متفرقات

حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز*

حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز*

مؤامرة الشواف من جديد من خلال رؤية شاهد عيان

أثارت ولا تزال تثار الأسئلة والتشكيكات بل والتحريفات عن ما سمي بـ (مؤامرة الشواف) التي حصلت أحداثها في الموصل، وللوقوف على الحقائق الموثقة كان هذا اللقاء مع شاهد عيان ومشارك في الأحداث لنتابع القضية بتفاصيلها وحيثياتها، بعد أكثر من نصف قرن على وقوعها.. لذا يتوجب علينا أولاً التمعن جيدا ومحاكاة الأحداث في زمانها ومكانها، والظروف السائدة آنذاك، كي لا نقع في خطأ التقييم، فلكل زمان ومكان أحكامه وظروفه الخاصة التي علينا أخذها بالحسبان، فليس من الصحيح قراءة الأحداث بمعزل عن تلك الظروف، ولا بعقلية وقوانين هذا الزمان، وهذا اللقاء مع الدكتور خليل عبد العزيز هو محاولة جادة لتوثيق الحقيقة لا غير ..

الحلقة الاولى
اجرى الحوار- محمـد الكحط

قلت للدكتور خليل: في البداية نرجو منكم أيضاح طبيعة الأوضاع السياسية السائدة آنذاك في العراق بشكل عام وفي الموصل تحديدا…؟
– بعد أنتصار ثورة الجيش والشعب في الرابع عشر من تموز 1958، وتأسيس أول جمهورية في العراق، بدأت على الفور النشاطات والأعمال المعادية، فبجانب تحركات القوات العسكرية البريطانية والأمريكية التي اتخذت من الاردن ولبنان معسكرات لها، وأطلقت التهديدات بالقضاء على ثورة 14 تموز، بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي والقوميون، والأخوان المسلمون- بشن حملات دعائية ضد النظام الجمهوري، وكان الرجل الثاني في قيادة الثورة العقيد عبد السلام عارف قائدا للنشاط التخريبي للإطاحة بثورة تموز وقائدها الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، داعيا للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، كما أجرى المعارضون اتصالات رسمية وغير رسمية مع القادة والمسؤولين في كل من القاهرة ودمشق. وتم تنظيم مظاهرات وتحشدات تدعو لإعلان الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وتخلى البعثيون عن جميع الشعارات الوطنية التي كانت تتبناها (جبهة الاتحاد الوطني)، بالرغم من اشتراكهم رسميا في أول وزارة بعد ثورة 14 تموز. وكان لابد من مواجهة هذا النشاط المعادي، ففي الجانب الدولي بادر الاتحاد السوفيتي بإطلاق الإنذارات للولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاستعمارية، وهددوا بالتدخل ضد أي هجوم عسكري على الجمهورية الفتية، كما تم بسرعة تنظيم مناورات حربية على الحدود الإيرانية والتركية، وجرى تحريك الأساطيل الى البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.
وفي العراق نظم الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب والقوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني مظاهرات واجتماعات جماهيرية للتنديد بمحاولات التدخلات الخارجية والوقوف ضد نشاط القوى المعادية وبعض شيوخ العشائر.
أدت تلك الأحداث الى توتر الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وبالرغم من التوجه السياسي الذي سارت عليه حكومة الثورة في التصدي لمحاولات التخريب، إلا أن نشاطات القوى المضادة لم تتوقف، وبالطبع فأن ذلك شمل مدينة الموصل ولابد من القول أن أغلبية الضباط العسكريين من أهل المدينة كانوا يقفون الى جانب البعثيين والقوميين وإخوان المسلمين، ويتلقون الإسناد والدعم من قائد آمر موقع الموصل العقيد عبد الوهاب الشواف.

– من هو العقيد عبد الوهاب الشواف…؟
– الشواف هو آمر موقع الموصل، وتم تعيينه من قبل قيادة الثورة، ومنذ تسلمه المنصب كان الشواف يبدي عدم رضاه من قيادة الثورة، ويدعي بأنهم لم ينفذوا وعودهم بتعيينه بمنصب الحاكم العسكري العام، وإعطائه حقيبة إحدى الوزارات السيادية، وكان لا يخفي موقفه هذا ويشدد التركيز في هجومه على العقيد عبد السلام عارف، والمفارقة ان الشواف وعبد السلام عارف إتخذا من نجاح الثورة موقفا متشابها ضد النظام الثوري الجديد.
