مقالات

الحلقة الرابعة عشرة: نظرات في كتاب”مقالة في السفالة” للدكتور فالح مهدي

الريع والدولة الريعية

كتب الزميل فالح مهدي في تفسيره للدولة الريعية ما يلي: “يقصد بالدولة الريعية، ضعف وهزال الأنشطة الاقتصادية، وذلك بالاعتماد على ريع لا جهد فيه كالنفط مثلاً، حيث تستمد السلطة كل أو معظم إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين.” (مهدي، الكتاب، ص 212). ثم يعتمد على تعريف للزميل الدكتور محمد على زيني في تعريف الريع حيث نقل عنه ما يلي: “الريع عبارة عن دخل غير متعوب فيه، فهو ليس نتاجاً عن جهود تتطلبها العملية الاقتصادية المعتادة، أي ليس ناتج عن عمل، وإنما هو دخل تجود به الطبيعة. وأفضل مثال لهذا النوع من الريع هو الريع النفط الذي يتأتى من استخراج النفط الخام وتصديره.” (مهدي، الكتاب، ص 213). 

سأتناول هنا، على وفق ما جاء في كتاب الزميل العزيز فالح مهدي، مسألتين بالتعليق، وهما:

أولاً: ريع الأرض أو يسمى أحياناً الريع العقاري 

لنبحث الآن في مفهوم الريع استناداً إلى تكوين الدخل القوميبشكل عام. الدخل القومي هو صافي الإنتاج المحلي في بلد معين ولسنة معينة، أي أنه الجزء الثاني من حجم الإنتاج الإجمالي. أي بعد طرح قيمة المندثر والداخل من وسائل الإنتاج في العملية الإنتاجية، أي في السلع المنتجة، نحصل على الدخل القومي. والدخل القومي في سنة واحدة مثلاً يتكون من جزئين أساسيين هما:

الأجور والمداخيل الفردية أولاً، وفائض القيمة ثانياً، والأخير يمكن أن يتوزع بدوره على الربح والفائدة والريع. ولكن هذا الدخل القومي بقسميه الأساسيين هما من نتاج عمل المنتجين، سواء أكان الإنتاج في القطاع الزراعي أم في الصناعة التحويلية أم في الصناعات الاستخراجية، إي استخراج المواد الأولية من باطن الأرض ومن على سطحها. فهنا يلاحظ بأن ريع الأرض الذي ينتج في القطاع الزراعي ما هو إلا نتاج الفلاح المزارع العامل على الأرض الزراعية، إنه المنتج للسلع من مختلف المنتجات والمحاصيل الزراعية. وهذا الريع يكون من حصة مالك الأرض بسبب حيازته للأرض الزراعية، في حين أنه لم يساهم في العملية الإنتاجية ولم يصرف شيئاً من قوة عمله. والريع المنتج في الصناعات الاستخراجية يستولي عليه الحائز على الأرض أو صاحب رأسمال الذي يسترد رأسماله من خلال قيمة المندثر والمستخدم من وسائل الإنتاج في العملية الإنتاجية، ويتسلم الرأسمالي إضافة إلى ذلك الريع الذي أنتجه العامل في الصناعة الاستخراجية باعتباره مستأجراً للأرض أو باعتبار الأرض ضمن حيازته أو أنها ملكاً للدولة، كما هو الحال بالنسبة للأراضي الأميرية في العراق منذ عهد عمر بن الخطاب. هذا الريع هو نتاج عمل الفلاح أو العامل، ولكن يجري الاستيلاء عليه، على وفق القوانين المعمول بها أو على وفق اتفاقيات معقودة، مِن مَنْ لم يشتغل عليها ويستهلك قوة عمله في العملية الإنتاجية. وباختصار ووضوح كبير فالريع هو ذلك الجزء من فائض القيمة الذي يستولي عليه مالك الأرض من جهد الفلاح في الزراعة أو العامل في الصناعات الاستخراجية، أي في استخراج المواد الأولية، أو الربح في الصناعات التحويلية أو الفائدة في المعاملات المصرفية، أي إن الأصل هو استهلاك قوة العمل لإنتاج السلع المادية والثروة الاجتماعية في أي بلد من البلدان. وعلى وفق النظام الرأسمالي يوزع الدخل القومي على الأساس التالي: المُنتج، سواء أكان عاملاً أم فلاحاً، يحصل على أجره أو حصته المتفق عليها؛ صاحب رأس المال والمنظم الذي يتسلم الربح؛ والحائز على الأرض يستولي على الريع. وفي هذا محاولة للتغطية على واقع نتاج العملية الاقتصادية أو هنا الإنتاجية، إذ إنها بالأساس كل هذه المفردات، الربح والفائدة والريع، ليست سوى أجزاء من فائض القيمة الذي ينتجه العامل أو العامل الزراعي أو الفلاح في الزراعة، أو في الصناعات الاستخراجية أو الصناعات التحويلية. كتب ماركس بوضوح كبير إلى أن ريع الأرض هو جزية، يطلبها الحائز على الأرض (كإيجار) عن استعمال الأرض التي بحوزته. إلا إن ريع الأرض (إيجار الأرض) ليس كما يبدو وكأنه ثروة تنشأ دون عمل، بل هو في الحقيقة استقطاع جزء من فائض القيمة الرأسمالي. من المفيد هنا أن أتوسع قليلاً في شرح هذه الفكرة اقتصادياً في ظل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، وهي علاقات قائمة على الاستغلال، سواء أكان ذلك في الزراعة أم الصناعة الاستخراجية. ففي العملية الزراعية يكون التوزيع على النحو التالي:

