العراق خلال أعوام 1920-1934” لمؤلفه أ.خ.فياض الصادر في بيروت عام 1980-ص284-288.

وفي تقرير عن نشاطه في العراق قدمه إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن بعد وصوله إلى موسكو، أوضح عبد الحميد الخطيب أن يتلقى التعليم في قسم الفيزياء في كلية بغداد في “الأعظمية”. ويشير التقرير المكتوب بخطه، أن المحاولة الثانية للوصول إلى موسكو كانت موفقة. وكانت المحاولة عبر إيران – الأهواز في عام 1929، حيث قدمت له المساعدة المالية من قبل القنصل السوفييتي. وبعد وصوله إلى طهران تم اعتقاله وقضى شهرين في السجن، ثم نقل إلى العراق.(الحزب الشيوعي العراقي- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي، أف 495.14.د.376.أل.54).

2-مدونات الاسماء أثناء المكوث في موسكو.

3-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

4-نفس المصدر

5-الترجمة الروسية للاسم العربي”زهير”.

6- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

7-هذه المعلومات لا تتنفرد بها روايات الشيوعيين العراقيين، بل وأيضاً روايات الباحثين الروس والسوفيات والأوربيين، مثل مؤلف ج.ج.كوساج “الشيوعيون وقضايا الثورة البرجوازية الديمقراطية في العراق طوال عقد الثلاثينيات والأربعينيات” و “الحركة الوطنية والاجتماعية في الشرق الصادر عام 1986، والمؤلف الفرنسي Luizard P J- Il y avait un pays, arabes. Le Machrek. Revue des mondes musulmans et de la Mediterrane.

8-حول تطوير الوحدات الهيكلية للكومنترن بالارتباط مع صياغة سياسة الشرق أوسطية، لاحظ كتاب المؤلف يوري  بالاشوف ” سياسة الأممية الشيوعية في الشرق الأدنى في أعوام 1920-1939 الصادر في مدينة نيجني نوفوغورد الروسية عام 2002.

9- الريف هم سكان شمال المغرب والذين أعلنت قبائلهم الثورة تحت قيادة الأمير عبد الكريم الخطابي تأسيس جمهورية الريف بعد إلحاق الهزيمة بالقوات المسلحة الفرنسية.

10) توزيع الحصص في القطاع الخاص للجامعة الشيوعية لكادحي الشرق لفترة العام الدراسي 1929/1930 ، الذي صادقت عليه السكرتارية الشرقية للكومنترن في 7 شباط 1929 (ارشيف الدولة الروسي للتاريخ السياسي والإجتماعي، الملف 522 ، الإضبارة 1 ، الوثيقة 71 ، ص 1)، ويشار في نص توزيع الحصص للعام الدراسي 1930/1931 الى إنه سيقبل في الجامعة  أبناء جميع البلدان العربية       ( مشروع توزيع الحصص للقطاع الخاص للعام الدراسي 1930/1931// المصدر السابق ص 23).

11- إن عدد الطلبة العراقيين المتقدمين للدراسة سنوياً في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في موسكوكما قدرها قاسم حسن أحمد الشيخ في عامي 1935-1936 عشرة طلاب.(ناظم – نحن نريد)

12-نفس المصدر

13- أ.ح.فياض ص284

14-أكبر المكونات المسيحية في العراق التي تعود إلى قبل الوجود العربي في العلااق. انظر إلى كتاب “الدين في بلدان غرب آسيا بقلم ج.أ.شباژنيكوف الصادر في عام 1976.

15-في المعلومات حول المندوب إلى المؤتمر السابع للكومنترن بصفة مراقب قاسم حسن أحكد الشيخ. إضافة إلى المعلومات حول مندوبي الجزائر ومصر والعراق وايران وفلسطين وسوريا وتونس وتركيا والفليبين وجنوب افريقيا إلى المؤتمر. أرشين تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

16- السيرة الذاتية لزهير نعيم (قاسم حسن) المترجمة من اللغة الانجليزية في 31 كاون الثاني عام 1941.

17-نفس المصدر

18-في وثائق الكومنترن توجد معلومات متباينة في صحيفة أعمال قاسم حسن أحم الشيخ المشارك في المؤتمر السابع للكومنترنحول اللغات التي يتقنها”العربية والانجليزية وقدر من الفارسية”.

19- في وصفه للأوضاع في العراق في تلك المرحلة يشير الباحث العراقي:” يقال أنه وجد في تلك الأيامجمعية وطنية متينةنيمكن تصنيفها “كعراقية”. الموصل كانت إلى جانب تركيا وبغداد إلى جانب ايران والبصرة في أقصى الجنوب إلى جانب الخليج والهند. وكان يطلق على القاطنين أما بغداديون أو بصريون أو موصليون، والحديث يدور حول حاملي “المواطنة العثمانية” وعن ” المنحدرين من المكون الشيعي” وعن “أبناء القبائل” أو عن “الشيعة الحضريين”. إن الانحدار الديني لا يساعد على شد أواصر المجتمع. وساد في البلاد عداء تقليدي بين سكان المناطق الحضريين  وبين سكان الريف والبدو الرحل والمناطق الذين يشكلون شبكة الحياة اليومية. “فلو نظر البدو الرحل إلى الإدارة والحضر كمستغلين وجامعي الضرائب، فإن الإدارة وسكان المدن من جانبهم يخشون البدو الرحل، ويعتبرونهم فوضويين ولا يحترمون القانون العسكري”. “العراق- نشأت الدولة في أعوام 1908-1921، لمؤلفه ج. العطية الصادر في عام 1988.

20-ارشيف  تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي

21-نفس المصدر

22-نفس  المصدر

23-نفس المصدر

24-نفس المصدر

25-نفس المصدر

26-“الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية من أجل استقلال العراق” لمؤلفه ب.د.و. نظمي الصادر في بيروت عام 1986

27-كما اورد قاسم حسن أحمد الشيخ فإن “أخطر عميل في الحزب هو عبد الحميد الخطيب الذي جاء في السابق إلى موسكو وقُبل في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق ثم فصل منها. وقد عاش في الاتحاد السوفييتي باسم مستعار هو “خالد”. تقارير قاسم حسن أحمد الشيخ عن العراق في عام 1941، ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

28-نفس المصدر

29- الترجمة الروسية لتقرير تحت عنوان” الحزب الشيوعي العراقي”.

30- انظر إلى كتاب أ.ح.فياض

31-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

32- في هذا القسم يستند الكاتب لاحقاً إلى مؤلف زكي خيري الذي أصدره بمناسة الذكرى الخمسينية لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي تحت عنوان “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي” . المجلد الأول. الصادر عام 1984.

33-نفس المصدر

34-نفس المصدر

35-نفس المصدر

36نفس المصدر

37-” في عام 1927، كما كتب المؤلفون في الكتاب المشار إليه، جرت أول محاولة لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. ولكن أصاب الفشل هذه المحاولة، لأن الحلقات الشيوعية الأولى كانت علاقاتها ضعيفة مع الحركة الجماهيرية بشكل عام ، ومع العمال، أيضاً. ولم يكن بين هؤلاء الماركسيين مناضلون محترفون. وبشكل عام فإن غالبيتهم كانوا من الموظفين في أجهزة الدولة من الذين قضوا فترة طويلة من خدمتهم في ظروف البيروقراطية والروتين” نفس المصدر.

38-الحزب الشيوعي العراقي. 26 آب 1930، أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

39-من المناسب التذكير بأن منظمة الشيوعيين السوريين – اللبنانيين قدر برزت كخلية تابعة للحزب الشيوعي الفلسطيني. ج.ج.كوساج “راية حمراء فوق الشرق الأوسط”، الحزب الشيوعي المصري والفلسطيني وسوريا ولبنان في سنوات عقد العشرين والثلاثين.

40-الحزب الشيوعي العراقي.26 آب 1930.

41-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

42- الحركة الوطنية التحررية في العراق.

43-عن هذا الحزب ومؤسسه، راجع أيضاً “الشيوعيون وقضايا الثورة البرجوازية الوطنية في العراق” (أواسد عقد الثلاثينيات والأربغينيات).

44-ينبغي أن لا يفهم حرفياً مضمون المفردات العربية بين قوسين. في فترة تأسيس الحركة الشيوعية في العالم العربي كان مفهوم “التترية” مرادفاً للتطرف والراديكالية واشتق منه مفردة “المتطرفون”.

45-منهج جمعية الاصلاح الوطني والنظام الأساسي .مطبعة الأهالي. بغداد 1936. أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

46-الوضع في العراق بعد انقلاب 29 تشريت الأول عام 1936.

47-أعضاء هذه المحموعة هم يوسف اسماعيل وعاصم فليح ومهدي هاشم ووديع مروكي وصادق سطيفان “طالب في كلية الحقوق” وزكي خيري وموسى حبيب “موظف في الموانئ”وزكريا ألياس وشيمون بشو ونوري أنور روفائيل “طالب في كلية الحقوق” وصحفي غير معروف هو يوسف متي وجرجس يوسف وسليم زكريا “عامل في السكك الحديدية”وموسى سلوى. رسالة إلى معالي رئيس مجلس الأمة المحترم، عريضة المعتقلين الساسيين. استلمن من قبل الكومنترن في 26 أيار عام 1936.

48-من صائموف، نفس المصدر

49-عن هذا “الحزب” الذي تأسس عشية سفره للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق.

50-نفس المصدر

51-يشار في الوثائق المحفوظة في أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي أنه” في عام 1934أعلن قادة الحزب الوطني عن حله. ومن بين الأسباب التي أدت إلى هذا الإجراء) هو تعاظم نفوذ الشعبيين الذين احتلوا مواقع الوطنيين (الحزب الوطني)، مما دعى أبو التمن  إلى الاتحاد مع الشعبيين”(الحركة التحررية الوطنية في العراق.

52- مذكرة ناظم تمينه، عضو وفد الحزب العراقي إلى المؤتمر السابع للكومنترن.

53-بالستناد إلى تقرير أصلي باللغة العربية، يشير عبد الحميد الخطيب:” إنني على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني عبر رفيق في القنصلية السوفييتية في الأهواز”الحزب الشيوعي العراقي.

54-مثلاً:الحزب الشيوعي الفلسطيني في عقود 1920 -1930. السيرة الذاتية لعلي ليبرمان.

55-أ.ح. فياض.

56-كل هذه التقارير محفوظة في أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي ومن ضمنها، الرواسب المعدنية في العراق.

57-ماذا نريد؟

58-خطاب ناظم تمينه ، وفد الحزب العراقي إلى المؤتمر السابع للكومنترن في الأول من آب عام 1935.

59-جواب ناظم فردي في 13 آب 1935.

60-رسالة مرسلة من عاصم فليح عبر سوريا من إلى موسكو في آذار عام 1935، يعلن فيها عن “الإصلاح الوطني”( في وقت تم تداول اتهامات الحادة بين الشيوعيين مثل العدو الطبقي ضد الزعماء الشيعة لانتفاضة الفرات الأوسط الذين “ يوجهون اللعنات دون الاشارة إلى طرق ووسائل “النضال اللاحق( رسالة من العراق استلمها مراد في سوريا  وأرسلت إلى سكرترية الشرق).

61-على سبيل المثال  يشير قاسم حسن أحمد الشيخ في رسالة موجهة إلى سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى نشاط عملاء ألمانيا وايطاليا في العراق في نهاية عقد الثلاثينيات ومحذراً من نتائج ذلك، قائلاً:” إن الألمان يشجعون ويعمقون المشاعر المعادية لبريطانيا في أوساط الرأي العام، ويستغلون ….الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. إننا لو ألقينا نظرة إلى مسألة المال والتجارة، فإننا نرى أن 80% من التجارة الخارجية تقع في يد البرجوازية اليهودية. وإن الكثير من الرأسماليين اليهود الكبار على علاقة بالصهيونية في فلسطين، دون  نسيان أن اليهود من الناحية التريخية هم شعب مضطهد خلال فترات متواصلة ويتمتعون بـ”الحماية” من قبل السياسة الكولونيالية للأمبريالية البريطانية، وإن الدعاية الفاشية الألمانية اكتشفت العديد من الحلقات الضعيفة التي يمكن أن تخترقها وتعمل بفعالية على طريق تشويه الحقائق. وقامت الفاشية الألماني بحريض النخبة الإسلامية والمسيحية من البرجوازية المحلية ضد اليهودمن ناحية، وضد المدافعين عنهم من ناحية أخرى. وتسنى لهم أيضاً دق ناقوس الخطر تجاه الموظفين الذين يعملون في خدمة الربويين اليهود”. زقور- مكائد الفاشية الألمانية في الشرق الأوسط. تشرين الأول عام 1941. ارشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي.

62-في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، استلمت سكرتارية الشرق أكثر من مرة رسائل من العراق تشير إلى أن الحزب الشيوعي السوري لا يقوم بواجبه تجاه الشيوعيين العراقيين. وقد أشار قاسم حسن أحمد الشيخ إلى:” إنعدام أية مساعدة من الحزب الشيوعي السوري، مما يعني أن الرفاق السوريونيتجاهلون واجبهم تجاه الحزب الفتي الذي ينمو في أهم بقعة في العالم العربي . فكيف  يمكن لهذا الحزب أن ينمو إذا كان محروماً من إرشادات القيادة العليا والدعم المادي؟”(كتبت الرسالة باللغة العربية في تقرير عن الوضع في العراق ، وجرى استلامه من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

ويستطر قاسم حسن أحمد الشيخ تقريره في لحن أشد قائلاً:”إننا نطالب بقطع علاقتنا مع السوريين، القصيري النظر، والذين يسعون فقد إلى فرض سلطتهم علينا وبعملون بأساليب من أجل توسيع نفوذهم في الشؤون العربية لكي يوحون لكم بأنهم يقفون على مواقع قوية، ويوحون وكأن الآخرين ضعفاء”(رسالة باللغة العربية مؤرخة في 25 نيسان عام 1935. 

63-السيرة  الذاتية لزهير نعيم(قاسم حسن)، عند  تقدمه تقييماً لانقلاب رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية البريطانية، كتب قاسم حسن أحمد الشيخ ما يلي:”سرعان ما اتخذت هذه الحركة  طابعاً ثورياً واضحاً. وبدأ الشعب بحمل السلاح، وقد  قام الشباب المتحمس بقيادته.واتخذ قراراً بالمقاومة حتى النهاية، وقد جرى التأكيد على أن الاتحاد السوفييتي سيقدم بالتأكيد الدعم ، وإن ألمانيا ما هي إلاّ مستعمر جديد، ولا نريده ولا نريد مساعدته. وفي الثاني والعشرين من أيار  عام 1941، أصدر الحزب الشيوعي بياناً احتوى على تحليل للتوجه الثوري الجديد. وطالب البيان من الحكومة تعيين وزراء جدد ، وتنظيم توزيع المواد الغذائية في بغداد وضواحيها، ووقف الدعاية الفاشية، الهادفة إلى دفع الحركة صوب الحرب الأهلية والعنف ضد الأقليات القومية. وطالب الحزب بالتوجه صوب الاتحاد السوفياتي لطلب المساعدةوعقد معاهدة معه. ودعا البيان كل جماهير الشعب-الطبقة العاملة والفلاحين والطبقة المتوسطة –إلى تنظيم أنفسها لمواجهة الوضع الناشئ كتب باللغة العربية موقعاً من قبل زهير.

64-تقرير باللغة العربيةعن الوضع في العراق، جرى استلامه من اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

65-الحزب الشيوعي العراقي. تقرير الرفيق ناظم.

66- نفس المصدر

67-ف.د.أو.نظمي

68-يستند الكاتب هنا ولاحقاً على المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي.علي الوردي- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. ثورة العشرين. بغداد عام 1978.

69-انتصار جبهة الشعب- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.الجزء الخامس.ثورة العشرين.

70-” كيف دمرت الفاشية الإيطالية والألمانية الديمقراطية في العراق. إحدى جرائم الفاشيست.تشرين الأول عام 1937.

71-الوضع في العراق . مهام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد إنقلاب التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936. بدون توقيع.

72-ممسودة رسالةللحزب الشيوعي العراقي(باللغة العربية)

73-النهوض الثوري ونضال الفلاحين في العراق ، الصار في 15/4/1935.

74-انتصار جبهة الشعب.

75-إن التحلل في صفوف الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وفي بيئة قومية هو نتيجة طبيعية للنهج الذي اتبعه الكومنترن حول تأسيس الجبهة الواسعة المعادية للأمبريالية، كما طبقفي سوريا وفسطين. انظر إلى كتاب”راية حمراء فوق الشرق الأوسط”بقلم ج.ج.كوساج.

76-ترجمة روسية لرسالة من العراق موجهة إلى سليم عبود في السادس عشر من كانون الثاني عام 1938.

77-رسالة سليم عبود ” حول الوضع في الحزب الشيوعي العراقي” موجهة إلى ديميتروف مانويلسكي في العشرين من كانون الثاني عام 1938.