– ما خلفية الحدث وكيف بدأت الأحداث، بتسلسلها؟
– لقد تلقت القوى البعثية والقومية والإسلامية وشيوخ العشائر تأييدا ودعما قويا من السلطات العسكرية والأمنية في الموصل، ومارست نشاطها المعادي دون أي خوف أو تحفظات، والى جانب ذلك فأن القوى الوطنية من شيوعيين وديمقراطيين والمنظمات الشعبية ونقابات العمال، كانت تعلن بوضوح عن دعمها وتأييدها للجمهورية وقائدها عبد الكريم قاسم، وتندد بشعارات الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. ان هذه النشاطات والتحركات من قبل المعادين والمؤيدين للثورة، خلقت أوضاعا معقدة ومتوترة في الموصل والأقضية والنواحي التابعة لها، وأصبح الإنقسام واضحا للجميع وعلى جميع المستويات، وحتى في صفوف القوات المسلحة.

– هل كانت هنالك أياد خفية لتأجيج الأوضاع، أو اشخاص معينون؟
لعب مقدم اللواء محمود عزيز دورا خطيرا في تأجيج الصراع والتنديد بثورة تموز وزعيمها والحقد والكراهية للشيوعيين والديمقراطيين، وكان لولب الاتصالات مع المسؤولين في الجمهورية العربية المتحدة، وأجرى اتصالات مع مسؤوليها وسافر سراً الى دمشق والتقى مع وزير الداخلية عبد الحميد السراج، وبحث معه النشاطات التي تمارسها القوى القومية والبعثية في سبيل تحقيق الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، مؤكدا ان القطعات العسكرية في الموصل وقائدها العقيد عبد الوهاب الشواف عقدت اتفاقات وتحالفات مع ضباط كباريحيطون بالزعيم عبد الكريم قاسم للقيام بعملية انقلابية تطيح بالجمهورية العراقية، وتقضي على الشيوعيين وأنصارهم، وان رئيس الاستخبارات العسكرية رفعت الحاج سري والزعيم ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك وغيرهما من قادة الجيش العراقي قد أعلنوا تأييدهم واستعدادهم للمشاركة في العملية الإنقلابية.
من جانبه أعلن عبد الحميد السراج تأييد ودعم الجمهورية العربية المتحدة للانقلاب المنتظر، وأبدى موافقته على تزويد الانقلابيين بطلباتهم وهي محطة اذاعة و400 رشاشة بور سعيد وتجهيزات عسكرية مع إرسال أكثر من 300 متطوع عسكري للقتال بجانب المتآمرين، لكنه رفض تزويدهم بالطائرات العسكرية في المرحلة الأولى من الانقلاب.
وأخذت الاتصالات تتوالى مع قادة الجمهورية العربية المتحدة، وفي هذه الأثناء كان الشيوعيون وأنصارهم يبذلون الجهود الكبيرة لإقناع الضباط وقادة المنظمات المناوئة بإيقاف نشاطاتهم والانضمام الى القوى والأحزاب والمنظمات لتوطيد النظام الجمهوري وطرح مطالبهم وآرائهم عن طريق ممثليهم في الحكومة، خاصة وان سكرتير حزب البعث آنذاك فؤاد الركابي يشارك في الوزارة، لكن قوى الردة لم تتجاوب، بل واصلوا تآمرهم سراً وعلناً للإطاحة بالنظام الجمهوري، وضم العراق الى الجمهورية العربية المتحدة. وفي هذه الأجواء تم الاعلان عن عقد مهرجان لأنصار السلام، تشارك فيه منظماتهم من كافة أنحاء العراق في مدينة الموصل. فوقع هذا الأمر كالصاعقة على رأس القوى المعادية، فسارع آمر موقع الموصل العقيد عبد الوهاب الشواف بالسفر الى بغداد، والتقى