أ) استقطاع جزء من الحاصل الزراعي لتعويض قيمة وسائل الإنتاج المستخدمة في عملية الإنتاج، أي الرأسمال الميت أو الثابت؛ ب) استقطاع جزء من الحاصل لتعويض قيمة رأس المال المتحرك الموظف في عملية الإنتاج، أي الأجور المدفوعة للعاملين في الزراعة؛ ج) استقطاع جزء من الحاصل على شكل ريع مطلق يكون من حصة الحائز على الأرض الزراعية؛ د) استقطاع جزء من الحاصل على شكل متوسط ربح يتسلمه الرأسمالي الزراعي الحائز على الأرض الزراعية. إضافة إلى ذلك هناك ما يطلق عليه بالريع التفاضلي أ وب وج، ويتحقق بالارتباط مع خصوبة الأرض، وموقع الأرض وقربها أو بعدها عن الأنهار وأسواق تصريف السلع، أو بسبب توظيفات رأسمالية إضافية، على التوالي. وهذا مماثل تقريباً لما يحصل في قطاع الصناعات الاستخراجية. وكمثال على الريع التفاضلي في صناعة استخراج النفط نشير إلى ان الريع التفاضلي فيه يرتبط بمدى قرب المواد الأولية من سطح الأرض وقلة تكاليف استخراج المواد الأولية. فعلى سبيل المثال تكاليف استخراج النفط الخام في العراق، ولاسيما في كركوك، ضئيلة جداً بسبب قرب النفط من سطح الأرض، في حين إن تكاليف إنتاج البرميل الواحد في الولايات المتحدة مرتفعة جداً بالقياس إلى تكاليفه في العراق أو حتى بالنسبة إلى متوسط تكاليف إنتاج البرميل الواحد عالماً، وبذلك يحقق المنتج العراقي ريعاً تفاضلياً (إضافياً) لأنه يعمل على أرض يكون استخراج النفط فيها أقل تكلفة بالقياس إلى متوسط تكاليف إنتاج البرميل الواحد من النفط على الصعيد العالمي، أي أن إنتاج البرميل الواح في العراق يحتاج إلى استثمارات رأسمالية اقل مما يحتاجه إنتاج البرميل الواحد في الولايات المتحدة. والريع التفاضلي بكل أنواعه هو أيضاً نتيجة فائض القيمة المنتج من قبل الفلاح أو العامل في الصناعة الاستخراجية.    