78-مادة باللغة العربية تحت عنوان”تقرير عن الوضع في العراق” وصل إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

79-مقالة بقلم سليم عبود تحت عنوان” الحركة التحررية الوطنية في العراق”عام 1936.

80-ترجمة روسية لرسالة مرسلة من العراق إلى سليم عبود في عام 1938.

81- تقرير عن سكرتارية الشرق بقلم م.م. الجزائري:”فردريك (يوسف) صحفي وعامل سابق حسب قوله، لا يحظى بالثقة..أرسل فردريك من مرفأ بيروت إلى فرنسا لأسباب مجهولة، وزار البلاد مرة ثانية بنجاح”.

82-تقرير حول القضايا التنظيمية. سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في 17 كانون الأول عام 1942.

83-حول الحزب الشيوعي العراقي(تقرير الرفيق زقور نعيم)، وحررت من قبل زقزر كوزلوف.

84-تقرير عن نشاط الحزب الشيوعي العراقي، مصحوب برسالة إلى جبورجي ديمتروف.

85-تقرير حول المشاكل التنظيمية للحزب الشيوعي العراقي.سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان.

86-وفي عدادهم “يوسف سلمان عامل ولاحقاً مثقف، عبد الله مسعود-محامي ومعلم ، داود الصائغ –محامي، عبد تمر – عامل، صفاء مصطفى – موظف ومعلم، وديع طليا- كوظف، نعيم طويق-موظف يعمل فيفي صحيفة، آمينة الرحال- طالبة في كلية الحقوق، حسين محمد الشبيبي – معلم، حسين طه- موظف”،إضافة غلى “نعيم بدوي، سامي نادر،عبد الرحمن عبد القادر( جميعهم معلمين).

87-بيان الحزب الشيوعي العراقي في 28 كانون الأول عام 1942

88-ت.ديميتروف حول وضع الحزب الشيوعي العراقي

 

غلاف الكتاب باللغة الروسية

 

جريجوري كوساج

 جريجوري كوساج في عام 1944 ، وهو مؤرخ سوفييتي وروسي في الشؤون العربية ومختص في الشؤون السياسية العربية المعاصرة، ويتقن اللغة العربية. ويشغل منصب بروفسور قسم التاريخ العربي المعاصر، وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 1990، وأخصائي في معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس تحرير مجلة “أوراسيا”، وهو  مؤلف أكثر 163 من الكتب والمقالات في غالبيتها حول الشؤون السياسية في البلدان العربية.

 

 

الشيوعيون العراقيون في موسكو، هل وجد حزب أصلا؟

 

 

مقر الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق – موسكو، ميدان ستراستنايا

في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات ظهر لأول مرة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق طلبة من العراق. وكان عددهم قليلا ولم يتجاوز أربعة طلاب. ولم يصل هؤلاء الطلاب إلى العاصمة السوفييتية في وقت واحد، بل بطرق مختلفة وبمبادرة من المجاميع الشيوعية الفاعلة في الشرقين الأدنى والأوسط، والحديث يدور هنا بالدرجة الرئيسية من ايران.إن مثل هذه المبادرات لم تأت نتيجة لنشاط هذه المجاميع بقدر ما تعكس اهتمام الكومنترن بالعراق الذي يستند على قدر من الأسس، رغم أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل مبادرات هذه المجاميع. فالعراق كان يعاني من عدم الاستقرار الداخلي أولاً، وثانياً أن حصول العراق على الصفة القانونية كدولة مستقلة سياسياً عام 1932، لم يُغيّر من الواقع الحقيقي، وهو الدور المهيمن لانتداب بريطانيا العظمى على البلاد. إن معارضة شعب البلاد للدولة المنتدِبة قد طرح في البداية على سكرتارية الأممية الشيوعية تحت اسم “ميسوپوتيميا”.

كان أول طالب عراقي في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق هو عبد الحميد الخطيب1 (بالإسم المستعار خالد)2 الذي وصل إلى موسكو في آب عام 1929. أما  الطالب الثاني فهو عاصم فليح الذي ورد اسمه في وثائق الجامعة. وصل عاصم

لفيف من طلبة الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من مختلف الجنسيات في نهاية العشرينيات

 

فليح(بالإسم المستعار صائموف) إلى عاصمة الاتحاد السوفييتي في عام 1931 واستقر فيها، ودرس في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الفترة بين عامي 1934 – 1935. وقد اعتبر عاصم فليح ممثل الشيوعيين العراقيين في المؤتمر

  

1901-1949                                        1910-1970

يوسف سلمان يوسف (فهد)                          قاسم حسن أحمد الشيخ

السابع للأممية الشيوعية مع قاسم حسن أحمد الشيخ4 ( تحت اسماء مستعارة هي مريد، ناظم تمين، زقور نعيم) 5، بالإضافة إلى يوسف سلمان6 (الإسم المستعار هو فردريك، برنارد فريدريك). لقد مكث قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو لمدة سنة واحدة، وغادرها في عام 1936 بعد أن انهى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق وعاد إلى الوطن. ومكث يوسف سلمان في موسكو حتى عام 1937، و أصبح لا حقاً قائداً للحزب الشيوعي العراقي.

ومن اللافت للنظر هو قلة عدد العراقيين في موسكو، أخذا بنظر الاعتبار اهتمام الكومنترن بتشكيل منظمة شيوعية في العراق قادرة على قيادة النشاط في البلاد. وهنا يطرح السؤال التالي. هل أن تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي بدأ بالفعل في عام 1934؟؟ فإذا كان هذا التاريخ صحيحاً، فبأية صفة كان عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح يتلقيان الدراسة قبلئذ في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق؟ هل بصفتهم كشيوعيين أم كمرشحين لتبني العقيدة البلشفية؟7، ولماذا  وجد بعد عام 1934 طالبان عراقيان فقط في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الوقت الذي كانت المنظمة الشيوعية العراقية بحاجة الى أن يتلقى الدراسة فيها عدد اكثر من الحزبيين العراقيين؟

 

 

 

1

الطلبة العراقون في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق: هل يعتبرون أفراد شيوعيين

إن المقبولين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من أي بلد كانوا يعتبرون من انصار الشيوعية نظرياً وعملياً، ويعملون بنشاط في صفوف الفرع المحلي للاممية الشيوعية، وإن الذي يرسل إلى العاصمة السوفييتية بناء على طلب الحزب الشيوعي المعني لا بد وأن يتلقى في المستقبل المعرفة الضرورية النظرية والتطبيقية، ويصبح هؤلاء الطلبة أعضاء في اللجنة المركزية أو في الهيئات القيادية المحلية ( أعضاء في اللجنة المركزية أو في لجان المناطق أو لجان المدن أو اللجان المهنية)8.

كان العراق حالة استثنائية من هذه القاعدة. فظهور طلبة من هذه البلاد في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق كان متأخراً ولم يكن قد خُطط له مسبقاً. إن قيادة الجامعة استطاعت أن تقبل في جامعتها القادمين من “الريف”9 عند اتخاذ قراراتها فيما يتعلق بقبول الطلبة من البلدان العربية، وبذلك فإنها تميز من الناحية الاجتماعية ممثلي الأحزاب (على سبيل المثال إنها أبعدت الفلاحين عن الإنتماء في صفوف الشيوعيين المصريين)؟ وفي معايير القبول، في حين لم توضع أية ملاحظة تخص العراقيين10. بالرغم من أن الشيوعيين العراقيين كانوا يصرون على إرسال طلبتهم إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق11.

يحتوي ارشيف الدولة الخاص بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الروسي، وتحديداً في القسم المتعلق بالعلاقة بين الكومنترن والشيوعيين العراقيين، على بعض وجهات نظر لا يمكن مقارنتها بحجم المعلومات المتعلقة بالاحزاب الشيوعية العاملة في البلدان العربية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. ففي العديد من هذه السجلات المتعلقة بالعراق، لا توجد من الناحية العملية أية قرارات صادرة من الكومنترن أو سكرتارية الشرق  سوى القليل من الرسائل أو التقارير المرسلة من العراق. ولا توجد هذه الوثائق في ملفات مستقلة خاصة بالعراق، بل هي موجودة في ملفات عضو سكرتارية الكومنترن الشيوعي الفرنسي أ. مارتي(تسع وثائق). وإن تم الإعلان رسمياً عن تاريخ تأسيس الحزب، فهل اعترفت الأممية الشيوعية به مباشرة بعد تأسيسه؟ وهل أن الحركة الشيوعية العراقية في الثلاثينيات قد مرت بأحسن فترة من تاريخها؟

من المناسب العودة إلى موضوع الطلبة االعراقيين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق، حيث تطرح العديد من الأسئلة في  تعابير أخرى: ما هي مهنهم وما هو العامل المشترك بينهم؟ أو السؤال عن ما هو العامل الذي أدى إلى تأسيس الحزب في حالة إنتماء مثل هؤلاء الأعضاء إليه؟

إن أعمار هؤلاء الطلاب تدل على أنهم ينتمون إلى جيل واحد. وحسب تأكيدات عبد الحميد الخطيب، فإنه قدم إلى موسكو بعد أن جرى تعيينه معلماً للفيزياء في إحدى المدارس العراقية12. وقبلئذ كان عبد الحميد قد أنهى مدرسة الصنائع العراقية وأرسل إلى البصرة حيث قام بالتدريس في أحدى المدارس المحلية لمدة عام واحد13. ويمكن القول إن عمره لم يتجاوز العشرين عاما. وفي أغلب الظن إنه ولد في الفترة بين عام 1909 وعام 1910. وولد يوسف سلمان في عام 1901 وعاصم فليح في عام 1903 وقاسم حسن في عام 1910. وقد وحدتهم بغداد كمسقط رأسهم. وكان عبد الحميد الخطيب من عائلة ميسورة الحال.

أما عاصم فليح فقد ولد يتيماً من أب معلم، واشتغل في الهند ولم يكمل حتى تعليمه الإبتدائي، حيث لم يجلس على مقعد الدراسة سوى لمدة سنتين ونصف. وترك الدراسة لمساعدة عائلته وأصبح خياطاً واختار مهنة والدته. وسار على هدى الطريق الذي سار عليه يوسف سليمان في طفولته، حيث شارك مسار رفاق دربه في العقيدة. ولد البطل الرسمي اللاحق للحزب الشيوعي العراقي(فهد) في عائلة مارست مهنة الخبازة، إلاّ أنه يختلف عن الشيعي عاصم فليح. فيوسف سلمان ينتمي إلى المكون المسيحي الكلداني15 .ودرس في الفترة التي سبقت عام 1912 في مدرسة مسيحية في بغداد، ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، واجبره أبوه على التوجه إلى البصرة للدراسة في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة.

وأخيراً، نعرج على المنحدِر من  الطائفة السُنّية قاسم حسن أحمد الشيخ. فالشيخ كان ابن جنرال في الجيش العثماتي، ودرس في مدرسة الحقوق التي كان من الممكن أن تفتح أمامه أبواب الرزق ويصبح محامياً في بغداد. إلاّ أنه لم يكمل دراسته في تلك المدرسة15.

عاد قاسم حسن أحمد الشيخ إلى موسكو في عام 1941 بسبب اندلاع الحرب العراقية البريطانية في آيار من نفس العام حيث أعلن عن مشاركته فيها16. وأمل في أن يحصل على اللجوء السياسي، ومن جديد دوّن سيرة حياته. وجاء في مدونة السيرة ما يلي:” إنني ابن ضابط في الجيش التركي، وكان أبي الموظف الوحيد في العائلة التي اشتغل أفرادها كعمال. وكان والدي يشغل رتبة لواء  في  الجبهة الشمالية من العراق في فترة الحرب الأمبريالية الأولى عندما أحتل الجيش البريطاني العراق. وقد وافته المنية في كردستان العراق، وقد دس له السم من قبل عميل بريطاني”. ويستطرد قاسم حسن في تدوين سيرته قائلاً:”وبعد وفاته لم يبق للعائلة أي مصدر للرزق. وانتقلنا إلى بغداد حيث مكثنا فيها ثلاث سنوات في بيت واحد مع أقرباء لنا لحين حصول أخي الأكبر على راتب يسد قوت العائلة. في أعوام 1924-1928، انهيت الدراسة المتوسطة واضطررت إلى العمل كعامل. وقتها كنت أعمل في النهار واستمر في الدراسة المسائية. وبدأت بدراسة التاريخ والعلوم الاجتماعية. وكان تاريخ ثورة اكتوبر الاشتراكية أحد المواضيع التي اوليت له جل اهتمامي في الوقت الذي تصاعدت خلالها موجة الحركة الوطنية الثورية ضد الأمبريالية البريطانية”17.

ومما يثير الإهتمام إن الخيار الشيوعي (أو بالأحرى التطلع الى بلوغ الوضع المأمول كلاجئ) قد ارغم هذا الشخص على تعديل سيرته الذاتية. أنه لأمر سئ كون المسؤولين في الكومنترن ليسوا على معرفة جيدة بالبلاد التي تنشط فيها منظمات لها علاقة بهم. وكيف إستغل عدم المعرفة هذه وجمود تفكير رجال اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الأفكار والممارسات الشيوعية بعد دخول الإتحاد السوفيتي الحرب العالمية الثانية (يكفي ان نشير بهذا الصدد الى التفسير المعادي للإنكليز الذي طرحه قاسم حسن أحمد الشيخ .. في حادثة وفاة والده).

لم يتقن عاصم فليح سوى اللغة العربية، أما يوسف سلمان يوسف، الذي عمل، بعد انهاء الدراسة في المدرسة التبشيرية عام  في البصرة عام 1916، مترجماً في الجيش البريطاني، فقد كان يجيد اللغتين العربية والانجليزية. أما فيما يتعلق بقاسم حسن أحمد الشيخ فإنه كان يتحدث بطلاقه باللغات العربية والتركية والكردية والانجليزية18.وقدم تقريره باللغة الانجليزية، وتدل تواقيعه على إتقانه لغة المتروبول.

وعلى الرغم من التباين في منحدراتهم الاجتماعية ومستوى تعليمهم، إلاّ أن ذلك لا يعني أن الطريق والمصير الذي اختطوه كان متعارضاً. على العكس، فقد واجهت الجميع ظروف مؤثرة من شأنها أن وحدت ابن الجنرال السابق الذي ينحدر من من مجموعة أثنية ودينية غير مرموقة وممثل طبقة متوسطة انحدر بسبب عوامل عائلية نقلته من واقع الصدف إلى مرتبة اجتماعية متدنية.

لم تؤسس الدولة العراقية بفعل عوامل داخلية نابعة من رحم المجتمع، بل نتيجة لتدخل طرف خارجي فرض سياسته في المنطقة بقوة السلاح. هذا الطرف هو بريطانيا، الدولة العظمى في تلك الفترة. فبفضل الجهود التي بذلتها في عام 1920، تم تأسيس المملكة العراقية على جزء من أراضي الامبراطورية العثمانية ( في البداية على شكل انتداب)، واستلم التاج قائد “الثورة العربية الكبرى” الأمير فيصل الذي  أطيح به جرّاء ضربات الجيش الفرنسي ضد ” الدولة العربية” في دمشق.

في فترة تأسيس الدولة العراقية ( في الوقع لقد تأسست لاحقاً لأسباب عديدة)‘ فإن التركيبة المحلية كانت تبدو في الواقع بعيدة كل البعد عن كونها مجتمعا وطنيا 19. وهذا يعني أن العراق يمكن أن يصنف كمجال أرضي يحتاج إلى أن يصبح حقيقة سياسية ترتبط بمُثُل موحدة للمجتمع الوطني. وكان الطريق إلى ذلك شائكاً. وخلال كل الفترة بين الحربين العالميتين عصفت بالبلاد موجة من العصيانات والانتفاضات، إضافة إلى تناقضات بين “الفئات الحاكمة” المدعومة من الخارج، هذه التناقضات التي لم تهدأ بعد إعلان الدولة المستقلة سياسياً. فالمصالح المتعارضة لهذه المجاميع النخبوية الداخلية التي تتمتع بعلاقات معقدة مع ” الفئة الحاكمة” في البلاد، أثارت في المجتمع مواجهات عرقية طائفية تميل إلى الإتفصال ولا نهاية لها، ودموية أحياناً.

لقد أدى إعلان الدولة العراقية إلى تغيير في أولويات االعراقي ومصيره. وتشكل وضعً انطوى على حراك اجتماعي لم يسبق له مثيل، وتدمير المؤسسات الاجتماعية القديمة التي بدت غير قابلة للتغيير. فهل كان من الممكن لإبن جنرال الجيش العثماني، الذي تعرض للهزيمة بين القوى المتصارعة، أي دول المتروبول، أن  يحتفظ بمكانته الاجتماعية السابقة؟ ألا كان من الأفضل أن يستمر، على سبيل المثال قاسم حسن أحمد الشيخلي، بنمط الحياة التي عاشها، قبل الحرب العالمية الأولى، والإنخراط في مهنة والده العسكرية في الجيش العثماني. وهل أنه اختار حقل دراسة الحقوق لأن الخيار الأول بدا وكأنه ضرب من الخيال؟ بالطبع أن الدراسة في مدرسة الحقوق تتطلب موارد مالية، وشكل ذلك العامل الذي أدى إلى عدم قدرة قاسم حسن أحمد الشيخ على الاستمرار بالدراسة. ومن المحتمل أنه لم يكن بمستطاعه توفيرالمبالغ الكافية كي يصبح محامياً.