بالحاكم العسكري العام الزعيم أحمد صالح العبدي والمسؤولين في وزارة الدفاع، وفي لقائه مع الزعيم عبد الكريم قاسم طالب بإلغاء مهرجان السلام، لكن طلبه قوبل بالرفض، وطلب الزعيم حماية المهرجان وعدم السماح بالاستفزازات والاعتداءات على المشاركين في المهرجان، وأهدى الزعيم صورة فوتوغرافية حديثة للشواف، وتم التقاط صورة تجمعه مع الشواف. عاد آمر الموقع للموصل، وبدأ على الفور استعدادات للعصيان العسكري بعد اتفاقه مع عدد من ضباط الجيش الكبار وقادة فرق، بينما بادر وفد يمثل القوى الوطنية في الموصل بلقاء الزعيم الركن ناظم الطبقجلي في كركوك باعتبار ان موقع الموصل يتبع له من الناحية الإدارية، وكنت ضمن هذا الوفد. لقد أكد الطبقجلي بأن الوضع السياسي معقد جداً ليس في الموصل فقط، بل في العراق عموماً، وأنه غير موافق على سياسة عبد الكريم قاسم، وأنه ضد الأخذ بالمبادئ الديمقراطية وحرية الرأي والكلام والتجمعات والمظاهرات في الوقت الحاضر، وأشار الى انه تحدث مع الشواف وطلب منه السيطرة على الأوضاع في الموصل. وقد فهمنا بشكل واضح ان الطبقجلي يؤيد الشواف.

– من بدأ بالعنف إذن، ومن أي طرف جاءت الأوامر؟؟
كانت هنالك محاولة لنسف القطار الذي يحمل المشاركين في المهرجان القادم من بغداد، وتم وضع متفجرات وقنابل تحت سكة الحديد، ولكن في اللحظات الأخيرة تم اكتشافها وجرى رفعها من قبل المواطنين والعسكريين الموالين لثورة تموز.
وصل أنصار السلام للموصل وفي السادس من آذار 1959، جرت مسيرة حاشدة متجهة الى ملعب الموصل، خلالها تعرضت الى سلسلة من الاعتداءات والضرب وإطلاق هتافات استفزازية، قوبلت بهدوء وضبط النفس.
وتم عقد المهرجان بحضور جماهيري واسع لم تشهد له المدينة مثيلا من قبل، حيث انطلقت الفعاليات في السادس من مارس (آذار) عام 1959، وتطرق الخطباء الى ثورة تموز ومنجزاتها، داعين الى الدفاع عنها، والوقوف بوجه المتآمرين وفضح أساليبهم، والسير تحت قيادة الزعيم قاسم، ولوحظ انه لم يتم التطرق والتهجم على الجمهورية العربية المتحدة وقادتها، لقد أنتهى المهرجان بهدوء تام والألتزام بالحذر واليقظة. في اليوم الثاني المصادف السابع من آذار، خرج المتآمرون بمظاهرة تهتف بسقوط الثورة وزعيمها ومؤيديها من الشيوعيين والديمقراطيين، فسارعت القوى الوطنية بالتحشيد وتسيير المظاهرات للتنديد بالخونة أعداء الوطن والشعب في منطقة الساعة وشارعي الفاروق و نينوى، وجرت مواجهات بالحجارة والعصي بين الجانبين، وعلى أثرها تم دحر المتآمرين. وحسب الخطة التي كان قد أعدها قادة المؤامرة نزلت القوات العسكرية الى الساحات والشوارع بكامل أسلحتها، وتم الاعلان من خلال مكبرات الصوت عن حظر التجول لإشعار آخر مع التهديد بأطلاق النار على كل من يخالف القرار.
على أثر ذلك بادرت قوات من الجيش والشرطة بتنفيذ أوامر القبض على قادة ونشطاء الحزب الشيوعي العراقي والنقابات العمالية واتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة والشخصيات الوطنية والاجتماعية، وذلك حسب قوائم معدة مسبقا من قبل المتآمرين.