من هنا يبدو لي بأن التفسير الأول للدكتور فالح مهدي يشير إلى تأجير الأرض لعملاء خارجيين ليس دقيقاً. إذ إن العملاء الخارجيين لا يشكلون شرطاً لنشوء الريع، إذ يمكن للرأسماليين المحليين أو الأجانب، أو الدولة ذاتها أن تكون هي المستثمرة لرؤوس الأموال والمستعملة للأرض في الصناعات الاستخراجية، سواء أكان نفطاً أم ذهباً أم فحماً أم أي مواد أولية أخرى من باطن الأرض وبعضها على سطح الأرض، حيث يشتغل العمال في استخراج النفط فيغطون بذلك أجورهم ولكنهم ينتجون قيمة أكبر مما حصلوا عليه من أجر, إن هذه القيمة الزائدة هي فائض القيمة، وهي الريع، كجزء من الفائض الذي يستولي عليه الرأسمالي، سواء أكان فرداً أم شركة، وسواء أكان محلياً أم أجنبياً، أم مختلطاً أم كانت دولة.

أما تعريف الدكتور محمد علي زيني فهو تعريف خاطئ جملة وتفصيلاً، علمياً أو اقتصادياً، إذ إن الريع ليس دخلاً غير متعوب فيه، بل إنه ناتج قوة عمل العامل التي استهلكها في انتاج السلعة أولاً، وهو جزء من فائض القيمة أو القيمة الزائدة التي يسيطر عليه الرأسمالي أو الحائز على الأرض في الزراعة،وهما لم يبذلا فيه جهداً في إنتاجه. نعم إن الثروة موجودة في الطبيعة، في باطن أمنا الأرض، ولكن العامل هو الذي يستخرجها وهو الذي يصرف قوة عمله عليها ويحقق أجراً له،ولكنه ينتج أكثر من أجره، وهو ما يطلق عليه بـ”فائض القيمة” وإن الريعَ يشكل جزءاً منه. 

ثانياً: الدولة الريعية

نعود إلى تعريف الزميل فالح مهدي للدولة الريعية ثانية حيث يقول فيه “يقصد بالدولة الريعية، ضعف وهزال الأنشطة الاقتصادية، وذلك بالاعتماد على ريع لا جهد فيه كالنفط مثلاً، حيث تستمد السلطة كل أو معظم إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين.” (مهدي، الكتاب، ص 212). في هذا التعريف خطأن هما: اعتماد الدولة على ريع لا جهد فيه أولاً، وإن معظم إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين ثانياً، وقد بينا أسباب هذين الخطأين. فما مفهوم الدولة الريعية؟ كتب الدكتور أحمد علوي بصواب، في مقال له عن “الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية”، ما يأتي: “تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد. وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، لا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي”. (أحمد علوي (2011). الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية. تعريب عادل حبة. موقع الحوار المتمدن، العدد، (3540)، 8/ تشرين الثاني.  www.ahewar.org).هنا يمنحنا الكاتب فرصة التدقيق في الدولة الريعية، أي الدولة التي يكون ريعها من النفط مثلاً، إذ إن المسألة ترتبط بطبيعة الدولة ومستوى تطور القوى المنتجة فيها والنظام السياسي الديمقراطي. ومن هنا كان الفقد الدكتور فالح عبد الجبار على صواب حين ميز بين أربعة أشكال من ملكية النفط التي تقود إلى صيغ مختلفة في مفهوم الدولة الريعية، وهي “أولاً الملكية الوطنية (كما في العراق، الجزائر، وإيران، مع الاقتصار على عدد قليل) ثانياً، الملكية الأسرية (كما في الخلي، باستثناء الكويت، حيث يتقاضى أفراد الأسرة الملكية الرواتب)، ثالثاً، ملكية رأس المالالأجنبي، رابعاً وأخيراً ملكية الشركة المساهمة كما في الأسكا.” (فالح عبد الجبار، كتاب الدولة، اللوياثان الجديد، منشورات الجمل، ط 1، 2017، ص 34)، استناداً إلى كتاب روبرت گوودلاند (Robert Goodland, Examining the social and Environmental Impacts). ورغم هذا التنوع، فأن الحالات الثلاث تنشئ الدولة الريعية غير الديمقراطية والتوتاليتارية، في حين الحالة الرابعة هي الناجية من سيطرة الدولة وخاضعة للشركة المساهمة التي تخضع للقوانين الاقتصادية الرأسمالية.    