إن تطور الأحداث اللاحقة في العشرينيات والثلاثينيات أصبحت متوقعة. وعمل الشيخ  “كاتباً في وزارة المعارف” (عندما احتاجت الدولة العراقية إلى المعلمين من أجل تأسيس المعاهد التعليمية). ثم تعرض الشيخ إلى الفصل من الوزارة لاحقاً جراء “نشاطه الشيوعي”20.”، كما جاء في وثائق الكومنترن، علما إن صفحة الأعمال الخاصة بقاسم حسن  أعدت من أجل  حاجة الأمن الداخلي في الكومنترن ، وليس من المجدي فهم أقوال كاتبها حرفياً “، ولم يوضح مكان انتقاله إلى وظيفة محاسب هذه المرة. الحديث يدور عن تدهور لاحق للحالة المعيشية وإنحطاط الوضع الاجتماعي، وكذلك عدم وجود وارد مستقر له. أضطر قاسم حسن أحمد الشيخ جراء فقدان عمله في بغداد إلى الانتقال إلى بعقوبة حيث تولى مهمة تأسيس خلية شيوعية فيها21 ، ثم عاد لاحقاً إلى العاصمة وخاض النشاط السياسي العلني.

في عامي 1934 و 1935 عمل الشيخ في جريدة “الأهالي”22 . وقد أشار إلى تلك الفترة من حياته في مدونته الجديدة التي كتبها في تشرين الثاني من عام 1941 في موسكو:” لقد عدت إلى بغداد حيث كان ينشط تنظيمنا الشيوعي كتفاً لكتف مع العناصر الثورية الأخرى التي أصدرت جريدة “الأهالي”. وقد شاركنا بفعالية في هذه الجريدة ونشرنا على صفحاتها مقالات دافعنا فيها عن مطالب الطبقة العاملة. وأصبحت على رأس تحرير هذه الجريدة، وشرعت في الوقت نفسه بالدراسة في كلية الحقوق التي تولت إعداد المحامين”. ومن جديد صحح قاسم حسن أحمد الشيخ سيرته الذاتية، ويبدو أن سيطرة الكومنترن الشاملة على أقسامه كانت في الواقع ضرباً من الخيال.

ولم يكن مصير عاصم فليح استثنائياً. فقد  احتفظ بمهنته كخياط. ومن يطلع على سيرته الذاتية يجد مشاعر من الاحباط العميق عند هذا الإنسان24. لقد دخل المدرسة قبل رحيل والده. وكان من الممكن أن يستمر في دراسته والحصول على مهنة محترمة كمعلم مدرسة، لولا المصاعب المالية التي أضطرت والده إلى الهجرة، مما أجبر عاصم فليح على ترك مقاعد الدراسة. ويشير في سيرته الذاتية الى أنه كان يأمل في تلقي تعليمه ذاتياً . ولكن هل كان سيؤدي ذلك إلى رفع مكانته الاجتماعية؟ ومن المحتمل أن العديد من الشباب من أقرانه، من الذين الذين يقعون تحت تأثير تقاليد الثقافة الدينية، طمحوا إلى الإرتفاع بمعارفهم بشكل مستقل. ولكن هل تمكنوا من رفع مستواهم المعرفي؟ إن الظروف التي أحاطت بالشباب نتيجة للأوضاع في العراق، ومنهم عاصم فليح، قد وضعت أمامهم إمكانية أخرى، وهي السياسة، التي كانت من الممكن أن تحدد النوعية الشخصية للمنخرطين فيها. والحديث لا يدور حول تقييم تلك الثقافة السياسية التي تقبلها عاصم فليح.

في أعوام 1920– 1923، أصبح عاصم فليح مشاركاً فعالاً في “الخلايا الوطنية”، ولاحقاً عضواً في نادي ” التضامن”. وفي شباط عام 1928، تعرض شيوعي المستقبل إلى القمع بسبب اعتقاله جراء مشاركته في مظاهرة أحتجاجاً على زيارة الفريد موند الداعية الصهيوني البريطاني إلى بغداد بدعوة من صديقه الملك فيصل للترويج لإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولم يمكث فليح في المعتقل لفترة طويلة، فبعد إطلاق سراحه لم يقطع علاقته مع الوطنيين. وشارك في عام 1930 في لجنة وطنية بغدادية وضعت على رأس مهماتها تشكيل حزب وطني.

 أما يوسف سلمان فقد إختار طريقاً آخر؟ فبعد الإنتهاء من دراسته في المدرسة التبشيرية الأمريكية في البصرة خلال الأعوام الممتدة بين 1916 إلى 1919، عمل يوسف سلمان كمترجم في الوحدات العسكرية للمتروبول التي استقرت في العراق بعد الحرب العالمية الأولى25. وليس هناك اية جدوى في المبالغة أو التقليل من شأن هذه الحالة. انتقلت عائلة يوسف سلمان إلى البصرة لتفادي الملاحقة والتصفيات الجسدية للمسيحيين. إن دراسته في المدرسة المسيحية التي كانت خاضعة للتشريعات في البلاد، والتي تعود إلى دولة أجنبية وقفت موقف الحياد في الحرب العالمية الأولى في بدايتها (الولايات المتحدة –ع.ح.)، ضمنت للطالب الأمان. واعتبر دخول القوات البريطانية في نهاية عام 1916 في جنوب عراق المستقبل من قبل المراهق كنهاية للتهديدات بالتصفية الجسدية وضمان أمنه (هذه التهديدات التي ورثها أب عن جد). لقد وفر العمل لدى القوات المسلحة البريطانية في ظل تفكك وإنهيار مؤسسات الدولة العثمانية، الفرصة للتمتع بقدر نسبي من الأمان لكل عائلة يوسف سلمان. وليس من قبيل الصدفة أن يتوجه في أعوام 1920-1924 للعمل “ككاسب صغير” مستغلاً الظروف التي استجدت.

هل كان ذلك بداية لنجاحه؟ ولكن وبسرعة تبين عكس ذلك، لأن يوسف سلمان سرعان ما انخرط في العمل في اجهزة الدولة، واشتغل في البداية كعامل في محطة كهرباء البصرة، ثم في ورشة صناعة الثلج في الناصرية. وانخرط في البصرة في انصار الحركة الوطنية للشباب. فحسب مدونته المحفوظة في ملفات “ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي ” حول سيرته الذاتية، يشار إلى أنه قد نظم “النادي الشبابي المعادي للأمبريالية”، حيث أسس وقاد الفرع المحلي للحزب الوطني العراقي في الناصرية (1930-1934). واحتفظ بوجهات نظره العرقية والدينية. وكانت الحركة الوطنية العراقية بحاجة إلى محيط أوسع من الأنصار، وطرحت شعار “الوحدة الوطنية الشاملة” ودعت إلى تضامن جميع مواطني البلاد بغض النظر عن منحدراتهم الدينية والعرقية، ومن ضمنها الطائفتين الشيعية والسنية والكرد والتركمان والأرمن والآشوريين والكلدان واليهود26.

مر يوسف سلمان في أعوام 1929 -1930 بفترة متميزة حيث زار الدول المجاورة، وصفت بإنها كانت مهمة حزبية. فقد زار كردستان، ولا يعرف هل يدور الحديث هنا عن كردستان العراق، كما زار ايران والكويت وسوريا وفلسطين وشرق الأردن. وهذه المعطيات لا تتعلق بأرشيف الكومنترن، حيث أنه تعرف يوسف سلمان في هذه الزيارات على شيوعيين عرب فلسطينيين، كما تعرف في إيران على ممثلي الدولة السوفييتية.

ولا توجد أية معلوات في أرشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي عن عبد الحميد الخطيب، فالحديث يدور فقط  في هذا الأرشيف عن تمثيله في اجتماع اللجنة التنفيذية للكومنترن في آب عام 1929 حيث قدم تقريراً عن جهوده لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي (ذي طابع سلبي)27، حيث تبلورت حوله وجهة نظر سلبية للغاية من قبل رفاقه 27، مما يؤكد أنه بقي شيوعياً في النهاية حتى حدود عام 1935 كما تؤكد ذلك التقارير المتعلقة بالشيوعية في العراق. وفي التقرير الذي قدمه عبد الحميد الخطيب إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن، أشار إلى موضوعة “وحدة البلدان العربية” التي يمكن  لها ان تعود بالفائدة لدى تحقيقها على “الكادحين المحرومين”، حسب اعتقاده. وفي الواقع، ومن أجل أن تتحقق فكرة الوحدة  العربية بأدواتها الذاتية، بقوة العمال والفلاحين، ينبغي تشكيل منظمة العمل الشيوعي”28.

إن كلا من يوسف سلمان وعبد الحميد الخطيب انضما إلى حلقة للوطنيين الشباب في أثناء مكوثهما في البصرة. ويشير الخطيب في فقرات من تقريره:”يوجد في البصرة نادي الشباب العراقي، وقد استخدمنا هذا النادي وأجرينا انتخابات وانتقلت إلينا قيادة النادي”29. بالطبع، إن تصويره لهذا النادي لا يعني أنه أسس النواة الأصلية للحزب الشيوعي الذي قام بإنشائه. إن عبد الحميد الخطيب ضلل الكومنترن عن وعي. ومع ذلك ، فإن مجرد وجود هذا النادي، الذي يشار إليه عادة في مذكرات المساهمين من شباب البصرة، هوعلى الأرجح حقيقة واقعة30. هذه المذكرات تؤكد مساهمة عبد الحميد الخطيب فيه، بالرغم من عدم مواصلة نشاطه. ومن بين هذه المذكرات يشار إلى أنه قد قدم محاضرة بعنوان :”عاصفة جبارة أطاحت  بالطغاة، نشيد للرب المقدس ولحق البشر  في الحرية”. وفي هذه المحاضرة طرح موضوعة عن ” إن الطريق إلى احياء الوطن يمر عبر الإطاحة بالعروش وتهديم القصور”. إن مثل هذه الإنبعاث يعود إلى ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا التي تحققت بفعل “اشخاص متنورين”. وكل ما يتطلب من أفضل هؤلاء الرجال أن يتابعوا الطريق على هدى أخوانهم الروس المحبين للحرية”.

لقد توحد جميع الطلبة العراقيين الذين التحقوا بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق على طريق التحرك صوب الشيوعية. إنهم على الرغم من خصوصياتهم في كل الحالات الأربع، بقوا متماسكين بمقدار ما كانوا يتجهون صوب طريق يخدم الأفكار الوطنية العربية، والذين عرفوا أنفسهم، أي عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح ويوسف سلمان وقاسم حين أحمد الشيخ على أنهم عرب31.

 

2

الحزب الشيوعي العراقي: نسخة من الرواية الرسمية

أسس مؤرخو الحزب الشيوعي العراقي (ومنهم في الوقت نفسه اعضاء قي  قيادة الحزب الشيوعي العراقي في السبعينيات وفي الثمانينيات من القرن الماضي، من حيث الأعضاء ونفوذ المنظمة السياسية في البلاد، سيرة حياة “منسقة ومنطقية داخلياً ومدعمة بالكثير من النصوص حول نشوء الحزب وتطوره”. وتحدد منطق هذه الرواية المتين اعتمادا على الرؤية الميثودولوجية الوحيدة لأحداث الماضي الخاصة بالحركة الشيوعية في تلك الفترة، بإعتبارها تمثل في سياق هذه الأحداث العلاقة بين الظواهر الخاصة (المرتبطة  بالعوامل الداخلية لتطور البلاد) والظواهر العامة (التي تتسم بطابع متميز في العالم كله). وكان من الطبيعي، أن يشغل مكانة مركزية في سياق هذه الرواية الحادث الذي جرى في روسيا (انقلاب اكتوبر عام 1917)، ومن ثم ظهرر الإتحاد السوفييتي، والذين شكلا العوامل التي غيرت العالم ومنه العراق 32.

لقد تغير العالم بسبب رئيسي هو أن الثورة الروسية وفرت الإمكانية لظهور الحركة الشيوعية. وتبعاً لذلك فإن هذه الظاهرة لم تحدد تطور العالم ككل فحسب، بل وكل بقعة من بقاع العالم. بالطبع أن الحوار الشيوعي العراقي لم يكن بإمكانه أن يعتمد على التأثير الخارجي، وبالتالي حصر تأثير هذا العامل على شرعية وجود الفكرة الشيوعية على الحزب. فالحوار الشيوعي العراق حاول الكشف عن العلاقة الداخلية بين هذا التأثير الخارجي وبين واقعهم العراقي. فليس بمستطاع العامل الخارجي أن يترك أي تأثير على العراق إذا لم تتوفر الأرضية الموضوعية. ومن بينها تبلور حركة التحرر الوطني في العراق وظهور الطبقات الاجتماعية الحديثة، ومن ضمنها وبالدرجة الأولى البروليتاريا كطبقة هي الأكثر استمرارية وقادرة على حل مهمات الثورة المعادية للاستعمار والاقطاع.

غير أن هذه الحالة لم يتاح لها أن تصبح مؤثرة لولا دور “البطل” الذي”اجترح المآثر”. هذا البطل هو يوسف سلمان – فهد الذي قام بالمأثرة ووحد “الحلقات الماركسية” في نهاية آذار عام 1934، وفي عام 1936، أصبح يوسف سلمان أبرز عضو وأكثر الأعضاء فاعلية في قيادة الحزب الفتي، وتم إرساله إلى الدراسة في موسكو وممثلاً عن الحزب الشيوعي العراقي إلى المؤتمر السابع لمؤتمر الكومنترن، الأممية الشيوعية33. إن مؤلفي “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي” الذي صدر عام 1984 وأصبح جزء من الاحتفال باليوبيل الفضي لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، كتبوا التالي:”إن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في بداية عقد الثلاثينيات في بلد متخلف وبطبقة عاملة فتية قليلة العدد والتجربة في تلك السنوات وفي بلد مثل العراق كان ممكناً فقط لأن ما ساعد على هذه العملية هي الظروف الموضوعية- التغيرات على المسرح الدولي، وكذلك سبب ذاتي متمثلاً في قيادة الرفيق فهد”34. إن المنطق الداخلي لهذا الاختراق موجه إلى إحداث حراك مواز بين منظمة الشيوعيين العراقيين وبين الحزب السوفييتي الحاكم: وبروز العقيدة الماركسية خارج حدود روسيا وقيام “الدولة البروليتارية”من جهة، ولينين وفهد من الجهة الأخرى.

