مقالات

خلاصة تاريخ العراق المعاصر 1970-1980 سمي بـ(عقد رخاء شهده العراق) لامتلاكه (26) مليار دولار

تأميم القطاع النفطي ونتائجه على الاقتصاد العراقي


أن أحد التطورات التي اضفت مكانة على صدام حسين وضمنت له اختراق السياسة الوطنية بوصفه فاعلاً سياسياً رئيساً كان له علاقة بتأميم النفط. ولتأكيدها على رغبة وطنية جياشة بالاستقلال عن النفوذ الغربي، أممت الحكومة الحقول الشغالة لشركة نفط العراق في حزيران 1972. وكان من بين الحقول المؤممة بموجب مرسوم عام 1972 منطقة الامتياز في كركوك، المكتشفة في 1920 (أكتُشفت هذه الحقول في 1926 وليس في 1920 ـ المترجم) وحتى تلكم الفترة ، التي ما انفكت تمثل أساس معظم إنتاج العراق النفطي (يرغين 1991 ، 584).

وتمثل السبب الرئيس لتأميم النفط بالرغبة بإزالة القوة الكابتة لشركة نفط العراق على الاقتصاد العراقي. فالعراق كان بحاجة إلى المزيد من عوائد النفط أكثر مما كان بإمكان شركة نفط العراق على استعداد لتقديمه، وحيث ان أنتاج النفط كان خاضعاً خضوعاً تاماً تقريباً لسيطرة شركة نفط العراق، توجب على الحكومة العراقية زيادة عوائدها من النفط عبر إدخال حقول جديدة إلى حيز الانتاج، مفضلة التعاقد مع شركاء جدد وبشروط أفضل.

وللشروع ببرامج تنموية طموحة، كان العراق مهيئاً للمخاطرة بإغضاب شركة نفط العراق بطلبه من الاتحاد السوفيتي المساعدة في تطوير حقل نفطي كبير آخر، الرميلة، الذي يقع في جنوب العراق وفي الكويت. فصدام هو الذي ذهب إلى موسكو للشروع باجراء محادثات توجت بعقد معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي، الموقعة في نيسان 1972، فضلاً عن إبرام عدد من الاتفاقيات التجارية (تريب 2000، 208).

وفي 1975، كان الاضطلاع الحكومي بإدارة الصناعة النفطية كاملاً، الأمر الذي حصل على ترحيب شعبي كبير. وبين عشية وضحاها، بات النظام البعثي يسيطر على مبالغ مالية كبيرة، قدّرها الخبير العراقي عباس النصراوي بـ(521) مليون دولاراً في 1970 لتتصاعد فتبلغ (26) مليار دولاراً في 1980 (النصراوي 2001، غير منشور).

وعلى حد قول النصراوي، كان هذا العقد “عقد رخاء شهده العراق”. لقد أصبحت إيرادات النفط واحدة من أهم العوامل التي تحدد إطار علاقات العراق بالعالمين العربي والإسلامي وبالغرب. ولسوء الحظ، فأن أربعين بالمائة من إيرادات النفط ذهبت لشراء السلاح من مجهزين غربيين (فرنسيون في معظمهم) وسوفييت، وقد تزايد هذا الرقم في مستهل الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 ـ 1988).

وعلى نحوٍ مهم تماماً، أعطت ايرادات النفط دعماً كبيراً للاقتصاد العراقي. وفي السنوات الفاصلة بين تأميم جميع الحقول النفطية المشتعلة واندلاع الحرب الإيرانية ـ العراقية، فإن سعر النفط المرتفع موّل النمو الواسع النطاق للصحة، والتعليم، وقطاع الإشغال العامة وجعل قطاع البناء والإنشاءات من أكثر المهن ربحاً للطبقة الوسطى المزدهرة. وبسبب المبالغ الكبيرة التي كانت بحوزتها، فقد وسعت الحكومة العراقية الخدمات الاجتماعية، وتزايد الانفاق على التنمية، وتجنيد عدد أكبر من الرجال في الجيش، ومضاعفة مبلغ احتياطيّها من العملة إلى حوالي (40) مليار دولاراً. وبحلول أواخر سبعينيات القرن العشرين، شكل النفط (98%) من صادرات البلد، الأمر الذي حث على نمو إجمالي استثمارات الدولة، التي ارتفعت من (72) مليون ديناراً في 1968 الى (1.2) مليار ديناراً في 1975 (سالوسي 2003، 2005: 76).