الصواب في تعريف الدكتور فالح مهدي يبرز في تأكيده على “هزال الأنشطة الاقتصادية” الإنتاجية في مقابل الدولةالمسيطرة على القسم الأعظم من الدخل القومي ومن صادرات البلد المستخرج للموارد الأولية ولاسيما النفط والذهب والماس واليورانيوم وما إلى ذلك من سلع أساسية واستراتيجية، سواء عبر ملكية الدولة ذاتها أم عبر تأجيرها لشركات أجنبية أو محلية او مختلطة، أو مشاركة في الإنتاج. أما ما تفعله هذه الدولة الريعية بهذه الأموال وكيف تمارس سلطاتها الثلاث الحكم في البلاد فالدكتور فالح مهدي على صواب تام. وفي دراسة لي أشرت إلى السمات التي تميز الاقتصاد العراقي باعتباره اقتصاداً ريعياً أولاً، وأثمر بدوره عن دولة ريعية غير ديمقراطية في البداية، ومن ثم تفاقم طابعها اللاديمقراطي لتصبح دولة دكتاتورية مطلقة شمولية أو توتاليتارية، كما في حكم البعث أو في الحكم الطائفي المستبد المحاصصي والفاسد الراهن. والآن ما هي السمات الأساسية التي يتميز بها اقتصاد الدولة الريعية، وبالتالي الدولة الريعية؟ يمكن تلخيص ذلك فيما يلي:

السمة الأولى: قِدَمْ الطابع الريعي للاقتصاد العراقي

يعد الاقتصاد العراقي وحيد الجانب وريعي بامتياز، إذ اعتمد في السابق وبالأساس على ريع القطاع الزراعي وهيمنة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، ثم انتقل في أعقاب انتهاء الانتداب البريطاني وبدء استخراج وتصدير النفط الخام، أي منذ العقد الرابع من القرن العشرين حتى يومنا هذا، إلى الاعتماد التدريجي المتنامي على ريع قطاع النفط الخام الاستخراجي المصدر. (كاظم حبيب (2013).  لمحات من عراق القرن العشرين – ط1، (11 مجلد، ابتداءً من المجلد الرابع حتى آخر مجلد).  أربيل: دار أراس للطباعة والنشر.2013). ومع تراجع دور القطاع الزراعي في تكوين بنية الناتج المحلي الإجمالي وتقلص نسبة الفلاحين إلى مجموع السكان والقوى العاملة سنة بعد أخرى، ارتفع دور النفط الخام المستخرج والمصدّر في تكوين الناتج المحلي الإجمالي. ومن الأربعينيات من القرن الماضي ومن ثم الخمسينيات وبعدها، منذ تأميم مصالح الشركات الأجنبية البترولية في العراق، نما وتفاقم الطابع الريعي للاقتصاد العراقي وللدولة العراقية وسلطاتها الثلاث. فالريعية ليست ظاهرة جديدة، بل ظاهرة متفاقمة بمرور الزمن وبسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي مارستها الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر، والتي أهملت توظيف رؤوس الأموال في القطاعات الصناعية الإنتاجية وفي تنمية وحديث الزراعة، ولاسيما موارد النفط المالية المتأتية من استخراج وتصدير النفط الخام، وفي الصناعات الصغيرة والحرفية، من جهة، ولا في تغيير بنية التعليم في العراق بما يسهم في تنمية سريعة وكبيرة للتعليم المهني والفني ومراكز البحث العلمي والتدريب بما يتناغم وحاجة العراق من جهة ثانية.