وقد استثنت الرواية الشيوعية الرسمية عن سيرة الحزب الشيوعي العراقي أي ذكر للعراقيين كيوسف سلمان من الذين تلقوا الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق. وأضحى الصمت يطغي تقريباً على سماته. حقاً إن أصحاب الرواية الحزبية تحدثوا عن ” الحلقات الماركسية” في بغداد والبصرة والناصرية ولقاء قادتها “وتبادلهم الخبرة” مع يوسف سلمان. لقد كانت هذه الحلقات مستقلة بعضهل عن البعض تنظيمياً ولم تظهر إلى الوجود في آن واحد ، فشخصيات قادتها متنوعة، إذا ما إستخدمنا تعبير مؤلف”طلائع الحركة الشيوعية في العراق”35، ولم تذكر أسمائهم بإستثناء مؤلف واحد هو زكي خيري36 . إن الرواية الرسمية للحزب الشيوعي العراقي تعتبر مهمة من جانب آخر آخر. فلدى الإشارة إلى مرحلة “الحلقات” بصفته بداية تاريخ الحزب الشيوعي، لم تعقد مقارنة مجددا مع سلفه الأقدم تاريخياً وروحياً أي الحزب الاشتراكي- الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل. فعند إستذكار مرحلة “الحلقات” بإعتبارها المقدمة لتأسيس الحزب الشيوعي فلم يجري فقط مقارنة بينه وبين شقيقه الروحي الأكبر الذي سبقه تاريخياً – الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، بل نسب تاريخ التأسيس ، طبعاً ليس الحزب الشيوعي العراقي، بل “الحركة الشيوعية العراقية” إلى زمن أقدم من عام 1934 . 37

لم يتوجه المؤلفون الرسميون للحزب الشيوعي العراقي صوب الوثائق المحفوظة في الأرشيف السوفييتي ( لم يكن هذا الأرشيف متيسرا لاطلاع الباحثين في العهد السوفييتي، وفتح المجال فقط بعد زوال النظام السوفييتي-ع.ح. ). وتكونت لديهم رواية احتوت على اعتراف بأهم الظروف التي حددت تشكيل الحركة الشيوعية العراقية ( إلى تلك الفترة تابعها زملاؤهم السوفييت)، ومصادرهم الوطنية. هذا الاعتراف لا ينطوي بأي حال من الأحوال على التفاصيل ولا يستوعب ضرورة الاستناد إلى ما ورد في الوثائق من معطيات. إن المصادر المحلية عرضت فقط نتاجات طبيعية عن “الروابط الناقصة” مع “الطبقة العاملة” المحلية التي لم تسمح للرواد الشيوعيين الأوائل إدراك أهمية النظرية البلشفية ومبادئ العمل. ولكن أليس من المحتمل أن تكون عملية الوعي قد بدت  أكثر تعقيداً؟ وهل من الممكن أنها تأثرت بعوامل أكثر أهمية من التصميمات المجردة، ومن بينها أنه من الطبيعي أن تحتل “الطبقة العاملة” المكانة الرئيسية؟

 

3

الكومنترن:مصادر معلوماته عن العراق ومحتواها

 

لقد أدرك العاملون في الكومنترن بسرعة شحة معلوماتهم عن الوضع السياسي الداخلي في العراق، ومن ضمنها تطور الحركة الشيوعية المحلية. وهذا لا يعني أن الكومنترن لم يكن لديه معلومات عن الشيوعيين العراقيين. فهذه المعلومات مدرجة  في تقارير وبلاغات ورسائل العراقيين وشيوعيي البلدان العربية المجاورة. وخلاصة القول إنها كانت نصوص مكتوبة، شأنها في ذلك شأن كل المدونات، تعكس وجهات نظر مدونيها، وتصوراتهم الشخصية عن الواقع وأهدافهم وطموحاتهم، وأصبحت بهذا القدر أو ذاك إنعكاس قريب لتطور الأحداث. وإضافة إلى ذلك، إن تجميع هذه النصوص يمكن أن يقربنا من فهم هذه العملية، ولكن على شرط أن يتم وضعها في نص أوسع لتاريخ العراق ونشاط الكومنترن.

في نهاية عام 1930، وصل إلى سكرتارية الشرق للكومنترن أول تقرير عن نشاط المنظمة التي أطلقت على نفسها أسم “الحزب الشيوعي العراقي”، قدمه عبد الحميد الخطيب. وإحتوى التقرير على على ملاحظة من كاتبه بأنه على صلة مباشرة مع الشيوعيين العراقيين. وكتب على الأقل أنه:”بعد فترة طويلة من العمل( في تأسيس منظمة الشيوعيين العراقيين- ج.ج.ك)، قرر الحزب في طهران في بداية عام 1929 إرساله لتلقي الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق38.

ويستطرد عبد الحميد الخطيب في تقريره أنه يوجد هناك في العراق”حزب شيوعي قوي ونقابتين عماليتين”- إتحاد المهنيين واتحاد عمال الطباعة. ويشير كاتب التقرير بصراحة أن كلتا النقابتين قد تم تأسيسهما من قبل الشيوعيين وتحت قيادتهم. ويعلن مقدم التقرير المرسل إلى الكومنترن إن رفاقه يخططون لتأسيس ” اتحاد للعمال” من شأنه أن يقود كل المنظمات العمالية العراقية تحت القيادة التامة للحزب”. والحديث هنا يدور حول اتحاد نقابي قوي،اقنع عندها عبد الحميد الخطيب الكومنترن، بأن الهدف قابل للتحقيق، وإنه ستصدر في البلاد صحيفتان “تخدمان الحزب”. 

وأشير في تقريره إلى أن الشيوعيون ينشطون في البصرة وضواحيها، وفي الناصرية وسوق الشيوخ والمنتفك والعمارة والنجف وكربلاء والرمادي وفي بغداد وضواحيها، ومن ضمنها الكاظمية والأعظمية، وفي الموصل وكركوك. ويقود هؤلاء الشيوعيين أربعة مراكز في البصرة والناصرية والحلة وبغداد. ويفهم من كلامه أن هذه اللجان الحزبية هي أشبه باللجان المنطقية (أو أنها تشمل عدداً من المناطق). وأنشأ الحزب لجاناً في المدن، وخاصة في بغداد والبصرة. كما يؤكد عبد الحميد الخطيب إن ” الأوضاع لم تسمح لنا بإنتخاب لجنة مركزية، لأن أعضاء الحزب موزعون في شتى أنحاء العراق، وإن الأعضاء على إرتباط بعملهم المهني”، بالرغم من أن سكرتاريي جميع هذه اللجان على صلة بكاتب التقرير (مؤسس وقائد الحزب)، إلاّ أنه على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني.

إن كاتب التقرير يطمح بالطبع إلى تكوين إنطباع من هذا التقرير بأن الحزب الشيوعي العراقي- حزب كبير وتنتشر منظماته في سائر أنحاء البلاد. ولكن توزيع الخلايا ، إذا ما وجدت، فقد إقتصرت بالأساس على المناطق الشيعية من البلاد. إن الخضوع التنظيمي لقائدهم ( إن كان عبد الحميد الخطيب هو القائد فعلياً) والتوزع الهيكلي للشيوعيين العراقيين ( الذين قرروا إرسال الخطيب إلى الدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق)، فرض عليه أن يؤكد أن الحزب الشيوعي العراقي قد تأسس( حسب التقرير في عام 1926) كفصيل لا يتجزأ عن التنظيم الشيوعي في الدول المجاورة39.

ويشير التقرير إلى الاتجاهات الرئيسية في نشاط الشيوعيين غي العراق.

من الطبيعي إن أهم ما قاموا به هو النشاط في الأوساط العمالية40، وهو أمر مفهوم وواضح، بقدر ما تتطلبه المبادئ الشيوعية ومواقف الكومنترن. ومن المنطقي أن يكون الاتجاه الآخر هو إقامة الصلة مع الفلاحين كما أشير في تقريره وخاصة في “المناطق الجنوبية من الفرات ومع مركز البصرة”، واستنهاض الفلاحين للنضال ضد الاقطاعيين ( وهذه هي أحد مطاليب الكومنترن)، وهذا ما تطلب شن دعاية لأفكار هذا النضال في مناطقهم. وكما أوضح كاتب التقرير إلى اللجنة التنفيذية للكومننترن:” ومن أجل الدعاية، فإننا استخدمنا مجاميع الفنانين وزيارة بعض القرى في أثناء راحة الفلاحين”، والقيام بالدعاية لأفكر النضال في هذا الوسط. ” ومن أجل الدعاية، كما يشير كاتب التقرير إلى اللججنة التنفيذية للكومنترن، فإننا نستخدم مجموعة من الفنانين ونزور بعض القرى في أوقات العطل”.أما التجاه الثالث فكان نشر المقالات في الصحافة  المهمة الصادرة في البلاد، وكما يشير عبد الحميد الخطيب، “فإن مساعد منظمة جنوب الفرات أخذ على عاتقه العمل في الصحافة، وهو الآن يشغل مراسلاً لأهم الصحف العراقية”. ويدورالحديث في التقرير أيضاً عن تشكيل منظمات اجتماعية ونوادي بقيادة الشيوعيين مثل “نادي الشباب العراقي” الذي أشرنا إليه آنفاً. وإلى جانب ذلك، وجدت في البصرة “جمعية البحوث العلمية” التي شارك في نشاطها الشيوعيون الذين استطاعوا أن ينظموا “النقاشات حول الشيوعية والحركة العمالية العالمية”. وأخيراً النشاطات الجماهيرية:” المظاهرات ضد الصهيونية في بغداد في أثناء المواجهات الدامية في فلسطين بين العرب واليهود. وقد قاد الحزب هذه المظاهرات.

في التقرير الذي استندنا إليه، تعمد كاتب التقرير المبالغة في إمكانيات ودرجة نفوذ المنظمة  التي أدى نشاطها ، حسب رأيه، إلى تغيير جذري في الوعي في البلاد:” فالأغلبية الكبيرة من المثقفين، وقبل تشكيل الحزب، كانت تعتقد أن الشيوعية هي مرادفة للفوضى والخراب وإباحة النساء ، وإن السلطة السوفيتيية هي مصدر كل هذه الفوضى، ولذا ينبغي الإطاحة بها. ولكن بعد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، خاض عملاً واسعاً من أجل إيضاح الحقيقة”. وكان من نتيجة هذا النشاط أن تغير موقف العراقيين تجاه الشيوعية وتجاه السلطة السوفيتية:”والآن هناك فرق كبير في أذهان الرأي العام بين عام 1926 وعام 1930 تجاه الشيوعية وروسيا السوفييتية. وإذا ما نظر آنذاك إلى الشيوعية كفوضى، فالآن أصبحت المثل الوحيد والواقعي للطبقة العاملة”. وكسب الحزب:”التعاطف في المجتمع لصالح الاتحاد السوفييتي”.

لماذا اختار مدون تقرير الكومنترن اللجوء إلى هذه المبالغة؟ إن الجواب على السؤال موجود في متن التقرير نفسه. فعبد الحميد الخطيب يؤكد أن ماجاء في تقريره:هو أن “هناك حزب شيوعي فعال ومتطور في العراق ونقابات متنوعة، ولكن مازال حزبنا غير قانوني وغير معترف به رسمياً. وكذا الحال بالنسبة للنقابات العمالية فهي غير المنضمة إلى النقابات الأممية الحمراء، وهي تحتاج إلى قيادة جيدة. ولذا يقترح:1) إرسال رفيق أو أكثر إلى العراق لتنظيم الحزب والنقابات العمالية؛2) دعوة عدد من الرفاق العراقية للدراسة؛3) الاعتراف بالحزب”. وبعبارة أخرى فإن كاتب التقرير بالغ في إمكانيات منظمته، وسعى إلى أن يجري الأعتراف بالحزب كعضو مستقل في الكومنترن، ويتطور معه العاملون تحت قيادة النقابات الأممية الحمراء عبر علاقات مباشرة. وحتى لو برزت المنظمة الشيوعية للشيوعيين العراقيين إلى الوجود نتيجة نشاط أقرانهم في العقيدة من الأجانب، فإنها طمحت إلى الخروج من وصايتهم. وهذا يعني أمراً واحداً لا غير وهو أن: قادة المنظمة تعتبر أن العراق ، الذي أصبح واقعاً سياسياً فهو بهذا القدر يسعى إلى أن يصبح أرض طبيعية لنشاط الشيوعيين المحليين. وبفعل هذا الوضع فإن أغلبية أعضاء الحزب ( وفي المقدمة منهم الشيعة) راحوا يدركون من جديد أهمية ظهور الدولة العراقية كدولة عربية. ومن هنا أيضاً برز موقفهم الحاد تجاه الصهيونية والسعي إلى الخروج من دائرة الجنوب الشيعي وتحويل الحزب إلى منظمة تضم جميع ألوان الطيف العراقي.

لقد شكل تقرير عبد الحميد الخطيب بالنسبة إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن  أساس كاف للتحليل الدقيق للمشكلة. وجاء في قرار الكومنترن العبارة التالية:” يرسل ويوضع تحت تصرف مارتي”(المقصود المندوب الفرنسي المسؤول عن قسم الشرق)ع.ح.

ولكن لم تبادر اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى إقامة صلات مع الشيوعيين العراقيين إلاَ بعد ثلاث سنوات، و إرتفع صداهم.

في أيلول عام 1933، وبمبادرة من مارتي، اتخذت اللجنة التنفيذية للكومنترن قراراً حمل عنوان”مقترحات حول العمل في العراق”. وفي الوقت نفسه تم إرسال عبد الحميد الخطيب إلى الوطن، وذُكر في القرار أسم مستعار هو “حلوان” كقائد فعلي لأنصار الكومنترن المحليين. كما أشير في القرار أيضاً إلى عاصم فليح الذي اقترح عليه على الفور أن يتوجه إلى العراق لصالح تعزيز نشاط الشيوعين. وأخيراً، ومن أجل حل هذه المشكلة، اعتبرت اللجنة التنفيذية للكومنترن أنه من الضروري أن يرسل إلى العراق واحد أو اثنين من الشيوعيين السوريين (عبر الموصل) من أجل ترتيب أمور الشيوعيين المحليين و”تكليف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الإسراع بتنفيذ مهمة إرسال ثلاثة طلبة عراقيين للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق”. وفي هذا السياق، فإن أحد مهمات الشيوعيين الفرنسيين هي ” إقامة الصلة مع الطلبة العراقيين الذين يتلقون الدراسة في باريس، وعلى الشاكلة نفسها يتولى الشيوعيون الأنجليز “تشكيل مجاميع معادية للأمبريالية” بين الطلبة العراقيين الذين يتلقون التعليم في لندن”.

وكما تشير الوثيقة، فإن قرار اللجنة التنفيذية للكومنترن لم يتضمن طرح مسألة الاعتراف الرسمي بالتنظيم الشيوعي العراقي ( إذ برزت شكوك وحذر حول واقعية وجود هذا التنظيم في العراق)، ولم تضع اللجنة الشيوعيين المحليين تحت رعاية الحزب الشيوعي السوري، ولكنه في الوقت نفسه كلف هذا الحزب القيام بدور فعال في الحلقة المركزية للحركة الشيوعية في كل البلدان العربية. وهكذا فإن مصدر كل المعلومات التي ترد إلى الكومنترن حول الشيوعيين العراقيين كانت تأتي من التركيب التنظيمي “الشقيق” أو المعلومات الواردة من العراق بشكل مباشر، ولكنها خاضعة لرقابة هذا التركيب بصورة مشددة.

محمود الأطرش( محمود الجزائري) (1903-1981)

علماً إن أمكانية للرقابة على المعلومات بالدرجة الأولى، تحددت بأنه تم في عام 1935 اختيار ممثل الحزب الشيوعي السوري م.م. الجزائري (محمود الأطرش- ع.ح.) عضواً في القسم الشرقي اللجنة التنفيذية للكومنترن.

بماذا تم إبلاغ اللجنة التنفيذية للكومنترن بعد عام 1933؟

يبدو أنه قد وردت إلى موسكو من دمشق في عام 1934 وثيقة باللغة العربية (دون ذكر التاريخ التقريبي ) بإسم ” حركة التحرر الوطني في العراق”( في الحقيقة كانت تسمى ( لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار- ع.ح.) 42، كما تؤكد الوثائق الرسمية للحزب الشيوعي العراقي. وأشير لأول مرة في هذه الوثيقة عن الرابطة العضوية بين الشيوعيين والوطنيين العراقيين، الذي يمثلهم قبل كل شيء في جنوب العراق الحزب الوطني  بزعامة جعفر أبو التمن43. إن فكرة هذه الرابطة قد جرى الإشارة إليها في أكثر من وثيقة في عام 1927، حيث أسست مجموعة

من الشباب يبلغ عددهم ثلاثة عشر شاباً من أعضاء الحزب الوطني، النادي الثقافي في البصرة . وضم هذا النادي أعضاء من الموظفين والطلاب والمعلمين. وضم مؤسسي هذا النادي عدد من الشباب من ذوي النزعات الراديكالية (شباب المعرفين)44. وفي عام 1929 أصبحوا من أنصار جعفر أبو التمن، والذين بادروا في البصرة إلى تأسيس أول خلية شيوعية، ولحقتها خلية ثانية في الناصرية. وتضمن البرناج الحافل الدعوة إلى إستقلال العراق ووحدة البلدان العربية والنضال ضد الأثرياء والاقطاعيين، بإعتبار هذه الفئة من عملاء الأمبرياليين

 

جعفر ابو التمن

1881-1945

الانجايز، ونشر العلمانية بإعتبارها ملاذأ للمساواة بين جميع الطوائف الدينية والنضال ضد التطرف الديني وإزاحة المستشارين الانجليز من أجهزة الدولة وتنظيم العمال والنشاط في صفوف الفلاحين ورفع مستواهم التعليمي. ولم تطمح هذه الشبيبة الراديكالية إلى القطيعة التامة مع الحزب الوطني، واعتبرت أنه من الضروري ” دفعه إلى تشكيل منظمة لكل الفئات الشعبية في الحملة المناهضة للأمبريالية”. ويضاف إلى ذلك، فإن الشيوعيون ساعدوا على “تأسيس فروع لهم في البصرة والناصرية”.

وفي الوثيقة المذكورة أعلاه يشار إلى أنه فقط” في عام 1934، وبمساعدة الرفاق السوريين”بدأت في صفوف الشيوعيين العراقيين عملية “التمركز”. وبفضل الشيوعيين السوريين جرت المبادرة إلى تأسيس ” نقابات سرية في الموصل وخانقين”، و” تعزز أيضاً الاهتمام بالفلاحين والقبائل البدوية، عندما شارك الشيوعيون بنشاط في انتفاضة العشائر في الهندية في الفرات الأوسط، وانتشرت بين المنتفضين البيانات والنشرات كدعاية تحريرية”. وأخيراً، جرى التأكيد في الوثيقة على حادثة جرت في عام 1934 حيث أصطدم انصار الكومنترن مع “تيار برز في صفوفهم من الشعبيين” من الذين وقفوا ضد التحول إلى الشيوعية”.