تم أعتقالي، وقالوا لي بأن آمر الموقع العقيد الشواف يطلبك مع آخرين للبحث فيما وصلت الأوضاع من الفوضى والمظاهرات في الشوارع، على أثر وصولي الى موقع الشواف في معسكر الغزلاني كان قد سبقني الى هناك ممثل الحزب الشيوعي عبد الرحمن القصاب وآخرون، بقينا في انتظار المقابلة بالغرفة المجاورة للعقيد الشواف، وفجأة وقبل منتصف الليل سمعنا حركة غير أعتيادية، وشاهدنا من النافذة سيارات عسكرية يجري انزال صناديق السلاح منها وصناديق أخرى، تبين فيما بعد انها كانت لمحطة إذاعة وتجهيزات عسكرية بينها رشاشات بور سعيد، وكان يرافق هذه السيارات محمود الدرة وسامي باشعالم، وهما من المشاركين الفاعلين في المؤامرة، طال انتظارنا وفي النهاية دعينا الى مقابلة الشواف في غرفته، رأيناه قلقا ومرتبكاً على غير العادة، وأخذ يصيح بنا ((هذا ما أردتموه….المظاهرات والفوضى والإخلال بالأمن تسود المدينة…))، فقاطعه عبد الرحمن القصاب قائلا، ((نحن لسنا مسؤولين بل ان المتآمرين وأعداء الجمهورية يتحملون كل المسؤولية…وأضاف، أسمع أيها العقيد ان مصيرك سيكون السحل في شوارع الموصل، إذا أعلنت رسميا عن انقلابك ومؤامرتك…))، في هذه الأثناء دخل مقدم اللواء محمود عزيز وتشاور بصوت خافت مع الشواف، على أثرها صرخ فينا ((أخرجوا من هنا، سنلقنكم درسا لن تنسوه مدى الحياة…))، وتم إخراجنا من الغرفة ووضع كل منا في سيارة عسكرية وخلفها سيارة مسلحة، وأخذنا نجتاز شوارع المدينة لا نعرف الى أين…، في النهاية وصلنا الثكنة الحجرية التي فيها مدرسة التعبئة الصغرى العسكرية، وتم زجنا في احدى الغرف تحت حراسة مشددة، وأخذ الباب يفتح بين حينٍ وآخر، ويدخل الينا موقوفون جدد..، لم يكن هناك شخص غريب، فكلنا كنا أصدقاء ومتعارفين، أنهم من الشخصيات الوطنية ونشطاء النقابات العمالية واتحاد الشبيبة واتحاد الطلبة، ولم يقدموا لنا الطعام أو الماء، وسألنا الحراس عن ماذا جرى ويجري…؟، قالوا ان ثورة قامت في الموصل ضد عبد الكريم قاسم وضد الشيوعيين، كنا في الغرفة الصغيرة حوالي خمسين شخصا، وفي الطابق الثاني من الثكنة كانت هناك مجموعة أخرى من المعتقلين، وبناء على قرار الشواف وضع العشرات من الضباط والجنود في السجن، أيضاً في نفس الثكنة.
الحلقة الثانية والاخيرة
*كيف كانت تداعيات الوضع وردة الفعل؟ وما موقف الجماهير من تدهور الأوضاع…؟
طوال يوم 8 آذار كنا معزولين عن العالم، لا نعرف شيئا عما يدور في مدينتنا الموصل، عدا بعض الهمسات من الحرس الذين أكدوا قيام عمل عسكري وظهور مدنيين مسلحين في الشوارع يساندون قطعات الجيش، وفي التاسع من آذار صباحا سمعنا أصوات إطلاقات نارية وانفجار صاروخ، تبين فيما بعد ان طائرات قادمة من بغداد، وان الطائرة التي كان يقودها النقيب الطيار خالد ساره قد قصفت مقر آمر موقع الموصل وأصابت الشواف بجروح، على أثرها هرب الى مقر القوة الجوية لتلقي العلاج في عيادتها الطبية، وقد قوبل من الضباط والجنود بهتافات تشيد بثورة تموز وزعيمها قاسم، وبادر أحد الجنود بأطلاق النار على الشواف مما أدى الى مصرعه، وفي هذا الوقت غادرت الموصل طائرتان أرسلهما المتآمرون لقصف مرسلات اذاعة بغداد ومقر الزعيم عبد الكريم قاسم، وبالفعل تم قصف المرسلات، وأصيب بعض الحراس، ولم تتمكن الطائرتان من الوصول الى وزارة الدفاع، ورجعتا الى الموصل، وأثناء محاولة هبوطهما شاهدا الضباط والجنود وهم يهتفون