ثقافة

العقدة الغربية: التفوق غربي والتأصيل يوناني

بيدر ميديا.."

العقدة الغربية: التفوق غربي والتأصيل يوناني

نادية هناوي

 

اهتم النقاد والمنظرون الغربيون بالبحث في الفاعلية السردية للرواية، كجنس أوروبي حديث ووريث من ورثة التراث الملحمي اليوناني والروماني، ناسين أو متناسين أصل الملحمة الشرقي. وأفادتهم رؤى أرسطو في فن الشعر حول المحاكاة والتخييل والزمان والعضوية والدرامية، فوظفوها في نقودهم، وأضافوا إليها ووسعوا ميادين تطبيقها على مختلف أجناس السرد وأنواعه. وقد تمكن الرعيل الأول من أولئك المنظرين من وضع أساسات نقدية في تحليل السرد وبيان طرائق بنائه. وقد عُرفت هذه الأساسات بادئ الأمر بنظرية الرواية ثم صارت تُعرف بالنظرية السردية.
وانبنت على هذه الأسس اتجاهات وصور مختلفة ذوات أبعاد متقاربة حينا ومتباعدة أو متقاطعة أحيانا قليلة. وكان لتراكم هذه الأبنية أن ترسخ القول بتلك الأسس، وصار الوصف (كلاسيكي وما بعد كلاسيكي) يفصل تاريخيا بين الأبنية وتراكماتها على كثرتها وتنوعها. ومع تنوع نظريات السرد، تعقدت الفاعلية السردية وصارت في الحقبة ما بعد الاستعمارية متعددة ومتداخلة، هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى النقد. وأخذ اهتمام المفكرين والفلاسفة يزداد بروايات القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تمثيلا على ما يبتغون تأكيده من آراء وأفكار. وسواء كان الناقد منظرا متخصصا، أو كان أديبا مفكرا، أو فيلسوفا، فإن المبتغى واحد بالعموم وهو تحصيل كشوف وابتكار مفاهيم في مسعى علمي نحو الكشف عن المزيد في مجال الإبداع السردي كعملية منبعها ـ حسب الغربيين ـ (الملاحم الهومرية) ومنتهاها (باجناسية الرواية والقصة القصيرة الغربيتين) ومثلُ ذلك الكشوف السردية، أيا كان شكلها وانتماؤها ومدارسها ومناهجها، فهي وليدة الغرب، وغربيتها توجب لها القوة والشرعية. وما على الآداب الشرقية سوى اتباعها والعمل بها في تحليل الروايات والقصص، لأن لا قبل لهذه الآداب بالمعارضة. وبالفعل تترسخ صورة غربية للنظرية السردية يوما بعد يوم كابتكار غربي ولا مجال لدحض هذا الأمر أو خلخلته.
وما حصل من خلخلة أو زحزحة لبعض أسس هذا الاعتقاد، من لدن النقاد ما بعد الحداثيين، فإنه حصل تحت مظلة وإطار غربيين أيضا، وسواء رفضوا اللوغوس، أو فندوه، فإن المتحصل في كل الأحوال يظل محسوبا لصالح الثقافة الغربية، كما أن ما قدمه إدوارد سعيد وسبيفاك وإيهاب حسن وغيرهم ممن تنتمي أصولهم إلى الشرق، من نقد للمركزية الغربية، يبقى اشتغالا مصطبغا بصبغة الغرب برأسمالييه واشتراكييه، ومحسوبا على الحاضنة والمرحلة التي من خلالهما ظهرت رؤاهم.