وهناك الكثير من الموضوعات المهمة في هذه الوثيقة، خاصة الإشارة إلى مصادر الشيوعية في البصرة ذات الأغلبية الشيعية- كالحزب الوطني العراقي بزعامة القيادي السياسي الشيعي، إضافة إلى الإشارة حول الدور المهم لرفاقهم السوريين قي توحيد المجاميع التي تكونت في الجنوب مع تلك المجاميع من أنصار الأفكار الشيوعية التي تأسست في بقاع أخرى من البلاد. وهنا فإن الإشارة إلى “الشعبيين” ترتدي أهمية مبدأية.

لقد تردد ذكر هذا المصطلح في قاموس الكومنترن في فترة النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، وفي أحاديث شيوعيي الشرق الأوسط ومن ضمنهم الشيوعيين العراقيين. وهي تعني بالنسبة لهم مجموعة سياسية بارزة في العراق في تلك الفترة وتدعى “جمعية الإصلاح الشعبي”، ومقرها في بغداد ويترأسها كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل. وقد أشير إليها في تقرير عبد الحميد الخطيب،

  

                             كامل الجادرجي                             عبد القادر اسماعيل       

 والتي أصدرت صحيفة “الأهالي”. وعبرت عن عقيدتها السياسية في برنامجها المنشور عام 1936 الذي أكد على ضرورة إجراء”إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي في المجتمع لصالح جميع أفراد الشعب العراقي وتطوره والقضاء على الاستغلال”45.

وقد فصّل البرنامج هذه الموضوعات العامة وتناول السياسة الخارجية وأكد على أهمية “تقارب البلدان العربية (ام التقارب)”، “وتعزيز عرى الصداقة بين العراق وجيرانه”. وفي الميدان الداخلي، أكدت الوثيقة على “تقوية الجيش”، “وتوفير الظروف لنشر حرية الرأي والديمقراطية”، “ورفع المستوى المعيشي للشعب عن طريق توفير كل النعم المادية والروحية”. وتطرق البرنامج إلى تطوير “التعاونيات الفلاحية”، مؤكداً على أهمية تصفية الأمية وبناء المؤسسات الصحية وتشريع قوانين العمال، ومن ضمنها حرية تأسيس المنظمات العمالية، وكذلك تحرير المرأة. وإعتبر الكومنترن المنظمات المشابهة لهذه الجمعية كحركات وطنية ديمقراطية، ينبغي على الشيوعيين إقامة علاقة وثيقة معها ( على الأقل في بداية وأواسط عقد الثلاثينيات) تحت الشعار الذي راج في بلدان الشرق حول ” تأسيس الجبهة الموحدة المناهضة للأمبريالية”.

وعلى الفور أغرى ذلك الشعار أنصار الكومنترن من العراقيين  الطامحين وطالبوا “بتحويل الشعبيين إلى الشيوعيين” بإعتباره أمراً يتجاهل ( أو على الأقل لا يفهم) تكتيك هذه الجبهة. زد على ذلك، فإن هذا الإغراء قد تعزز لأن الكومنترن قد سبق وأن طلب من أنصاره في بلدان الشرق إلى تحويل ” التنظيمات الوطنية الديمقراطية” المحلية في مجال نشاطها، عن طريق احداث انشقاق في هذه التنظيمات كي يتم انتقال ” العناصر الأكثر ثباتاً” في صفوفها إلى مواقع الشيوعية. لقد وجد هذا المنحى فهماً دائماً في صفوف جميع شيوعيي الشرق. ولكن، كما يبدو فالحديث لا يدور فقط عن نهج تذبذب الكومنترن، بقدر ما يدور حول ظروف تأسيس الحركة الشيوعية العراقية التي تحددت بدورها بعوامل تأسيس الدولة العراقية. ومن المناسب هنا التوقف عند بعض الوثائق المتعلقة بالحزب الشيوعي العراقي.

في كانون الأول علم 1936 تلقت سكرتارية الشرق التابعة للكومنترن ” ومن جديد عير سوريا” وثيقة غير موقعة تحت عنوان ” الوضع في العراق ومهمات الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب التاسع والعشرين من نشرين الأول عام 1936″. واحتوت الوثيقة على سمات المنظمات والأحزاب السياسية المحلية، ومن ضمنها الحزب الوطني وجمعية الاصلاح الشعبي. وجاء في الوثيقة :”إلى جانب الحزب الوطني، توجد في البلاد مجموعة تلتف حول جريدة ” الأهالي” اليسارية وهي حلقات الشعبيين. و برز الحزب الشيوعي العراقي في عام  1934 من وسط الشعبيين بالدرجة الأولى”46. وهكذا فإن المصدر الثاني لتأسيس الحركة الشيوعية العراقية – هم الشعبيون (وهذا هو الترابط العضوي مع الحركة الوطنية). ويبدو أنه من الممكن استعادة قائمة بأسماء 15 عضواً من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي من الذين انشقوا عن الشعبيين. وهم أعضاء المجموعة الشيوعية البغدادية من ناشطي جمعية الإصلاح الشعبي ومن بينهم عاصم فليح ، الذي أصبح سكرتيراً لهذا “الحزب” بعد عودته من موسكو، وقاسم حسن أحمد الشيخ ممثله في الكومنترن عام 1935. 

في الرسالة التي أرسلها قاسم فليح باللغة الروسية وحملها قاسم حسن أحمد الشيخ في أول زيارة له للعاصمة السوفييتية، أعلن فيها:”أننا على إدراك بجذرية وعدمية ميولنا” 48. وبعبارة أخرى، فإن وجهات نظر الشيوعيين البغداديين تتميز مبدئياً عن أقرانهم في البصرة. ويشير الكاتب إلى أن ” السبب الرئيسي ..هو قلة أعضاء المجموعة” و ” عدم حيازتهم للمهارة التنظيمية الشيوعية” معلناً للجنة التنفيذية للكومنترن عن ” أن تنظيم الحزب الشيوعي قد بدأ في عام 1924″، هذا التنظيم الذي لم يستطع الوقوف على قدميه أكثر من سنة جراء عدم فاعليته، أجبر عاصم فليح على التوجه إلى العاصمة السوفييتية من أجل “تلقي الدراسة”. وكان منظم هذه الرحلة (كما تنص عليها الرسالة) الشيوعي السوري اللبناني ف.شميل.

لقد قدّم عاصم فليح في رسالته جواباً عن ذلك اتخذ شكل العلاقة بين المجموعتين الشيوعيتين في بغداد والبصرة. وكان الجواب مبطناً ويمكن أن ندرك فحواه من ثنايا السطور. فقد أعلن عاصم فليح:” إنما تسألون عن الحزب العراقي ولماذا لم أنخرط فيه؟ السبب هو وجود بعض الجنون فيه”. ويتابع الحديث:”بعد مضي بعض الوقت إلتقى الرفيق خالد ( عبد الحميد الخطيب) مع السفير السوفييتي في بلاد فارس واستلم قدراً من المال لشراء سيارة وكثير من التوجيهات. ولكن لم يشتروا السيارة ووزعوا الأموال بينهم. وعندما رأى الرفيق خالد ذلك، أخذ 150 ين من إجوره وغادر…وكان من بيهم شخص يدعى محمد عبد الحسين. ولقد قرأت بعدئذ مقالته في صحيفة “العراق” حيث هاجم الشيوعية والشيوعيين العرب والشيوعيين العراقيين بوجه خاص”50.

ومن المناسب الاستناد إلى وثيقة أخرى. وهي ” أوراق من الذاكرة” كتبها قاسم حسن أحمد الشيخ عندما شارك في أعمال المؤتمر السابع للكومنترن، وكان من المنتظر أن ينظر فيها من قبل السكرتارية الشرقية للجنة التنفيذية للكومنترن.  ويشير في مدونته أنه في عامي 1928-1929 تأسست في العراق “منظمتين شيوعيتين”،اللتان لم تتوحدا إلاّ في عامي 1933-1934 في حزب شيوعي”،

المؤتمر السابع للكومنترن – موسكو

حزيران- آب 1935

 (كان من المناسب أن يضيف أن ذلك أنه حدث بعد أن شارك أبو التمن في جمعية الإصلاح الشعبي51). إن هذا التنظيم تأسس من قبل الأعضاء الذين عملوا خلال فترة طويلة في جريدة “الأهالي”، ومن خلالها أطلعوا الرأي العام على ما يجري في الاتحاد السوفييتي. ولهذا أسسوا بيسر جبهه متحدة مع الثوريين الوطنيين ومع المجاميع الوطنية تحت شعار”حرية الوطن”، و”الانتخاب المباشر على أساس الحق الانتخابي العام”، و”حرية الاجتماعات والصحافة والتنظيم”. وأحتوت ورقة قاسم حسن أحمد الشيخ على عدد من المطالب ومنها “تخصيص ميزانية للشيوعيين في العراق بمقدار 3000 فرانك فرنسي من أجل إصدار صحيفة علنية ومساعدة تنظيم الحزب ألخ”52.

إن صورة كلتا المجموعتين الشيوعيتين تنطوي على تفاصيل جوهرية. والحديث لا يدور حول السمات الشخصية لعاصم فليح وقاسم حسن أحمد الشيخ في استخدام الصحافة الرسمية من أجل تبادل الهجمات ومن ضمنها عن العلاقات المختلفة للمراكز الشيوعية العراقية. ففي حالة المجموعة البغدادية فقد كانت على صلة بالحزب الشيوعي السوري، الذي يرعى هذه المجموعة ويمدها بالوسائل التي تقدمها السكرتارية الشرقية من خلال وجود م.م. الجزائري في عضويتها، كما هو الحال في تسهيل سفر قاسم حسن أحمد الشيخ إلى موسكو، أما بالنسبة إلى المجموعة البصرية فإنها على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني الذي يعمل مع مصدر الصلة – ممثلوا المؤسسات السوفييتية في الخارج.

إن الكومنترن الذي كان يتولى معالجة القضايا المتعلقة بتوسيع النفوذ السوفييتي، والاستخبارات الخارجية التي تتولى مهام أمن الإتحاد السوفييتي، كانتا مؤسستان تتعاونان وفي الوقت نفسه تتنافسان؟ حقاً أن واقع وجود تنظيمات مختلفة من الشيوعيين العراقيين ليس الواقع الوحيد، بل أكد الوضع العام “للتعاون مع المنافسة”54 . المنافسة نعم، ومن الطبيعي في حالة عدم وجود وجهات متقاربة بين الشيوعيين العراقيين، فلا يوجد موقف واحد يدعم الموقف بين “المتنافسين”. لم يكن عيد الحميد الخطيب العضو الوحيد في المجموعة البصرية، الذي أقام صلة مع المؤسسة السوفييتية في إيران. فقد أقام هذه الصلة أيضاً يوسف سلمان55. وفي حالات الضرورة فمن الممكن أن يتوجه أعضاء المجموعة الشيوعية البغدادية إلى نفس المؤسسة. لقد حاول قاسم حسن أحمد الشيخ أن يغادر العراق متوجهاً إلى موسكو عبر ايران في عام 1941. ولهذا احتاج إلى توصيات إيجابية من قبل موظفي السفارة السوفييتية في طهران، وهو اجراء طبيعي بالنسبة له، خاصة في ظل  الحرب العراقية البريطانية، ووجود القواعد العسكرية البريطانية على الأراضي العراقية56.

وبالرغم من اهمية هذه التفاصيل، إلاّ أنه يوجد ما هو أكثر أهمية هو “تبرعم” الشيوعيين من المجموعتين البغدادية والبصرية من الحزب الوطني وجمعية الإصلاح الشعبي.

 

4

الشيوعيون العراقيون: محاولات تأسيس الحزب

في آذار عام 1935 أكد أعضاء المنظمة العراقية الموحدة للشيوعيين في منشور حمل عنوان “ماذا نريد” موجهة إلى الانتفاضة الفلاحية في سوق الشيوخ في الفرات الأوسط على مايلي:”إن ثورتكم هي ثورة حقيقية، تغلي لسنوات طوال في قلوبكم. إنها إندلعت ليست استحابة لجشع الهاشمي والمدفعي والأيوبي والعسكري. أنهم لم يستلموا السلطة من أجل إحداث تغيير في حياة الملايين من الكادحين، بل بالعكس، فإن كل واحد منهم قي أدلى بدلوه في تكبيلنا بقيود العبودية، باتفاقيات وملحقات لهذه الاتفاقيات على شاكلة اتفاقيات النفط57. إن الأسماء المشار إليها لم تبق على أي شك: والحديث يدور حول أناس شرعوا منذ 16 سنة ولحد الآن بالإتفاف حول الأمير فيصل ورفعوا شعار “الثورة العربية الكبرى”.

لم رغب الشيوعيون العراقيون لشكل قاطع الاعتراف بالسيادة لوطنهم. ففي خطاب لقاسم حسن أحمد الشيخ في جلسة المؤتمر السابع للكمونترن أكد:” إن الامبريالية البريطانية انتقلت من إدارة الانتداب المباشر في إتفاقية عام 1930. ولكن هذه الاتفاقية… كرست وأضفت طابع خلود للإدارة الانجليزية على العراق كمستعمرة لبريطانيا العظمى”58. وطرح بلغة أشد حدة مسألة استمرار الاحتلال الاستعماري للعراق خلال النقاش حول تقريره.:” ليس من الصحيح القول أن الجماهير الشعبية في العراق تقع تحت طائل إدارة الحكومة الوطنية، إنها تعاني من النير المباشر للأمبريالية البريطانية….إن العراق مستعمرة للأمبريالية البريطانية، والجماهير الشعبية تأن تحت أفواه السلاح الانجليزي….وفيصل يمثل تحالف الإقطاعيين والكومبرادور…وتوجد في العراق حركة تحررية وطنية جبارة، ويعتبر الحزب الشيوعي العراقي أن من واجبه تنظيم هذا الحزب تحت قيادة الكومنترن على أساس الدور الطليعي للطبقة العاملة59.

إن أي حديث ( ولا يستثنى الحزب الشيوعي عن ذلك) يحتاج إلى تحليل محتواه، الذي يتستر بالكلام الخاص المستخدم. والمهم ليس ظاهره الخداع (مثل، العناصر الايقونية لهذا الحديث-كـ”هيمنة الطبقة العاملة” و “النير الأمبريالي” وما شابه ذلك). ما هو جوهري شيء آخر: تطور العملية السياسية، وممثليها وتقييمها والمشاركين فيها بهذا الشكل أو ذاك. ويستحق إلقاء نظرة على فقرات من الوثيقة المنشورة أعلاه لتبيان وجهة النظر هذه.

إن من كان يعتبر نفسه شيوعياً في العراق في عقد الثلاثينيات، كان من المشاركين في العملية السياسية المحلية، التي تتحدد مهمتها الأساسية في تعبئة الجهود لإضفاء طابع وطني على الدولة التي أنشأت من قبل قوة خارجية. فهذه القوة الخارجية هي التي كرست كل نواقص وعيوب وأمراض هذه العملية – كالمناطقية المعبرعنها أيضاً في نزعة صريحة معادية للشيعة60، (إذا كان الأمر يتناول المجموعة الشيوعية البغدادية) أو المفردات المعادية للسامية61 ، و التقليل من أهمية احراز استقلال الدولة أو الميل للحصول على وصاية القوى الخارجية (حتى “الأخوية” منها حتى ولو كان الحزب الشيوعي السوري “الشقيق”62. وفي الوقت الذي يجري التمسك بالبطولة ظاهرياً بشعار تحقيق المبادئ البلشفية (بإعتبارها الأداة لمواجهة بريطانيا العظمى)، ولكن كان عليهم تعبئة كل جهودهم لتحقيق “المصالح العليا” للحركة “من أجل التحرر الوطني”، وليس دعم تلك القوى السياسية في البلاد التي تحصل على تمويل لها من قبل ألمانيا النازية أو ايطاليا الفاشية (بدعوى التحرر من نير الأمبريالية البريطانية). ولعل أبرز مثال على ذلك مواقف الشيوعيين تجاه الانقلاب العسكري لرشيد عالي الكيلاني في نيسان عام 1941، وهو ما أكده قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو في سيرة حياته حيث قال:” لقد شاركت في الحركة الفدائية وأضطررت للهرب إلى إيران كلاجئ سياسي63″. القضية تتحدد في الدور الذي لعبه الشيوعيون في العملية، وماهيةعلاقتهم باللاعبين الآخرين، وفي نهاية المطاف، ماهي الأطراف التي إعتبروها حلفاء أو خصوم لهم؟

إن الجواب على الجزء الثاني من هذا السؤال يخلو من التعقيد. فإذا ما كان خصوم الشيوعيين هم بالدرجة الأولى المنفيون العراقيون المناصرون “للفكرة القومية العربية”، فهل كانوا من أنصار جعفر أبو التمن وحزبه الوطني، ولاحقاً “الشعبيين” من “ممثلي جمعية الإصلاح الشعبي”؟ لا يوجد في وثائق الحزب في عقد الثلاثينيات على الإطلاق أي انتقاد  للأمير فيصل ( الذي تولى العرش لاحقاً) ولا لعائلته، ولا أزاء مجموعة العمل القومي. وهذا الوضع بالضبط يمكننا من اعتبار الشيوعيين العراقيين قوة هامشية.