ضد المتآمرين، ومن مدرج المطار عاد الملازم الطيار صائب الصافي للطيران بأتجاه سوريا، ولكنه لم يستطع الوصول اليها بسبب نفاذ الوقود، ونزل على بعد عشرين كيلومترا من الحدود العراقية السورية، وهوجم من قبل المواطنين، وتم القضاء عليه، بينما قائد الطائرة الثانية الملازم فاضل ناصر أستطاع النزول وتم اعتقاله. في خضم هذا القصف الجوي المتبادل ومقتل الشواف، بدأ البث الإذاعي في محطة تم تسميتها إذاعة الموصل، والذي قام بتشغيلها مهندس سوري وصل مع جهاز الإذاعة الى الموصل، قرأ البيان الأول محمود الدرة، وركز البيان الذي كان بتوقيع الشواف، الهجوم على قاسم متهماً إياه بخيانة ثورة 14 تموز والعبث بمبادئها وأهدافها، وهاجم ما أسماه بالجهات الغوغائية، وطالب بتنحي ((الطاغية المجنون وزمرته عن الحكم، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا…، وقال: بعد أتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط ومشاوراتنا مع العناصر السياسية عزمنا على تحرير وطننا))، كانت الإذاعة غير واضحة، لذلك أعيد قراءة البيان مرات عديدة، ثم تولت أذاعتا دمشق والقاهرة قراءته، وأكدا بكذب واضح، أنهما يذيعان البيان نقلا عن إذاعة راديو الموصل.
بعد مقتل الشواف هرع مقدم اللواء محمود عزيز الى الثكنة وفي جيبه قرار إعدام المعتقلين بالأسماء من العناصر المدنية والعسكرية، وكانت مجموعة من أنصاره برفقته، وفي مدخل الثكنة لحق به آمر كتيبة الهندسة عبد الله الشاوي، وأخبر محمود عزيز بأن لا فائدة من الاستمرار في العصيان، وان الشواف قد قتل، وعلى الفور بادر الملازم الأول خير الله عسكر الذي كان يرافق محمود عزيز بأطلاق النار على أبن عمه عبد الله الشاوي، مما أدى الى مصرعه.
صعد محمود عزيز الى الطابق الثاني وسأل عن المحامي كامل قزانجي وأطلق النار عليه من الخلف وأرداه قتيلا، ثم نزل الينا في الطابق الأول وفتح الباب وقال وهو يرتجف ومرتبك وعلى وجهه آثار جروح نتيجة قصف موقع الشواف، ((يجب أن تخرجوا واحدا واحدا للأنتقام منكم، وليأت خوروشوف لأنقاذكم…))، وبدون أتفاق مسبق قلنا له، ((لن نخرج واحدا واحدا، بل سنبقى في أماكننا وتستطيع قتلنا جميعا…، في هذه اللحظات أسرع اليه بعض الضباط صارخين ان جنود كتيبة الهندسة ومواطنين يهاجمون الثكنة الحجرية ويطلقون النار، فأغلق باب غرفتنا وهرع للأشراف على مقاومة المهاجمين، لكن الهجوم تواصل بشكل عنيف، في هذه الأثناء بادر المتآمرون بأطلاق النار على باب غرفتنا مما أدى الى إصابة العديد منا بشظايا وأحجار الجدران، تمكن محمود عزيز الهروب من الثكنة نازعاً رتبته العسكرية، ومعه مجموعة من المتآمرين باتجاه سوريا، وبالفعل وصلها سالماً.
استمر القتال في الثكنة وأستطاع جنود كتيبة الهندسة من السيطرة على الموقف، وأخذوا ينادون ((أين أنتم أيها الوطنيون الموقوفون…))، ووصلوا الى الغرف وفتحوا الأبواب مهنئين وطالبين منا الخروج فوراً الى الشارع، بعد التزود بالسلاح من المشاجب للمشاركة في قتال المتآمرين، من الضباط والجنود والبعثيين والقوميين الذين أرتدوا الملابس العسكرية معهم مجموعات من عوائل بيت كشمولة والأغوات والنجفي (الذين تغير لقبهم بعد ذلك الى النجيفي)، وبقايا الإقطاعيين وأيتام العهد الملكي، بينما فضلت عشائر شمر التي تم أستدعاؤها من قبل الشواف البقاء على مشارف مدينة الموصل، بانتظار ما ستسفر عنه نتائج القتال.