السمة الثانية: اقتصاد استهلاكي

إن توفير اقتصاد النفط الخام لمزيد من الموارد المالية سنة بعد أخرى من خلال المزيد من كميات النفط المستخرج والمصدر، دفع وما يزال يدفع باستمرار، كظاهرة عامة ولصيقة، بالنخب الحاكمة إلى الابتعاد عن الجهد المطلوب والضروري لتغيير بنية الاقتصاد الوطني والتخلص من وحدانية الجانب في بنية الإنتاج المحلي؛ أي إبقاء طابع الاقتصاد الوطني استهلاكياً غير إنتاجي، والذي ينعكس بالتالي على بنية المجتمع الطبقية، (كاظم حبيب (2013). آراء حول الطبقة الوسطى في العراق. موقع الحوار المتمدن، العدد (4441)، 2 أيار. متاح في: www.ahewar.org)، أي بدلاً من توجيه الموارد المالية المتأتية من اقتصاد النفط الاستخراجي صوب التنمية الزراعية والتنمية الصناعية التحويلية وتطوير التعليم والبحث العلمي والحياة الثقافية الضرورية المرافقة لهما، تقوم سلطة الدولة الريعية بتوجيه الموارد صوب إشباع حاجات السكان للسلع والخدمات من خلال الاستيراد السلعي من جهة، وإلى التسلح والعسكرة لحماية نظامها السياسي وامتيازاتها ومنافعها المباشرة وغير المباشرة من جهة ثانية. 

وسنة بعد أخرى تزداد الحاجة إلى إشباع حاجة الاستهلاك السلعي الأساسي والكمالي بسبب الزيادة السكانية وبسبب توفر زيادة في السيولة النقدية وتحسن في مستوى مداخيل ومستوى حياة ومعيشة فئات معينة من السكان، في حين تبقى فئات أخرى تعاني من الفقر وشظف العيش. ومن هنا تنشأ أمامنا السمة الثالثة.

السمة الثالثة: اقتصاد استيرادي

من يتابع مؤشرات الاستيراد السنوية خلال العقود الستة المنصرمة سيجد إن الاستيراد، وبالرغم من كل الكوارث والحروب، كان ينمو ويزداد سنة بعد أخرى ليستنزف جزءاً مهماً وأساسياً من إيرادات تصدير النفط الخام العراقي. إنها السمة الجوهرية الثالثة المميزة للاقتصاد العراقي والمرافقة له، التي تستكمل السمتين الأولى والثانية إذ يستنزف الاستيراد نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي السنوي الموجهة لأغراض الاستيراد السلعي السلمي والعسكري. وهذه السمة، وارتباطاً ببقية السمات، هي التي جعلت الاقتصاد العراقي مكشوفاً بالكامل على الخارج من حيث التصدير والاستيراد، والتي عاش مرارتها في فترات مختلفة خلال العقود المنصرمة. أي غياب الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي للمجتمع العراق كما حصل في فترة الحصار الاقتصادي الدولي بين 1991-2003. 

السمة الرابعة: اقتصاد تابع

إن السمات الثلاث السابقة مجتمعة حددت بوضوح كبير موقع العراق الضعيف والتبعي والهامشي وغير الديناميكي في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل، موقع المنتج للمواد الأولية والمصدر لها والحائز على الريع من جهة، والمستورد والمستهلك للسلع المادية من جهة ثانية، والعاجز بسبب طبيعة الدولة وسياسات النخب الحاكمة عن تحقيق التنمية والتثمير الإنتاجي والتشغيل وتغيير بنية الناتج المحلي الإجمالي من جهة ثالثة. 