ويبدو أن هامشيته تكمن في مجال آخر، وتحددت في حالة أخرى، على سبيل المثال العدد القليل من أنصار الفكرة الشيوعية. فحسب رواية قاسم حسن أحمد الشيخ، عندما عاد إلى العراق من موسكو عام 1936، “كان عدد نشطاء الحزب بضعة رفاق…. ولكن هؤلاءالرفاق ذوي ميول يسارية، إثنان منهم أعضاء في اللجنة المركزية….وبعد تنحي صائيموف (عاصم فليح بعد اعتقاله وتعرضه للتعذيب الشديد –ج. س.)، بقينا أربعة رفاق، إضافة إلى آخر ميكانيكي، إلاّ أنه أمي”64.

ولكن بعد مضي بعض الوقت، أعلن قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو بأن الحزب قوي”، وإنه يستمد قوته من ” فعالية أعضائه”. ولكن كل ذلك مجرد كلمات، جرى تلفظها من أجل الحصول على الدعم المادي من قبل الكومنترن قبل كل شيء. وأورد كاتب التقرير معطيات أخرى ومن ضمنها “انبثاق عدد من لجان المناطق للحزب ، منها لجنة الفرات الأوسط يتولى رفيقان في كل منهما الشؤون التنظيمية بين الوطنيين الثوريين، ولكن يضيف قاسم حسن أحمد الشيخ،”إننا لا نستطيع متابعتهم لأن أحدهم قابع في السجن، والآخر لم يقدم التقارير الضرورية. “ولجنة البصرة مكونة من ثلاثة رفاق، ولديها عدد من الخلايا. ولا يعرف بدقة عدد أعضاء الخلية، وقد جرى حل بعضها، أما البقية فتستمر بنشاطها التنظيمي”. وتتالف “لجنة الناصرية من ثلاثة رفاق، يقبع سكرتيرها في السجن. ولديها خلية من التلاميذ- ثلاثة رفاق-، وخلية أخرى من ثلاثة خلايا لصباغي الأقمشة والأخرى لباعة الصحف والثالثة لصغار الموظفين”. “وتضم لجنة الديوانية ثلاثة رفاق، وثلاثتهم في المعتقل الآن”. وهناك” لجنةعمال السكك الحديدية على خط بغداد –كركوك تحت قيادة مهندس الخط. وأخيراً “لجنة بغداد”التي تتولى مهمة اللجنة المركزية ، وتقود عدد من خلايا العاصمة، ولدينا في الجيش أ- في القوة الجوية وقد قتل إثنان منهم ، وب- خلية في صنف المشاة وتضم ضابط وخليته وفي المدفعية رفيقين”، “وفي مدرسة الصناعة في بغداد،هناك ثلاث خلايا يعمل في كل منها ثلاثة رفاق”، و”أ- ثلاث خلايا في شغيلة السكك الحديدية وينتظم في كل خلية ثلاث رفاق، ب- ثلاث خلايا في المهن الحرة ، الأولى في بين الحمالين والثانية خاصة بالرفاق اليهود والثالثة بين عمال الجص”، و خلية للحلاقين تضم رفيقين” و “خلية للمستخدمين في وزارة الخارجية تضم رفيقين”، و “خلية في دوائر بلدية بغداد – رفيقين”، و “خلية في دوائر الأوقاف تضم أربعة رفاق”، و”خلية في صناعة الثلج”لا يعرف عددهم. وبالمناسبة تعمل في بغداد”، المدينة العراقية المتعددة القوميات، “ثلاثة لجان مستقلة ذاتياً للأكراد. الأولى تضم ثلاثة رفاق أكراد، والثانية رفيقان” و “خلية مستقلة للرفاق الآشوريين صلتها بالحزب عبر سكرتيرها وتضم ثلاثة رفاق”65.

إن الحديث لا يدور حول منظمة للشيوعيين العراقيين قليلة العدد. إنهم كانوا قوة هامشية من وجهة نظر علاقاتهم بموسكو. “لقد توجه الحزب الشيوعي العراقي، كما جاء في الوثيقة التي قدمها سكرتيره قاسم حسن أحمد الشيخ، بطلب إلى الكومنترن ليكون فرعاً للأممية الثالثة كي يتلقى بشكل دائم توجيهاته ونصائحه”66. هذه الوثيقة تعود إلى عام 1937.

ولكن المهم هو شأن آخر: هو هامشية الشيوعيين العراقيين بقدر ما يتعلق بالسياسة الداخلية، وعلاقاته الوثيقة المديدة مع العملية العرضية المؤذية مع الوطنيين الجناح “اليساري”للوطنيين – جعفر أبو التمن و”الشعبيين” بقيادة كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل؟

إن تطور الوضع الداخلي بعد فرض نظام الانتداب الانجليزي قد تحدد ببروز مجموعة نشطة من الوطنيين المحليين في البلاد. وتجاوزت الوطنية العراقية هذه المجموعة التي عملت داخل البلاد، فشملت حاشية الأمير فيصل. وكان يمثلهم الأعضاء السابقون في جمعية “العهد”، التي ضمت الضباط السابقون في الجيش العثماني. والحديث يدور حول مجموعة متراصة ( سبق أن أشير إليهم في نشرات الشيوعيين) والذين وصفته الأبحاث العراقية في عداد” فئة إجتماعياة خاصة”. هذه الفئة في الإطار الوطني والديني، هي مجموعة عربية دينية تبلورت اجتماعياً  من “المنحدرين من رحم المجتمع من الفئات ذات الدخول المحدودة، وإختاروا الخدمة في الجيش بإعتبارها ميداناً لنشاطهم المهني”. إن أعضاء هذه الفئة  ليس لديها أي ملكية، ولا أية مصادر ولم يكن لديهم ممتلكات، ويعتمدون على رواتبهم، ووحدة الثقافة والتقاليد التي تتصف بها البيئة العسكرية”67. وأخيراً، إلتحقوا بالمسيرة المجيدة ” الثورة العربية الكبرى”، وشاركوا في المحاولات لتوسيع نفوذ  سيدهم “فيصل”، الذي سبق وأن تم تتويجه على العرش في دمشق، ولو على جزء من الأراضي العراقية التي إحتلها الانجليز، وتحقيق هدف القوميين قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. 

لقد أصبحت القضية المتعلقة بأساليب إدارة العراق مهمة ملقاة يجب على السلطات البريطانية تحقيقها بعد إندلاع ثورة العشرين الوطنية في داخل البلاد68. وتضمن هذا الأمرل ( الذي نفذته مجموعة من ممثلي الإدارة الانجليزية والمؤسسة السياسية) في نقل السلطة إلى العرش الهاشمي والمحيطين به، والجناح “الخارجي” من القوميين العراقيين. ورافق عودتهم الاحتفالية إلى الوطن تأسيس “طبقة حاكمة” متراصة نسبياً، مستثنين منهم ممثلي الوطنيين في “الداخل”.

ولم تكن هي المرة الوحيدة في تاريخ العراق بين الحربين العالميتين أن جرت محاولات التغيير بعد حدوث إنقلاب عسكري في تشرين الأول عام 1936 الذي قاده بكر صدقي، وتشكلت حكومة برئاسة حكمت سليمان، شارك فيها ممثلو جمعية الإصلاح الشعبي ممثلاً في شخص قيادتها جعفر أبو التمن. وإلى جانب ذلك، فإن التحالف بين الطبقة التقليدية الحاكمة وبين الجناح الداخلي للوطنيين بدا مؤقتاً، نظراً لأن التناقضات بين نخب هاتين المجموعتين أضحت عميقة. ففي صيف عام 1937، أزيح وزراء ” الشعبيين” من تركيبة الوزراة، وبدأت في العراق الموجة الدورية لهستيريا معادة الشيوعية، التي لم تكن موجهة ضد الشيوعيين فحسب، بل ضد جمعية الإصلاح الشعبي.

 

  

    بكر صدقي                                   حكمت سليمان

1890-1937                                 1889-1964

ألم يكن الفارق عميقاً في تقييم الشيوعيين لامكانيات انقلاب بكر صدقي وحكومة حكمت سليمان في بداية تشرين الأول عام 1936، وبين تقييمهم لهذا الإنقلاب في صيف عام 1937؟ إن المنشورات التي وزعها الشيوعيون عقب الإنقلاب مباشرة أثارت نشوة عارمة، فقد جاء في أحد هذه المنشورات:”إن الشعب الذي عاني من استبداد الطغاة البرابرة، رفعوا السلاح وأطاحوا بسلطة أولئك الذ مثلوا النظام السابق. وقد تم إحراز النصر لأن الشعب دعم الحكومة الجديدة وإعتبرها شرعية. إن الشعب يطالب بإطلاق الحريات الديمقراطية ويحيي بالأجماع الحكومة الجديدة ويدعمها…على طريق الثورة التحررية الاجتماعية”69. ولكن كان تعليق الحزب في صيف عام 1937 مختصراً:”لقد قُتل بكر صدقي على يد أحد الجنود في الثاني عشر من آب …وهكذا طويت صفحة على الفاشية العلنية”70.

نشأت الشيوعية العراقية في بيئة  الوطنيين “المحليين” كرد فعل على التهميش الطويل الأمد للعراق عن محيطه. إن ضيق صدر وعدم التحمل الثوري للوطنيين الشباب دفعهم إلى التوجه صوب الأفكار الشيوعية، وأجبرهم على البحث عن المساعدة من قبل القوة الخارجية الوحديدة الاتحاد السوفييتي، القادرة، كما بدا على إنقاذ الوطنيين “المحليين” من الدوامة. ولكن هذه القوة الخارجية كانت أقل استعداداً لحل هذه المشكلة. فقد كانت لها مصالحها الذاتية، وإن فعلها كان محدوداً بسبب التزاماتها، فقد كانت هي الأخرى تسعى إلى الخروج من العزلة الدولية. وكان الشيوعيين العراقيين قليلو العدد ومحرومون من الصفة الضرورية كأعضاء في الكومنترن، واحتلوا المكانة الثانية في العملية السياسية المحلية. ولكن هل كان بإمكانهم تغيير هذا الوضع؟

إن العقيدة الشيوعية ما هي إلاّ أداة عمل، وإن القاعدة التي يستندون إليها (“الطبقة العاملة” ، “حزب البروليتاريا” و “الشيوعية”) ما هي إلاّ أدوات ليس لها سوى علاقة محدودة بالواقع. وفي هذا المعنى، فإنها تشبه العقائد الأخرى  التي تحددها التطبيقات السياسية ( الوطنية أو العقائد الدينية المتحضرة). وبإعتبارها قاعدة لكل الهياكل النظرية، فإن الخطاب الشيوعي هو مؤشر يسمح بالتمييز بين الهياكل التنظيمية الموجودة في المجتمعات الضعيفة في اصطفافها الطبقي. ومع ذلك، فإن الاستناد إلى الخطاب المناسب، المقترن بموجه (على دعم محدود من الخارج) لا تساعد من حيث المبدأ فقط على وضع حدود بين المشاركين الجدد في العملية السياسية وبين من سبقوهم جينياً، بل ويسمح للمشارك الجديد بكسب الإنصار. ولا يمكن النظر إلى التنظيم الشيوعي كإستثناء. فهل كان لدى الشيوعيين العراقيين القدرة على اختيار هذا التكتيك الموجه ( الذي رعاه الاتحاد السوفييتي والكومنترن)؟.

إن الجواب على هذا السؤال سلبي وعلى الفور.

لقد ظهرت منظمة الشيوعيين العراقيين على السطح في تلك الفترة من نشاط الكومنترن، التي يمكن اعتبارها مرحلة انتقالية للإعلان رسمياً عن رفض تكتيك “طبقة ضد طبقة”، والإعلان عن فكرة تشكيل إئتلاف سياسي واسع يطال أيضاً (بلدان الشرق) إلى جانب الشيوعيين والمجاميع والتنظيمات والحركات الوطنية اليسارية. إن إمكانية تشكيل مثل هذه “الائتلافات – الجبهات” تعود إلى أن بلدان الشرق قد حلت موضوعياً مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية كمرحلة تسبق الثورات ذات الطابع الاشتراكي (في المنظور البعيد).

لقد شخصت سكرتارية القسم الشرقي في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية تأسيس الجبهة المعادية للأمبريالية في ظروف العراق كمهمة ملحة من الدرجة الأولى لرفاق الدرب. ففي كانون الأول عام 1936 توجهت السكرتارية الشرقية للكومنترن لأول مرة بتوصيات تتعلق بنشاط رفاقها في العراق. وقد كتب مسودة هذه التوصيات م.م. الجزائري. وجاء في التوصيات” تحركوا (صوب جمعية الإصلاح الشعبي) وإعملوا هناك من أجل تحقيق برنامجه، وبينوا أنكم أفضل المناضلين من أجل مصالح الشعب. إن إنخراط الشيوعيين في هذه المنظمة من شأنه ، أولاً العمل في وسط الجماهير، وثانياً، وعدم الشعور بالرعب من القمع  الذي تسلطه الأمبريالية ضد الشيوعيين… ويرتكب الشيوعيون خطأً كبيراً في حالة استمرارهم في رفع شعار (التحرر الاجتماعي الثوري) الذي تم رفعه كشرط لدعم حكومة حكمت سليمان”. ويستطر الكاتب في المسودة:” يجب على الشيوعيين أن يبادروا ويتصدرون العمل من أجل تأسيس الجبهة الموحدة لجميع التنظيمات الديمقراطية (“جبهة الاصلاح الشعبي”و”الحزب الوطني”) من أجل دعم الحكومة الديمقراطية الحالية…وأن يشارك الشيوعيون في طليعة المناضلين من أجل الوحدة، وتقديم العون للشعبيين الثورين من البرجوازين الصغار والتحرر من الأوهام اليسارية المتطرفة. وللأسف في الماضي، فإن الشيوعيون العراقيون أنفسهم حاججوا الشعبيين من منطلق يساري”71.

وفي النص لاحقاً، أجرى م.م. الجزائري تعديلات ( دون المساس يالمعنى كلياً) وترجم إلى اللغة العربية. وأشير في الوثيقة الجديدة:” أنه بات من الضروري بالنسبة لكم القطيعة مع كل الشعارات والمطاليب ذات الميول المتطرفة والانعزالية، والتي يدعمها بعض الوطنيين المتطرفين، الذين يسعون إلى عرقلة عمل الحكومة الوطنية وفضحها بذريعة تغيير الاتفاقية العراقية-البريطانية أو قضية توزيع كل الأراضي على الفلاحين …. فكل هذه المطاليب إنعزالية لكونها غير قابلة للتحقيق في الأمد القريب. وعلى العكس من ذلك، فإن تكتيكاتكم يجب أن توجه صوب عزل الرجعية، والتخلي عن شعارات الحد الأقصى، التي يمكن أن تساعد على انتقال العناصر التقدمية إلى معسكرها”.

وتستطرد الوثيقة:”وإنطلاقاً من ذلك، فينبغي عليكم العمل قي جمعية الإصلاح الشعبي كحزب وطني جماهيري وعلني ( كما جاء في الوثيقة-ج.ك.) والدعوة لكل المجاميع والعناصر ذات المسحة الوطنية إلى الانخراط في هذا الحزب. وعبر هذا التكتيك فقط يمكن تعبئة أوسع الجماهير حول تحقيق مطاليبكم اليومية ، وتعزيز مواقعكم بينهم بإعتباركم أكثر المناضلين ثباتاً من أجل مصالحهم. وعبر هذا الطريق فقط، بإمكانكم تعزيز مكانة الحكومة الوطنية كحكومة ديمقراطية بحق، ودفعها إلى تحقيق الحريات للشعب وعزل العناصر الرجعية عن الحركة الوطنية، وتطهيرها من جهاز الدولة. وعلى هذا الطريق فقط يمكنكم دعم مطاليب كل المجاميع الوطنية والأثنية، والذي يؤدي إلى تعزيز تضامنهم الأخوي، وسيساعد على تعزيز الوحدة العراقية وتأسيس جبهة وطنية”72.