أستمرت المواجهات في الشوارع طيلة الليل وفي صباح العاشر من آذار وصلت مجموعات من العشائر الكردية قادمة من زاخو ودهوك وعقره، وشاركت في القتال ضد المتآمرين وأنصارهم، ووصل الموصل العقيد حسن عبود آمر الموقع الجديد، وفور وصوله عقد اجتماعا مع المؤيدين لثورة تموز، كما التقى ممثلي الحزب الشيوعي ونقابات العمال ومنظمات الطلبة والشبيبة وأنصار السلام، وأكد أنه يتمتع بصلاحيات واسعة للقضاء على جيوب المقاومة والقاء القبض على المتآمرين…، في هذه الأثناء أستطاع ضباط الشواف وبعض أنصاره من الهروب الى سوريا.
أستمرت المعارك وكان أبرزها مواجهة المتآمرين المعتصمين في بيت آلـ كشمولة والأغوات، وبالفعل تم إسكات النيران وأعتقال العديد من هؤلاء ووضع قسم منهم في موقف المقاومة الشعبية ومعسكر الغزلاني.
لابد هنا من توضيح، حول مقتل (حفصة العمري)، التي جعلتها اذاعة صوت العرب والبعثيون والقوميون بطلة مقاومة وشهيدة، فما حصل عند هروب مجموعات من الضباط والجنود الموالين للشواف التجأوا الى بيت العمري، وأخذوا يطلقون النار بكثافة على جنود كتيبة الهندسة، وأستمر إطلاق النار بالرغم من نداءات للمتآمرين بوقف أعمالهم الطائشة، لكنهم لم يستجيبوا وحاول البعض منهم الفرار وكان من بينهم، حفصة العمري، لكنهم ووجهوا بنيران كثيفة وأستمر التراشق بالسلاح، وبعد السيطرة على الموقف تم العثور على جثث المتآمرين داخل البيت ومن بينهم حفصة العمري، وجرى إنزال الجثث الى الشارع، وقد حاولت مجموعات من الجنود والجماهير سحل جثة حفصة العمري، وطلبوا مساعدة من مركز المقاومة، ووصلت الى بيت العمري ورأيت أعدادا غفيرة تحيط بالجثث وتريد الانتقام بسحلها، واستطعنا بعد جهود كبيرة إقناع الناس بإرسال الجثث الى الطب العدلي، وبالفعل حدث ذلك، وأنتهى الموضوع، في المساء فوجئنا بإذاعة صوت العرب من القاهرة وعلى لسان مذيعها (أحمد سعيد)، تمجد شهيدتهم حفصة العمري، مدعين أنها سحلت في الشارع، واتصل بنا الحاكم العسكري الزعيم أحمد صالح العبدي متسائلا عن حقيقة ما حدث..، وتم توضيح الموقف له، منذ ذلك الحين وحتى الآن نرى في وسائل إعلام القوى المعادية من البعثيين والقوميين وفي الكتب الصفراء التي يشرفون على إصدارها مقالات تشيد بالبطلة المزعومة وتوجه الاتهام الى الشيوعيين وأنصارهم بقتل وسحل حفصة، رغم ان ذلك لم يحدث أبدا..

– كان الاعلام المعاكس للقوى التي قامت بالتآمر يعكس صورا مرعبة عما حدث، كيف تفسر ذلك؟
– ان الحاقدين من المتآمرين وأعوانهم سابقاً وحالياً مازالوا يواصلون أكاذيبهم، ويؤكدون ان الشيوعيين والديمقراطيين قاموا بإرتكاب جرائم بحق المتآمرين، وان عدد ضحاياهم وصل الى عدة آلاف..، بالطبع فأن هذه الإدعاءات كاذبة وغير صحيحة، صحيح هنالك العشرات من القتلى والجرحى من كلا الجانبين، وكان الشيوعيون يحاولون الإبتعاد عن إلحاق الأذى والدمار، ويدعون الجماهير الغاضبة لتسليم الأسرى من المتآمرين الى المقاومة الشعبية وقوات الجيش، وبالفعل تم أعتقال الكثير من المتآمرين أعداء الجمهورية.