ولا ننكر ما للفكر الغربي من غنى وتقدم، ولا نشكك بما في النظريات من براعة في معالجة الفاعلية السردية وتحليلها، لكننا نشدد أيضا على حقيقتين جوهريتين ينبغي ألا تغيب عن البال؛ الأولى حياتية عامة، وهي أن ما أحرزه الغرب من تقدم علمي كان نتيجة طبيعية من نتائج استعمار البلدان والاستحواذ على خيراتها. فتوفر قسط مهم من الثراء كان كافيا ليوفر استقرارا ونماء وغنى. كان من تبعاته الارتقاء المجتمعي على مختلف الصعد العلمية والإنسانية والعمرانية والسياسية، وانعكس ذلك كله على اعتداد الأوروبي بأوروبيته واستهانته، بما هو خلاف ذلك الاعتداد. والحقيقة الثانية أدبية صرفة وهي أن البحث النقدي في الغرب أولى السرد وكل ما له علاقة بدراسته والبحث فيه اهتماما كبيرا، لكنه لم يول تاريخية هذه العلاقة أهمية مماثلة وجادة من ناحية التنقيب عن الأصول الفنية والتطورات التي لا تتجلى إلا في مرويات وأدبيات الحضارات الشرقية القديمة، التي كان لها تأثيرها المهم في الأدب الإغريقي والملاحم الهومرية، التي عليها وضع أرسطو بعد زمن طويل تنظيراته النقدية حول المحاكاة والتخييل والشعر الدرامي والشعر الملحمي، لكنه أي الغرب لم يُظهر اهتماما بمرويات وأدبيات الحضارة العربية الإسلامية وما عرفته من أشكال وأنواع شعرية وقصصية إلا بشكل خاص ومحدود.
وإذا صادف أن يقف الناقد الغربي عند أحد تلك الأصول، فإنه لا يتناولها كمنابع تعود إلى الشرق، وبها تأثر الغرب الاستعماري ( والنهضوي أيضا) بعد عصور طويلة، بل يتناولها كنماذج تدلل على تاريخ البشرية والأطوار التي مرّ بها الفكر البشري أو أنه يدرسها كنصوص أدبية خرافية وأسطورية، تركت أثرا وعلائق في تشكيل الأدب الإنساني لكنها ليست نصوصا تأسيسية أو مصادر عليها بنى الغرب آدابه. وعلى الرغم من أن الباحثين الآثاريين الغربيين، ما زالوا يعنون بدراسة المدونات التي تعود إلى أقدم الحضارات، بيد أن نقاد السرد ومنظريه يتجاهلون دراستها، وإذا وقفوا عند أدبيات ما قبل الميلاد فلن يتعدوا أدبيات الفكر اليوناني الذي تاريخه جزء من تاريخ الشرق في آسيا الصغرى وجزر الأرخبيل وصقلية والإسكندرية وفلسطين والشام وتخوم العراق.