كلمات سليمة ومنمقة! ولكنها حرمت الشيوعيين من إمكانية التوجه صوب المفاهيم الأساسية لخطابهم، إلى تلك المؤشرات التي قادتهم إلى حافة الهاوية بينهم وبين المقربين منهم عضوياً من المجاميع السياسية الفاعلة. فكلمة “الشيوعية” لم تصدح حتى في نشراتهم. وإذا ما صوروا أنفسهم “جبهة معادية للأمبريالية” خلال الثورة التي إندلعت في الفرات الأوسط (جبهة ضد الاستعمار)73، ولكنهم بعد انقلاب بكر صدقي – أصبحوا ” مجموعة التحرر الوطني والاجتماعي” (جماعة التحرير الوطني والاجتماعي)74.

إن أنصار الكومنترن تعرضوا للركود في صفوف الوطنيين75. فهل سعوا إلى مواجهة هذا الوضع المتراكم؟ بالطبع نعم.

فالتقارير المرسلة إلى موسكو من قبل كل من وصل إلى العراق من الخريجين تشير إلى اختيار سكرتير جديد لمنظمة الشيوعيين العراقيين( علماً أنه قد تدرج في تولي هذا المنصب كل من عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح وقاسم حسن أحمد الشيخ، وأخيراً يوسف سلمان)، وأشارت المعلومات إلى طرد “التروتسكيين” و”المتطرفين اليساريين” من الحزب، والذين أطلق عليهم صفة “العناصر المعادية للحزب”.  وفي واقع الأمر، فليس في تحديد السمات، فقد وضعوا هؤلاء بدون معنى في صف أؤلئك الذين تعرضوا للعقوبات بتهمة معارضتهم لنهج الحزب الشيوعي السوفييتي (البلشفي) في الاتحاد السوفييتي. فماذا كان الاتهام الذي وجّه إلى عاصم فليح لطرده من الحزب عام 1938: لقد جرى التأكيد على أنه “على علاقة مع المنظمات الصهيونية ومع أشخاص لهم علاقة غير مباشرة مع أقطاب الطائفة الشيعية في مدينة النجف”76. وبالمناسبة، فإن هذا الوضع قد جرى تقييمه من قبل السكرتارية الشرقية للجنة التنفيذية للكومنترن وإعتبر أنه إمتداداً للصراع حول المناصب في الحزب77، وأتخذ ذلك من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن كذريعة إضافية لرفض الاعتراف بالشيوعيين العراقيين كعضو في الكومنترن. 

ولكن الحجج كانت أكثر مبدأية عند توجيه الاتهامات ضد العناصر المعادية للحزب. فقد اتهموا بممارستهم “تصرفات استفزازية متطرفة”، ذات “ميول يسارية”، أدت إلى بهم إلى التخطيط لـ”إصدار جريدة وتوزيع منشورات والإعلان عن نشاطهم الحزبي”78. إنهم ، كما أعلن في السكرتارية الشرقية للكومنترن، قد شرعوا مبكراً بالدعوة “ضد المشاركة والعمل في الحركة الوطنية”، وقاوموا “الاتحاد مع بعض المجاميع والأحزاب الوطنية على أساس النضال الوطني التحرري”بذريعة” أن الحركة الوطنية – هي حركة برجوازية، وإن هؤلاء الوطنيين هم مجموعة من الخونة”79. إن كل هذه “الممارسات” ما هي إلاّ إنعكاس لإنعدام الصبر الثوري، والطموح صوب الخروج من ظل القادة “المحليين” الهامشيين، وإتباع نهج في العمل بعيداً عن الإصلاحية، وكسب النفوذ في المجتمع والتحرر من الحالة الهامشية.

 

5

حل الكومنترن كشرط لتأسيس الجزب الشيوعي العراقي

 

كيف كان مصير بطل الشيوعيين العراقيين يوسف سلمان؟ وصل يوسف سلمان إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من باريس بحماية الشيوعي العربي الفلسطيني محمود الأطرش، في ظل رفض قاطع من قبل قائد الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش80. وبالإستناد إلى تصريحات للسكرتير العام للحزب الشيوعي السوري، وقام م.م. الجزائري بنقلها إلى السكرتارية الشرقية أن” يوسف لا يتمتع بثقة حزبنا”، ويستطرد قائلاً أن “رمزي”(الاسم المستعار لخالد بكداش-ع.ح.) طلب إلى جانب ذلك فصله من الحزب ، لأنه سيء” ومن جانبه أكد م.م. الجزائري(محمود الأطرش –ع.ح.) نفسه:”إنني لا أثق بيوسف…ولم اقدم له المساعدة”. إن هذا ضرب من شطط بعض الشيوعيين للتعبير عن فهمهم لـ” الأممية البروليتارية”!

خالد بكداش

1912-1995

لقد إقترنت عودة يوسف سلمان قادماً من موسكو بجملة من المصاعب81. ورجع يوسف سلمان إلى الوطن في بداية عام 1938، 82، مركزاً نشاطه على مدينة البصرة، وانتقل لاحقاً إلى بغداد في عام 1940.

       

                       زكي خيري                                      نوري روفائيل 

                          1911- 1995                                   1905  -1985

لقد وصف الوضع داخل صفوف الشيوعيين العراقيين على أنه مخيب للآمال، ولم يكن ذلك المرة الأولى التي استلم الكومنترن بشكل مباشر مثل هذه التقارير في البلاد. فقد كتب يوسف سلمان وقتها، إن القادة الحزبيين ” منهمكين في النقاش بينهم حول قضية القيادة، وبالطبع، حول المالية”. وأعلن عن عدم وجود مجموعة شيوعية منظمة وموحدة  في العراق، وقدم إلى السكرتارية الشرقية معلومات عن قادة الأجنحة:”مجموعة عبد الله مسعود – وهم من الرفاق ذوي الميول الثورية”، “التروتسكيون، وزعيمهم نوري روفائيل وكان في اسبانيا”، ومجموعة قاسم حسن ويوسف متي وزكي خيري التي لا تعتبر مجموعة حزبية”حيث” أن مواقعهم اللاماركسية وأفعالهم الخيانية أدت إلى تحطيم الحزب”. وإلى جانب ذلك، هناك “مجموعة معارضة يتزعمها يعقوب كوهين(فاضل)”، “التي جمعت الرفاق اليهود في مجموعة خاصة بهم، مما يذكرنا بتنظيم “البوند”( مجموعة من الماركسيين اليهود في روسيا قبل الثورة- ع.ح.)، والتي أعنت أنها تمثل اليهود في الحزب، التي تؤكد أن المنظمة الشيوعية العراقية “لا تعتبر حزباً عمالياً، وكذا الحال بالنسبة للطبقة العاملة فلا وجود لها في العراق حتى الآن، ولا يدور الحديث الآن عن الثورة الاشتراكية (التي يحققها المثقفين)”. وقد أعلنت كل هذه المجموعات أن يوسف سلمان “غير مناسب للعمل الحزبي”.

لقد مارس يوسف سلمان نفس الأدزار التي إتبعها أسلافه الذين تولوا سكرتارية منظمة الشيوعيين العراقيين. (وحسب أقوال قاسم حسن أحمد الشيخ في عام 1940 أن” يوسف سلمان أصبح على رأس الحزب”)83. وبالمناسبة فإن المنظمة لم تتعرض إلى نزعة راديكالية في بواكير نشاطها. وتمكننا الوثائق المحفوطة في أرشيف الدولة الروسية للتاريخ السياسي والاجتماعي، من الإطلاا على أن يوسف سلمان لم يكن إصلاحياً بقدر كان يسعى إلى هيكل شيوعي جديد، كما أعلن في تقرير قدمه إلى جيورجي ديمتروف “القائد الشيوعي البلغاري وسكرتير الكومنترن –ع.ح.) ، والذي جاء فيه ” إن عدد أعضاء منظتنا، التي ما هي إلاَ مجموعة لا تتعدى العشرة أعضاء”84. وتميز نشاطها بالخصوصية وفي الوقت نفسه عملت بشكل جدي وهادف. ( يبدو أنه قد تعلم الكثيرفي موسكو في عقد الثلاثينيات).

أعلن يوسف سلمان في موسكو عن نشاطاته وكتب يقول:” حتى عام 1937، كانت الناصرية نقط الإرتكاز وأقوى مركز لنشاط الشيوعيين. فهي زودت الحزب بأعداد كبيرة من الكوادر ( ومن ضمنهم أنا، السكرتير الحالي للحزب الشيوعي) وأعضاء الجهاز السري ونشطاء حزبيين فعالين للغاية. إلاّ أن الملاحقات المستمرة لأعضاء الحزب، والمواقف الخيانية لبعض القادة في عام 1937، والمستوى الواطئ للتعليم في السابق، إضافة إلى الوضع الإقتصادي للرفاق في الناصرية أدى إلى أن تتخلف الناصرية”85. والمدينة التي أشار إليها القائد الشيوعي الجديد، هي نفس المدينة التي أسس فيها فرعاً للحزب الوطني، وشرع بنشاطه السياسي وحيث بقي أصدقائه الذين يعرفوه ويتذكروه.

إن المعلومات التي توفرت لدى اللجنة التنقيذية للكومنترن حول التركيبة الكمية للحزب كما يؤكدها يوسف سلمان على الوجه التالي:” بلغ عدد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي 420 عضواً في عام 1942″. بالطبع إن أكثر الأعضاء هم في منظمة بغداد” 300 عضو، منهم 100 عامل ، و100 معلم وطالب، و80 من شغيلة الفكر والمحامين والموظفين الصغار والتجار الصغار، و10 عسكريين  و 10 نساء. فضلاً عن ذلك فقد تمركزت الخلايا الحزبية في جنوب البلاد:”البصرة -30 عضواً”، “العمارة 20 عضواً”، وغالبيتهم من المثقفين وتحديداً من المعلمين الذين تم انخراطهم في الحزب حديثاً”. وضمن منظمة “النجف -15 عضواً ضمن تنظيم ضعيف”، “والديوانية والسماوة–15 عضواً”، و”لناصرية -10″، و”الكوت- 3″. وأصبح الإتجاه العام ليوسف سلمان هو تأسيس خلايا حزبية في جنوب العراق، وقال :” نحن نعمل فب اتجاه تعزيز العلاقة مع الديوانية والبصرة والناصرية والعمارة والنجف”. وفي هذه المناطق برز أبرز أنصاره، (ومنهم حسين محمد الشبيبي في النجف).

حسين محمد الشبيبي

1917-1949

ويشير فهد في التقرير الذي قدمه إلى أن اللجنة المركزية الجديدة تضم “أغلبية عربية”. علماً أن الحزب لا يضم في صفوفه مختلف القوميات فحسب ( هناك 20 مواطن يهودي فيحملون عضوية الحزب)، بل أحتلت وجوه جديدة في الهيئات القيادية، ولكن من النادر أن لعب المنحدرون من المكون الشيعي في السابق دوراً في الحركة الشيوعية العراقية”86. وأشير في التقرير إلى تشكيل خلايا في الموصل، إضافة إلى ظهور أنصار للحزب في السليمانية “(المركز الكردي)، وهذا ما اعتبره يوسف سلمان:”إننا تقدمنا بخطوات حثيثة للعمل في وسط الأكراد”.

وأحيا يوسف سلمان يوسف المجموعة الشيوعية البَصرية، ووسعها كوسيلة اقليمية للتحرك صوب السلطة على النطاق العربي. وبالمناسبة فإن عملية التعبئة للمضمون الوطني القائم على اساس التحفيز الخارجي للفضاء الإقليمي أضحى بدون جدوى بدون العلاقات الوثيقة للمجموعات التي تتشارك في الرؤى اقليمياً أو تقليدياً، وهي مهمة ينبغي أن تتحقق عبر تأسيس سُلّم مراتب السيطرة والخضوع على مستوى كل البلاد.

في نهاية كانون الأول عام 1942، أصدر الحزب منشوراً تحت عنوان “نداء إلى الشعب العراقي” موقعاً بإسم “اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي”87. والحديث يدور حول الإعلان عن أول وثيقة برنامجية للشيوعيين في تاريخ العراق، التي وصفت الحزب بكونه “الفصيل الطليعي للطبقة العاملة العراقية الفتية… والوطنيين الحقيقيين لبلدهم، والذين يقفون على رأس حركة التحرر الوطني”.

ومن الطبيعي أن ينتهز الشيوعيون الفرصة باعتبارهم موجود سياسي مستقل  ليتطرقوا إلى موضوع الحرب العالمية في هذا المنشور:” يرى الشيوعيون العراقيون في النازية والفاشية خطراً على العراق. هذا الخطر لا يهدد فقط مصادرنا النفطية ولا احتيطي خبزنا واحتياطي التمور وبقية ثروات البلاد. فالفاشية  وتعاليمها وأفعالها تهدد وجود العراق نفسه كدولة وطنية. ويحيط بنا خطر استعبادنا وتحطيم إرادة الشعب العراقي المحب للحرية، الذي لم يضع نصب عينيه مهمة استعباد الشعوب الأخرى ونهبها”. ومن الطبيعي أن إعتبر الشيوعيون أنه من الضروري التأكيد على رؤيتهم في ” الدول الديمقراطية المشاركة في الأمم المتحالفة والذي يقف الاتحاد السوفييتي في طليعتها …بإعتباره افضل ضمانة لتحطيم الفاشية وإلى الأبد، وإزالة المخاطر التي تهدد استقلالنا”. ولكن الشيء الآخر المهم، أن الشيوعيين العراقيين، إذ يعلنون استقلالهم الفكري والتنظيمي، فإنهم يتمسكون بتلك الشعارات التي كانت على الدوام في مركز اهتمام الحلفاء الوطنيين القدامى والوطنيين المحليين وأن:”آمال الشعب العراقي في الوقت الحاضر تتحدد في إمكانية العمل وتوفير مستلزمات العيش، في ظل الدستور وضمان الرفاه الاقتصادي لكل الطبقات وتوفير الحريات الديمقراطية الحقة والإمكانية الفعلية لتوفير التعليم والرعاية الطبية….والمشاركة في التطور الاقتصادي والثقافي للبلاد”. ويختتم البلاغ بالكلمات التالية:” عاش الشعب العراقي الحر”.

 

المصادر

1-كان من أهالي بغداد، وعمل معلماً لمادة الكيمياء في أحدى مدارس العاصمةЛ وبمبادرة منه وصل إلى موسكو في عام 1929. وفي بداية عام 1930 عاد إلى العراق. ولم يعرف السبب في عودته، وحسب رواية بعض رواد الحركة الشيوعية العراقية، إن السبب يعود ربما إلى صلات عبد الحميد الخطيب مع التروتسكيين أو بسبب الوضع المتوتر في القسم العربي من الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق بالارتباد بالنقاشات التي كانت دائرة حول إعلان الكومنترن نهجه تجاه المنظمات الشيوعية في العالم العربيمن ناحية، ومن ناحية أخرى تجاه اليهود أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني، وهو غالباً ما أدى إلى مشاحنات علنية. وكان عبد الحميد الخطيب مشارك فعال في إحداها. قبيل عودته إلى العراق، كم يورد أحد الرواد، زار السفارة البريطانية في موسكو وأصبح “عميلاً” للشرطة العراقية والمخابرات البريطانية. راجع كتاب “الجذور الفكرية الاشتراكية والتقدمية في العراق خلال أعوام 1920-1934” لمؤلفه أ.خ.فياض الصادر في بيروت عام 1980-ص284-288.

وفي تقرير عن نشاطه في العراق قدمه إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن بعد وصوله إلى موسكو، أوضح عبد الحميد الخطيب أن يتلقى التعليم في قسم الفيزياء في كلية بغداد في “الأعظمية”. ويشير التقرير المكتوب بخطه، أن المحاولة الثانية للوصول إلى موسكو كانت موفقة. وكانت المحاولة عبر إيران – الأهواز في عام 1929، حيث قدمت له المساعدة المالية من قبل القنصل السوفييتي. وبعد وصوله إلى طهران تم اعتقاله وقضى شهرين في السجن، ثم نقل إلى العراق.(الحزب الشيوعي العراقي- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي، أف 495.14.د.376.أل.54).

2-مدونات الاسماء أثناء المكوث في موسكو.

3-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

4-نفس المصدر

5-الترجمة الروسية للاسم العربي”زهير”.

6- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

7-هذه المعلومات لا تتنفرد بها روايات الشيوعيين العراقيين، بل وأيضاً روايات الباحثين الروس والسوفيات والأوربيين، مثل مؤلف ج.ج.كوساج “الشيوعيون وقضايا الثورة البرجوازية الديمقراطية في العراق طوال عقد الثلاثينيات والأربعينيات” و “الحركة الوطنية والاجتماعية في الشرق الصادر عام 1986، والمؤلف الفرنسي Luizard P J- Il y avait un pays, arabes. Le Machrek. Revue des mondes musulmans et de la Mediterrane.

8-حول تطوير الوحدات الهيكلية للكومنترن بالارتباط مع صياغة سياسة الشرق أوسطية، لاحظ كتاب المؤلف يوري  بالاشوف ” سياسة الأممية الشيوعية في الشرق الأدنى في أعوام 1920-1939 الصادر في مدينة نيجني نوفوغورد الروسية عام 2002.