كما حصل حادث خاطئ قام به بعض الشيوعيين في الموصل وبدون قرار أو تأييد من منظمة الحزب في الموصل، إذ جرى أختيار 17 متآمراً من الخطرين، والذين قاموا بأعمال القتل العشوائي ضد الجماهير الشعبية، وتم نقلهم الى منطقة (الدملماجة)، في ضواحي الموصل، وجرى قتلهم، هذه الواقعة أثارت أستياء الشيوعيين والمقاومين الشعبيين والمنظمات الجماهيرية، وتم استنكارها والدعوة لمحاسبة القائمين عليها. لقد أستغل الأعداء هذا الحادث ومازالوا حتى اليوم يؤكدون على واقعة الـ (الدملماجة)، متناسين جرائمهم البشعة بحق الشعب والوطن، وفي الوقت ذاته يتجنبون مواقف قيادة الحزب الشيوعي في أستنكار هذه الحادثة وشجبها.
– ألم يكن بالإمكان تجاوز الحدث واللجوء للسلم بدلا من التصعيد؟- لمن خدمت الأحداث…؟
لم تكن هنالك أمكانية لتجاوز الصدام، فبعد استكمال تصفية جيوب مقاومة المتآمرين من ضباط ومدنيين في المؤامرة، بفضل التعاون بين القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، عادت الأمور في الموصل الى حالتها الطبيعية، ولكن الى حين، أن أيتام المتآمرين من عوائل آلـ كشمولة والأغوات والنجفي والأخوان المسلمين والاقطاعيون ورؤساء العشائر نظموا حملة دموية تمثلت بالاغتيالات التي شملت الشيوعيين والمقاومة الشعبية والمنظمات الديمقراطية والشخصيات الوطنية، وكان من يقوم بتنفيذ الاغتيالات فرق من هؤلاء، وكانت الاغتيالات تتم بعلم قوات الشرطة التي كان يقودها إسماعيل عباوي مدير شرطة الموصل، وقوات الأمن كانت تتغاضى عما يجري من إغتيالات طالت المئات.
وكان المتآمرون يشنون حملة إعلامية متهمين القوى الوطنية بأنها السبب فيما جرى ويجري، يدعون كذبا ان الشيوعيين قتلوا الآلاف من البعثيين والقوميين وأنصارهم، بينما واقع الحال والمعطيات الرسمية تؤكد انهم من قاد أعمال القتل في الموصل، أنني هنا أنقل ما جاء في الكتاب الموسوعي للمحامي جرجيس فتح الله في الجزء الثالث ((نظرات في القومية العربية مداً وجزراً حتى 1970)) ص1163-1164، كتب لي الدكتور خليل عبد العزيز وهو أبن بلدي وواحد من كان ضباط الشواف قد أعتقلهم معنا عشية يوم 7 آذار 1959، وأودعهم القلعة الحجرية يقول: ((أبعث اليك بنص الحديث الذي جرى بين أحمد حسن البكر وبيني في مكتبه الرئاسي بالقصر الجمهوري، وقد زرت العراق بناء على دعوة خاصة منه بوصفي عضو اللجنة التحضيرية السوفيتية للاحتفال بالذكرى الألفية لميلاد الفارابي، كان واقفاً وسط المكتب يقلب بعض الأوراق على أثر اجتماع مجلس قيادة الثورة، رفع رأسه ونظر إليّ وقال: ((أنت الدكتور خليل عبد العزيز، ظننت أني سألتقي شخصا عجوزا يتوكأ على عصا، لكنك تبدو شاباَ، في مقتبل العمر، كم كان عمرك سألتك بالله عندما قمت مع رفاقك بقتل الآلاف من القوميين والبعثيين في ثورة الشواف؟))، فاجئي بهذا السؤال والاستقبال إلا أنني سألته، سيدة الرئيس أريد ان أسألك، كم قتلتم أنتم أثر مؤامرة الشواف من المواطنين..؟؟، فقاطعني بقوله، ((أنني أكبر منك سناً، وأنا الذي سألت أولا..قل لي كم قتلتم؟))، أجبته أنتم قتلتم بعد مؤامرة الشواف 320 مواطنا مسالماً، ونحن قتلنا حوالي 32 شخصا خلال المؤامرة وأثناء القتال بين الطرفين، لكنكم تتهموننا بقتل أكثر من عشرة آلاف، وما زلتم ترددون ذلك، إذاعة صوت العرب تردد أيضا، هذا الزعم دائما، وإعلامكم يعيد هذا بأستمرار، وأنا أتحدى ان تأتوا بأسم شخص واحد خلافاً لأولائك الذين قررتم منح ذويهم راتبا تقاعديا مدى الحياة، ونشرتم قراركم هذا في جريدة الوقائع العراقية، (الجريدة الرسمية للحكومة العراقية)، هذا واقع لا يمكن نكرانه، نحن قتلنا 32 خلال القتال وأنتم قتلتم أكثر من 320 بعد المؤامرة وفي فترة السلم، هنا تبدلت لهجة البكر وسألني، ((لمصلحة من كان ذلك…؟))، قلت بالطبع لمصلحة الرجعية.