 وكانت إحدى نتائج ارتفاع إيرادات النفط تتمثل في نمو طبقة وسطى عراقية. وعلى الرغم من ان هذه الطبقة كانت معتمدة اعتماداً كبيراً على الدولة واشتملت على عددٍ من الصناعات المختلفة (موظفو الدولة في الصناعات المؤممة، ومالكو الأراضي الريفيون المرتبطون بالدولة، وكادر من الحرفيين، كالمدرسين والكوادر الطبية)، فإنها مثلت مصدراً حيوياً للموهبة والخبرة الإداريتين. وعلى نحوٍ مثير، فأن النمو الضخم للشركات الانشائية الخاصة قد فاق كثيراً توسع الشركات الصناعية والزراعية التابعة للدولة. وعلى الرغم من ان الشركات الإنشائية ـ وقد تواجد ابرزها في بغداد، وتكريت، والنجف، والبصرة ـ اعتمدت على المشاريع الحكومية التي يمولها المال النفطي، فقد كانت مهمة أيضاً في تحقيق مشاريع تنموية سريعة تتطلب خبرة أجنبية.

وهذه على وجه الخصوص هي الحالة السائدة منذ 1970 فصاعداً، حين تعاقدت الحكومة مع شركات غربية كبرى متعددة الجنسيات لشراء وإقامة مصانع بتروكيمياوية وانظمة نقل جديدة (فاروق سلاغليت وسلاغليت 1990: 238 ـ250). ولذا، فان:
النظام الشمولي الجديد الأحادي الحزب نجح في تعزيز قطاع صناعي تديره الدولة، وتعبئة الخدمات الاجتماعية وتطويرها، والحد من البطالة، وتوفير فرص أفضل للطبقات الوسطى البازغة، التي نمت من (34%) من النسبة الحضرية في 1968 الى أكثر من (50%) في 1980. وفي الواقع فان الرخاء والتقدم العامين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية كانا ملموسين (عبد الجبار في بوتروسك126،2004) 

وقد أحدث الاستثمار الحكومي في القطاع الاجتماعي أيضا مكاسب مهمة. ففي أواخر سبعينيات القرن العشرين، اندفعت الدولة العراقية اندفاعاً كبيراً لدعم تعلم القراءة والكتابة، وزعمت أنها بحلول اواخر ثمانينيات القرن العشرين قد وصلت إلى معدل مذهل بمعرفة القراءة والكتابة بلغ (95%)، مرتفعاً مما يقارب (55%) في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وقد تمخض الالتزام العراقي برفع معدل القراءة والكتابة عن توسع في النظام التعليمي في سبعينيات القرن العشرين، ولاسيما في المدن الأكبر. وعلى سبيل المثال، ازدادت وتيرة التعليم المهني ثلاثة إضعاف منذ 1977، إلى أكثر من (120.090) الف طالباً في 1986. وبلغ عدد الطلاب في جامعة بغداد، بكلياتها المختلفة (34.555) الف طالباً في 1988، وقد ضمت الجامعة المستنصرية (11.686) الف طالباً والجامعة التكنولوجية (7.584) الف طالباً.