وكأن الفلاسفة المسلمين لم يضيفوا أو يطوروا الفلسفة اليونانية، ويعد أرنست رينان مثالا على المستشرق الذي لا يرى عند العرب ما يمكن تعلمه، جاحدا ما للحضارة العربية من فضل في نهضة أوروبا.

ولا خلاف في أن الإمبراطورية اليونانية كانت لها امتدادات جغرافية هائلة في الشرق القديم لكنها لم تكن لتتعدى العراق الذي كان يحد الإمبراطورية الفارسية من الغرب. أما شرقا فكانت تحاذيها إمبراطوريات ذات حضارات عريقة كالهندية والصينية واليابانية وللأدب في كل واحدة من هذه الإمبراطوريات مكانة فنية وروحية. وغني عن القول إن الإمبراطوريات مرحلة حضارية تالية تاريخيا لأطوار متنوعة من الحكم مرّ بها المجتمع البشري، بدءا من الطوطمية والبربرية إلى الإقطاعية والعبودية وانتهاء بتشكل الدولة والدساتير فكانت الممالك ثم كانت الإمبراطوريات.
ومنها الإمبراطوريتان اليونانية والرومانية، وفيهما ازدهرت الفلسفة والأدب وتأثر العرب في عز حضارتهم الإسلامية بهما، في حين لم يكن للأدب الملحمي والدرامي اليوناني والروماني تأثير فيهم. ربما لأن ما لدى العرب من أدب وما كان يشهده بالعموم من تطور على صعيدي الشعر والقص كان كافيا وملائما لحياتهم وتجاربهم.
واتضح تأثير فلسفتي أرسطو وأفلاطون وغيرهما في الفلاسفة العرب على مدى أربعة قرون من الكندي إلى ابن رشد، ولم تكن لدى الفلاسفة المسلمين عقدة أو تعال، نظرا للعمق الحضاري الذي عاشوا في كنفه فتفاعلوا مع الفكر اليوناني واعترفوا له بالغنى وأفادوا وأضافوا، وقد حمل الفلاسفة المسلمون فلسفة اليونان والرومان وأضافوا إليها وأوصلوها إلى أوروبا، بيد أن الفلاسفة الأوروبيين وقعوا تحت عقدة التفوق وشاعت بين مختلف أجيالهم أفكار نمطية وأحكام تعسفية أشاعوها حول الآرية والسامية. وكأن الفلاسفة المسلمين لم يضيفوا أو يطوروا الفلسفة اليونانية، ويعد أرنست رينان مثالا على المستشرق الذي لا يرى عند العرب ما يمكن تعلمه، جاحدا ما للحضارة العربية من فضل في نهضة أوروبا. ومثل رينان كثير من المستشرقين الذين مرروا أفكارا تعتد بالعقل الأوروبي وتنتقص العقل الشرقي. وقد ظل الناقد الغربي الحداثي في اعتداده بالأدبين اليوناني والروماني محكوما بهذه النظرة الاستشراقية، واجدا في هذين الأدبين القاعدة لأي أصل وتقليد وتنظير سردي أو نقدي، بما في ذلك النقاد من أصول شرقية، فإدوارد سعيد وقف طويلا عند ديربيلو وكتابه «بيلويتك أورنتيال» بينما مرّ مرورا عابرا على ألف ليلة وليلة، وهو الذي أراد كشف استعمارية السرد القصصي والروائي. ومن ثم ظل دائرا في دوامة تفوق العقل الغربي.
وإلى اليوم تعمل مخابر النقد الأدبي على إدامة فكرتي التفوق الغربي والتأصيل اليوناني، دراسة ونمذجة، فلا تراث له غنى وأصول سوى التراث اليوناني. ومن يعد إلى النقد الذي كتبه روائيو ونقاد القرن التاسع عشر ـ الذي فيه بلغ النظام الرأسمالي درجة النضج واستتبت له الهيمنة الاستعمارية ـ فلن يجد تلك النظرة الفوقية التي عُرف بها ناقد القرن العشرين ولا تلك الاتباعية للفكر الأرسطي. بمعنى أن لا مشكلة لدى الأديب الأوروبي في الإفادة من علوم الشرق ومعارفه، غير أن المفكر الأوروبي كان واقعا تحت عقدة حضارية، ولذلك يعود بأصوله إلى اليونان ولا يعترف للشرق بأي أهمية، متغاضيا عما له من عمق تاريخي ومخزون ثقافي. ومن أدباء القرن التاسع عشر الذين لم ينكروا فضل المرويات التراثية الشرقية عليهم، بلزاك وفولتير وسكوت وتولستوي وقبلهم لامارتين ونيرفال وفلوبير وشاتوبريان، الذي كتب عن رحلاته في الشرق قائلا: (إن الشرق أرض العقائد وأرض العجائب.. هذه الأرض العربية أرض العجائب فكل شيء ينبت فيها وكل ساذج أو متعصب يمكنه أن يصير نبيا هناك بدوره). وعلق ادوارد سعيد بالقول: (فقد أصبح نبيا لا لشيء إلا لإقامته في الشرق حسب) وعقب على قول الروائي دزرائيلي في روايته (تانكريد) إن الشرق حياة عملية بالقول: (يجب ألا يُفهم من كلامه أنه يعني أن الشرق لا يمثل إلا حياة عملية للغربيين). وهذا غوته يذكر أن (فاوست) سافر مع جماعة على معطف من ساكس إلى باريس ويعلق السارد قائلا: (التشابه ظاهر جدا بين هذا المعطف، وبساط سليمان الوارد ذكره في قصص ألف ليلة وليلة العربية، وربما كانت هذه هي التي عنها عرفت أوروبا هذا المعطف السحري، لأننا لا نجد له ذكرا عند اليونان أو الرومان أو اليهود والشرق بعامة، قبل القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي). واعترف فكتور هوغو (بأن الآثار الأدبية الإنسانية كالآثار المعمارية والفنية، لا تزداد مع الأيام إلا حرمة ونفاسة، بل إشراقا في بعض الأحيان) وغيرهم كثير من الأدباء الأوروبيين الذين وعوا إنسانية العالم في النظر إلى الشرق عامة والحضارة الإسلامية خاصة، غير متباهين بما صار لأوروبا من نفوذ واستمكان، ولا مغترين بالعقل الأوروبي وقوته.

كاتبة عراقية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com