9- الريف هم سكان شمال المغرب والذين أعلنت قبائلهم الثورة تحت قيادة الأمير عبد الكريم الخطابي تأسيس جمهورية الريف بعد إلحاق الهزيمة بالقوات المسلحة الفرنسية.

10) توزيع الحصص في القطاع الخاص للجامعة الشيوعية لكادحي الشرق لفترة العام الدراسي 1929/1930 ، الذي صادقت عليه السكرتارية الشرقية للكومنترن في 7 شباط 1929 (ارشيف الدولة الروسي للتاريخ السياسي والإجتماعي، الملف 522 ، الإضبارة 1 ، الوثيقة 71 ، ص 1)، ويشار في نص توزيع الحصص للعام الدراسي 1930/1931 الى إنه سيقبل في الجامعة  أبناء جميع البلدان العربية       ( مشروع توزيع الحصص للقطاع الخاص للعام الدراسي 1930/1931// المصدر السابق ص 23).

11- إن عدد الطلبة العراقيين المتقدمين للدراسة سنوياً في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في موسكوكما قدرها قاسم حسن أحمد الشيخ في عامي 1935-1936 عشرة طلاب.(ناظم – نحن نريد)

12-نفس المصدر

13- أ.ح.فياض ص284

14-أكبر المكونات المسيحية في العراق التي تعود إلى قبل الوجود العربي في العلااق. انظر إلى كتاب “الدين في بلدان غرب آسيا بقلم ج.أ.شباژنيكوف الصادر في عام 1976.

15-في المعلومات حول المندوب إلى المؤتمر السابع للكومنترن بصفة مراقب قاسم حسن أحكد الشيخ. إضافة إلى المعلومات حول مندوبي الجزائر ومصر والعراق وايران وفلسطين وسوريا وتونس وتركيا والفليبين وجنوب افريقيا إلى المؤتمر. أرشين تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

16- السيرة الذاتية لزهير نعيم (قاسم حسن) المترجمة من اللغة الانجليزية في 31 كاون الثاني عام 1941.

17-نفس المصدر

18-في وثائق الكومنترن توجد معلومات متباينة في صحيفة أعمال قاسم حسن أحم الشيخ المشارك في المؤتمر السابع للكومنترنحول اللغات التي يتقنها”العربية والانجليزية وقدر من الفارسية”.

19- في وصفه للأوضاع في العراق في تلك المرحلة يشير الباحث العراقي:” يقال أنه وجد في تلك الأيامجمعية وطنية متينةنيمكن تصنيفها “كعراقية”. الموصل كانت إلى جانب تركيا وبغداد إلى جانب ايران والبصرة في أقصى الجنوب إلى جانب الخليج والهند. وكان يطلق على القاطنين أما بغداديون أو بصريون أو موصليون، والحديث يدور حول حاملي “المواطنة العثمانية” وعن ” المنحدرين من المكون الشيعي” وعن “أبناء القبائل” أو عن “الشيعة الحضريين”. إن الانحدار الديني لا يساعد على شد أواصر المجتمع. وساد في البلاد عداء تقليدي بين سكان المناطق الحضريين  وبين سكان الريف والبدو الرحل والمناطق الذين يشكلون شبكة الحياة اليومية. “فلو نظر البدو الرحل إلى الإدارة والحضر كمستغلين وجامعي الضرائب، فإن الإدارة وسكان المدن من جانبهم يخشون البدو الرحل، ويعتبرونهم فوضويين ولا يحترمون القانون العسكري”. “العراق- نشأت الدولة في أعوام 1908-1921، لمؤلفه ج. العطية الصادر في عام 1988.

20-ارشيف  تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي

21-نفس المصدر

22-نفس  المصدر

23-نفس المصدر

24-نفس المصدر

25-نفس المصدر

26-“الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية من أجل استقلال العراق” لمؤلفه ب.د.و. نظمي الصادر في بيروت عام 1986

27-كما اورد قاسم حسن أحمد الشيخ فإن “أخطر عميل في الحزب هو عبد الحميد الخطيب الذي جاء في السابق إلى موسكو وقُبل في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق ثم فصل منها. وقد عاش في الاتحاد السوفييتي باسم مستعار هو “خالد”. تقارير قاسم حسن أحمد الشيخ عن العراق في عام 1941، ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

28-نفس المصدر

29- الترجمة الروسية لتقرير تحت عنوان” الحزب الشيوعي العراقي”.

30- انظر إلى كتاب أ.ح.فياض

31-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

32- في هذا القسم يستند الكاتب لاحقاً إلى مؤلف زكي خيري الذي أصدره بمناسة الذكرى الخمسينية لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي تحت عنوان “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي” . المجلد الأول. الصادر عام 1984.

33-نفس المصدر

34-نفس المصدر

35-نفس المصدر

36نفس المصدر

37-” في عام 1927، كما كتب المؤلفون في الكتاب المشار إليه، جرت أول محاولة لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. ولكن أصاب الفشل هذه المحاولة، لأن الحلقات الشيوعية الأولى كانت علاقاتها ضعيفة مع الحركة الجماهيرية بشكل عام ، ومع العمال، أيضاً. ولم يكن بين هؤلاء الماركسيين مناضلون محترفون. وبشكل عام فإن غالبيتهم كانوا من الموظفين في أجهزة الدولة من الذين قضوا فترة طويلة من خدمتهم في ظروف البيروقراطية والروتين” نفس المصدر.

38-الحزب الشيوعي العراقي. 26 آب 1930، أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

39-من المناسب التذكير بأن منظمة الشيوعيين السوريين – اللبنانيين قدر برزت كخلية تابعة للحزب الشيوعي الفلسطيني. ج.ج.كوساج “راية حمراء فوق الشرق الأوسط”، الحزب الشيوعي المصري والفلسطيني وسوريا ولبنان في سنوات عقد العشرين والثلاثين.

40-الحزب الشيوعي العراقي.26 آب 1930.

41-ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

42- الحركة الوطنية التحررية في العراق.

43-عن هذا الحزب ومؤسسه، راجع أيضاً “الشيوعيون وقضايا الثورة البرجوازية الوطنية في العراق” (أواسد عقد الثلاثينيات والأربغينيات).

44-ينبغي أن لا يفهم حرفياً مضمون المفردات العربية بين قوسين. في فترة تأسيس الحركة الشيوعية في العالم العربي كان مفهوم “التترية” مرادفاً للتطرف والراديكالية واشتق منه مفردة “المتطرفون”.

45-منهج جمعية الاصلاح الوطني والنظام الأساسي .مطبعة الأهالي. بغداد 1936. أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.

46-الوضع في العراق بعد انقلاب 29 تشريت الأول عام 1936.

47-أعضاء هذه المحموعة هم يوسف اسماعيل وعاصم فليح ومهدي هاشم ووديع مروكي وصادق سطيفان “طالب في كلية الحقوق” وزكي خيري وموسى حبيب “موظف في الموانئ”وزكريا ألياس وشيمون بشو ونوري أنور روفائيل “طالب في كلية الحقوق” وصحفي غير معروف هو يوسف متي وجرجس يوسف وسليم زكريا “عامل في السكك الحديدية”وموسى سلوى. رسالة إلى معالي رئيس مجلس الأمة المحترم، عريضة المعتقلين الساسيين. استلمن من قبل الكومنترن في 26 أيار عام 1936.

48-من صائموف، نفس المصدر

49-عن هذا “الحزب” الذي تأسس عشية سفره للدراسة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق.

50-نفس المصدر

51-يشار في الوثائق المحفوظة في أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي أنه” في عام 1934أعلن قادة الحزب الوطني عن حله. ومن بين الأسباب التي أدت إلى هذا الإجراء) هو تعاظم نفوذ الشعبيين الذين احتلوا مواقع الوطنيين (الحزب الوطني)، مما دعى أبو التمن  إلى الاتحاد مع الشعبيين”(الحركة التحررية الوطنية في العراق.

52- مذكرة ناظم تمينه، عضو وفد الحزب العراقي إلى المؤتمر السابع للكومنترن.

53-بالستناد إلى تقرير أصلي باللغة العربية، يشير عبد الحميد الخطيب:” إنني على صلة بالحزب الشيوعي الإيراني عبر رفيق في القنصلية السوفييتية في الأهواز”الحزب الشيوعي العراقي.

54-مثلاً:الحزب الشيوعي الفلسطيني في عقود 1920 -1930. السيرة الذاتية لعلي ليبرمان.

55-أ.ح. فياض.

56-كل هذه التقارير محفوظة في أرشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي ومن ضمنها، الرواسب المعدنية في العراق.

57-ماذا نريد؟

58-خطاب ناظم تمينه ، وفد الحزب العراقي إلى المؤتمر السابع للكومنترن في الأول من آب عام 1935.

59-جواب ناظم فردي في 13 آب 1935.

60-رسالة مرسلة من عاصم فليح عبر سوريا من إلى موسكو في آذار عام 1935، يعلن فيها عن “الإصلاح الوطني”( في وقت تم تداول اتهامات الحادة بين الشيوعيين مثل العدو الطبقي ضد الزعماء الشيعة لانتفاضة الفرات الأوسط الذين “ يوجهون اللعنات دون الاشارة إلى طرق ووسائل “النضال اللاحق( رسالة من العراق استلمها مراد في سوريا  وأرسلت إلى سكرترية الشرق).

61-على سبيل المثال  يشير قاسم حسن أحمد الشيخ في رسالة موجهة إلى سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى نشاط عملاء ألمانيا وايطاليا في العراق في نهاية عقد الثلاثينيات ومحذراً من نتائج ذلك، قائلاً:” إن الألمان يشجعون ويعمقون المشاعر المعادية لبريطانيا في أوساط الرأي العام، ويستغلون ….الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. إننا لو ألقينا نظرة إلى مسألة المال والتجارة، فإننا نرى أن 80% من التجارة الخارجية تقع في يد البرجوازية اليهودية. وإن الكثير من الرأسماليين اليهود الكبار على علاقة بالصهيونية في فلسطين، دون  نسيان أن اليهود من الناحية التريخية هم شعب مضطهد خلال فترات متواصلة ويتمتعون بـ”الحماية” من قبل السياسة الكولونيالية للأمبريالية البريطانية، وإن الدعاية الفاشية الألمانية اكتشفت العديد من الحلقات الضعيفة التي يمكن أن تخترقها وتعمل بفعالية على طريق تشويه الحقائق. وقامت الفاشية الألماني بحريض النخبة الإسلامية والمسيحية من البرجوازية المحلية ضد اليهودمن ناحية، وضد المدافعين عنهم من ناحية أخرى. وتسنى لهم أيضاً دق ناقوس الخطر تجاه الموظفين الذين يعملون في خدمة الربويين اليهود”. زقور- مكائد الفاشية الألمانية في الشرق الأوسط. تشرين الأول عام 1941. ارشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي.

62-في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، استلمت سكرتارية الشرق أكثر من مرة رسائل من العراق تشير إلى أن الحزب الشيوعي السوري لا يقوم بواجبه تجاه الشيوعيين العراقيين. وقد أشار قاسم حسن أحمد الشيخ إلى:” إنعدام أية مساعدة من الحزب الشيوعي السوري، مما يعني أن الرفاق السوريونيتجاهلون واجبهم تجاه الحزب الفتي الذي ينمو في أهم بقعة في العالم العربي . فكيف  يمكن لهذا الحزب أن ينمو إذا كان محروماً من إرشادات القيادة العليا والدعم المادي؟”(كتبت الرسالة باللغة العربية في تقرير عن الوضع في العراق ، وجرى استلامه من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

ويستطر قاسم حسن أحمد الشيخ تقريره في لحن أشد قائلاً:”إننا نطالب بقطع علاقتنا مع السوريين، القصيري النظر، والذين يسعون فقد إلى فرض سلطتهم علينا وبعملون بأساليب من أجل توسيع نفوذهم في الشؤون العربية لكي يوحون لكم بأنهم يقفون على مواقع قوية، ويوحون وكأن الآخرين ضعفاء”(رسالة باللغة العربية مؤرخة في 25 نيسان عام 1935. 

63-السيرة  الذاتية لزهير نعيم(قاسم حسن)، عند  تقدمه تقييماً لانقلاب رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية البريطانية، كتب قاسم حسن أحمد الشيخ ما يلي:”سرعان ما اتخذت هذه الحركة  طابعاً ثورياً واضحاً. وبدأ الشعب بحمل السلاح، وقد  قام الشباب المتحمس بقيادته.واتخذ قراراً بالمقاومة حتى النهاية، وقد جرى التأكيد على أن الاتحاد السوفييتي سيقدم بالتأكيد الدعم ، وإن ألمانيا ما هي إلاّ مستعمر جديد، ولا نريده ولا نريد مساعدته. وفي الثاني والعشرين من أيار  عام 1941، أصدر الحزب الشيوعي بياناً احتوى على تحليل للتوجه الثوري الجديد. وطالب البيان من الحكومة تعيين وزراء جدد ، وتنظيم توزيع المواد الغذائية في بغداد وضواحيها، ووقف الدعاية الفاشية، الهادفة إلى دفع الحركة صوب الحرب الأهلية والعنف ضد الأقليات القومية. وطالب الحزب بالتوجه صوب الاتحاد السوفياتي لطلب المساعدةوعقد معاهدة معه. ودعا البيان كل جماهير الشعب-الطبقة العاملة والفلاحين والطبقة المتوسطة –إلى تنظيم أنفسها لمواجهة الوضع الناشئ كتب باللغة العربية موقعاً من قبل زهير.

64-تقرير باللغة العربيةعن الوضع في العراق، جرى استلامه من اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

65-الحزب الشيوعي العراقي. تقرير الرفيق ناظم.

66- نفس المصدر

67-ف.د.أو.نظمي

68-يستند الكاتب هنا ولاحقاً على المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي.علي الوردي- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. ثورة العشرين. بغداد عام 1978.

69-انتصار جبهة الشعب- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.الجزء الخامس.ثورة العشرين.

70-” كيف دمرت الفاشية الإيطالية والألمانية الديمقراطية في العراق. إحدى جرائم الفاشيست.تشرين الأول عام 1937.

71-الوضع في العراق . مهام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد إنقلاب التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936. بدون توقيع.

72-ممسودة رسالةللحزب الشيوعي العراقي(باللغة العربية)

73-النهوض الثوري ونضال الفلاحين في العراق ، الصار في 15/4/1935.

74-انتصار جبهة الشعب.

75-إن التحلل في صفوف الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وفي بيئة قومية هو نتيجة طبيعية للنهج الذي اتبعه الكومنترن حول تأسيس الجبهة الواسعة المعادية للأمبريالية، كما طبقفي سوريا وفسطين. انظر إلى كتاب”راية حمراء فوق الشرق الأوسط”بقلم ج.ج.كوساج.

76-ترجمة روسية لرسالة من العراق موجهة إلى سليم عبود في السادس عشر من كانون الثاني عام 1938.

77-رسالة سليم عبود ” حول الوضع في الحزب الشيوعي العراقي” موجهة إلى ديميتروف مانويلسكي في العشرين من كانون الثاني عام 1938.

78-مادة باللغة العربية تحت عنوان”تقرير عن الوضع في العراق” وصل إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.

79-مقالة بقلم سليم عبود تحت عنوان” الحركة التحررية الوطنية في العراق”عام 1936.

80-ترجمة روسية لرسالة مرسلة من العراق إلى سليم عبود في عام 1938.

81- تقرير عن سكرتارية الشرق بقلم م.م. الجزائري:”فردريك (يوسف) صحفي وعامل سابق حسب قوله، لا يحظى بالثقة..أرسل فردريك من مرفأ بيروت إلى فرنسا لأسباب مجهولة، وزار البلاد مرة ثانية بنجاح”.

82-تقرير حول القضايا التنظيمية. سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في 17 كانون الأول عام 1942.

83-حول الحزب الشيوعي العراقي(تقرير الرفيق زقور نعيم)، وحررت من قبل زقزر كوزلوف.

84-تقرير عن نشاط الحزب الشيوعي العراقي، مصحوب برسالة إلى جبورجي ديمتروف.

85-تقرير حول المشاكل التنظيمية للحزب الشيوعي العراقي.سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان.

86-وفي عدادهم “يوسف سلمان عامل ولاحقاً مثقف، عبد الله مسعود-محامي ومعلم ، داود الصائغ –محامي، عبد تمر – عامل، صفاء مصطفى – موظف ومعلم، وديع طليا- كوظف، نعيم طويق-موظف يعمل فيفي صحيفة، آمينة الرحال- طالبة في كلية الحقوق، حسين محمد الشبيبي – معلم، حسين طه- موظف”،إضافة غلى “نعيم بدوي، سامي نادر،عبد الرحمن عبد القادر( جميعهم معلمين).

87-بيان الحزب الشيوعي العراقي في 28 كانون الأول عام 1942

88-ت.ديميتروف حول وضع الحزب الشيوعي العراقي

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com