– ما هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك؟
ان البعثيين والقوميين وبعض العناصر الاسلامية كانوا قبل وبعد مؤامرة الشواف يمارسون الكذب وتلفيق الحقائق وتقديم صورة مشوهة للأحداث تخدم أهدافهم وتوجهاتهم في القضاء على كل تحرك وطني ديمقراطي، يخدم مصلحة الوطن والشعب، وأستطاعوا إحراز نجاحات في هذا الشأن، ووقفت القوى المعادية في البلدان العربية وكذلك في الدول الغربية الى جانب الحملة ضد الشيوعيين والتقدميين في العراق، ولكن دائما وأبداَ، فأن الكذب لا يستطيع ان يكون المسيطر على الحقيقة والواقع.

– في تقييمك اليوم لما حصل، ماذا تقول اليوم؟
ان مأثرة وبطولة الجماهير الشعبية بقيادة الشيوعيين في قمع مؤامرة الشواف ستبقى علامة مضيئة في مسيرة الشيوعيين العراقيين وإخلاصهم لقضية الوطن والشعب.
وان هذه المؤامرة أكدت خيانة وعمالة القوى المعادية وتنكرها لمصلحة شعبنا العراقي، وأعتقد أنه من الضروري تركيز الأضواء ونشر البحوث والمقالات عن الأحداث التي مرت بها بلادنا خاصة بعد ثورة الجيش والشعب في الرابع عشر من تموز 1958، لتكون في متناول الأجيال الجديدة، ودروساً في الوطنية وحب الوطن.
هوامش:

1- العقيد الركن عبد الوهاب الشواف: ولد عبد الوهاب الشواف عام 1916م، دخل الكلية العسكرية ببغداد عام 1936-1937م ثم تخرج فيها وتقلد عدة مناصب عسكرية وشارك مع جماعة الضباط الأحرار.
2- ناظم الطبقجلي: عميد ركن في الجيش العراقي وعضو في تنظيم الضباط الأحرار.
3- رفعت الحاج سري: رئيس الاستخبارات العسكرية، مؤسس تنظيم الضباط الوطنيين عام 1949.

* الدكتور خليل عبد العزيز من مواليد الموصل، عمل بالحركة الوطنية وساهم في تشكيل اتحاد الطلبة العراقي العام في الموصل، عمل في الجبهة الوطنية في الخمسينات. على اثر صدور قرار بإلقاء القبض عليه انتقل الى بغداد للعمل في المنظمات الحزبية واتحاد الطلبة، أعتقل وحكم بالسجن لعام واحد في سجن بعقوبة. كما امضى عاماً واحداً كمبعد في بدرة، بعد ثورة 14 تموز عام 1958 عاد للموصل وتقلد مركز رئيس اتحاد الطلبة العام، أعتقل ليلة مؤامرة الشواف وأودع في الثكنة الحجرية، أطلق ضباط وجنود كتيبة الهندسة الموالون للجمهورية سراحه مع بقية المعتقلين، ساهم بنشاط في عمليات قمع مؤامرة الشواف، في أعوام الستينات صدرت بحقه عدة احكام اعدام بتهمة المساهمة في قمع مؤامرة الشواف، غادر الى موسكو وانهى دراسته الاعدادية ثم درس وحصل على الماجستير ونال بعدها على شهادة الدكتوراه في الإعلام عمل كباحث علمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، يعيش حاليا في العاصمة السويدية ستوكهولم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com