وضمت جامعات البصرة، والموصل، واربيل (كردستان العراق) “(26%) من جميع الطلبة المقبولين في التعليم في السنة الدراسية 1983-1984” (الحريري 1988 ، غير منشور). وكان هذا الجانب الأكثر إثارة للاعجاب لأنَّ التعليم، بما فيه التعليم العالي، كان في معظمه مجانياً ،وحتى 1982، فأن العديد من طلبة الدراسات العليا حصلوا على بعثات وزمالات حكومية للدراسة في الخارج (واتنبو وآخرون2003 ،غير منشور) 

وقد تدفقت عوائد النفط أيضا على قطاع الصحة: فالرعاية الصحية كانت مجانية. وبحلول 1988، احتوت بغداد على مستشفيات أكثر مما احتوته  أية مدينة أخرى في البلاد، بمعدل يبلغ (37%) تقريباً من الإجمالي. وقد أنشأت الدولة أيضا مستوصفات ريفية، وكان يتوجب على الأطباء المقيمين الخدمة فيها لمدة أربع سنوات قبل العودة إلى مساقط رؤوسهم. وفي نهاية الأمر، جرى على نحوٍ منتظم دفع أجور الحماية الاجتماعية، وتعويضات للعاملين، ورواتب تقاعدية إلى المتقاعدين والمسنين.

ومهما يكن من أمر، فان الاعتماد الكامل تقريباً على الدولة ترك قطاعات كبيرة في الاقتصاد العراقي، حكومية وخاصة، مفتوحة على نحوٍ واسع للمضاربة الحكومية. والأهم، ففي ظل حكم صدام حسين، فأن مصادرة الثروات والزج بالسجون وأحيانا إعدام التجار العراقيين، والصناعيين، ورؤساء الشركات الإنشائية الخاصة قد حدثت على نحوٍ منتظم يدعو للحزن. ونتيجة لذلك، فأن انعدام الأمن السياسي فضلاً عن الأمن المالي استمرا بتقفي أثر الطبقة الوسطى العراقية طوال سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. 


التحدي الشيوعي

في 1968، حين ترأس البكر الحكومة البعثية التي وصلت إلى السلطة، ما انفك الحزب الشيوعي العراقي وقتها يحوز على نفوذ في مدن العراق الكبرى. وعلى الرغم من تضاؤل عضويته بسبب الاعتقالات، والسجن، والاعدامات، فقد احتفظ الحزب الشيوعي العراقي بأساسٍ صلب بين المجموعات العمالية وائتلافات الطلبة والروابط النسوية. ومهما يكن من أمر، فان جيل سياسي جديد، مكون من أعضاء الحزب القدامى المتبقين والاستراتيجيين السياسيين الشباب ممن كانوا قد ارتقوا في صفوف الحزب، كانوا منقسمين حيال الإستراتيجية التي يناصرونها. وقد أيدت أحدى المجموعات الشروع بثورة اجتماعية عبر تأسيس حزب حضري جماهيري، في حين دعمت مجموعة اخرى القيام بحملة تعليمية كبرى في الريف لتهيئة السبيل أمام تغيير جذري. ولكن لم يكن بإمكان الشيوعيين القيام بالكثير في أواخر ستينيات القرن العشرين، فقيادة الحزب الشيوعي العراقي تتواجد في معظمها في كردستان العراق، بعيداً عن المركز الحقيقي للسلطة، وكانت قاعدتها مفككة، حيث كان العديد من أعضائها متوارين أو قابعين في السجون

 وفي هذه الفترة الحاسمة فان حزب البعث الصاعد حديثاً الى السلطة، الذي يأمل في تدعيم أوراق اعتماده الثورية فضلاً عن بلورة تحالف مع الاتحاد السوفيتي،طلب من القيادة الشيوعية أن تنضم الى جبهة وطنية تقدمية. وقد وضعت هذه الدعوة الشيوعيين في مأزق . وعلى الرغم من اعترافهم بالمحتوى المعادي للامبريالية للعقيدة البعثية ،فان الشيوعيين لم تنطلِ عليهم بالمرة الممارسات البعثية المناهضة للديمقراطية (سالوسي 2003 ،60:2005). وبينما تعززت العلاقات بين الشيوعيين والطغمة البعثية الحاكمة جراء تأميم شركة نفط العراق في 1972، وإصدار قانون جديد للإصلاح الزراعي ، والعلاقات السوفيتية المؤيدة تأييداً صريحاً للحكومة ،فأن الشيوعيين لم يكونوا بمنأى تماماً عن حكم الرعب البعثي.

 
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com