فالعراق يشكل جزءاً عضوياً من النظام الرأسمالي العالمي، ولكنه الجزء المتخلف والتابع والمُستنزَف في موارده الاقتصادية وأمواله، والقائم على علاقات اقتصادية غير متكافئة. فالاقتصاد العراقي يشكل جزءاً من تلك الدوائر المتخلفة التي تدور في فلك المراكز الرأسمالية الدولية، وهذا الواقع المشوه يجعل من عملية إعادة الإنتاج أو مجمل العملية الاقتصادية بالعراق بمراحلها الأربعة (الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك) ضعيفة تعيق تحقيق عملية إعادة إنتاج موسعة وضمان تراكم رأسمالي وإغناء الثروة الاجتماعية من فروع وقطاعات اقتصادية أخرى وزيادة في التشغيل وتحسين في مستوى الدخول والحياة والمعيشة. (قارن: كاظم حبيب، الفاشية التابعة في العراقط2 السليمانية، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، 2008).

وقد اشتدت ظواهر التبعية والتخلف والتشوه خلال العقود الأربعة الأخيرة بسبب القفزة الكبيرة في دور العولمة الرأسمالية التي ارتبطت عضوياً بالثورة العلمية والتقنية، ثورة الإنفوميديا، على صعيد الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، إضافة إلى الآثار المتناقضة، السلبية منها والإيجابية، بعد غياب دول المعسكر الاشتراكي وتراجع الحرب الباردة بين المعسكرين وبوادر العودة إليها مجدداً، ولكن على وفق أرضية وقواعد أخرى، إضافة إلى سياسات النخب الحاكمة التي تبتعد بإصرار عن التنمية المنشودة المغيرة لطبيعة الاقتصاد وبنية المجتمع.

السمة الخامسة: تدهور البنية الطبقية

ولكن ماذا نشأ عن هذا الواقع العراقي أو هذه السمات السلبية المتضافرة في فعلها؟ لو كان العراق قد اتجه صوب التصنيع التحويلي واستخدم موارد النفط المالية والمادية لهذا الغرض لتغيرت بنية المجتمع. ولكن هذا لم يحصل إلا ببطء شديد حيناً وبتشوه كبير في أحيان أخرى. 

ونتيجة ذلك برز تحول نسبي تدريجي في بنية المجتمع الطبقية، فازداد عدد العمال، سواء أكانوا من العاملين في اقتصاد النفط الخام أو مشاريع السكك الحديد والطاقة والماء وموانئ تصدير النفط الخام أو مشاريع الصناعة التحويلية التابعة للدولة والقطاع الخاص والمختلط الأخرى، إضافة إلى تنامي دور البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الصناعية والبيروقراطية المتوسطة وفي قطاع التجارة. كما اتسعت قاعدة العاملين في أجهزة الدولة الإدارية بعدة أضعاف وفي فترة قصيرة وكلهم يتسلمون رواتبهم من الدولة ويعتمدون على إيراداتها وتابعين لها! إلا إن التطور النسبي في القطاع الصناعي وابنية التحتية الذي تحقق في فترات مختلفة، بضمنها سنوات العقد الثامن من القرن العشرين وقبل بدء الحرب العراقية- الإيرانية قد انهار تماماً بفعل سياسات النظام البعثي الدكتاتورية والعسكرة والتسلح والقمع والحروب الداخلية والخارجية وتعريب القوميات الأخرى والتهجير القسري، مما قاد إلى تدهور شديد في البنية الطبقية للمجتمع العراقي، والتي لم تساعد السياسات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية على تغييرها لصالح المجتمع. لقد تراجعت الفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة لصالح فئة أشباه البروليتاريا التي تعيش على هامش الاقتصاد العراقي والحياة الثقافية والسياسية.

السمة السادسة: علاقات إنتاج متخلفة

تتجلى السمة المميزة السادسة في طبيعة التشكيلة المتخلفة التي ما تزال سائدة وفاعلة في الاقتصاد والمجتمع بالعراق. فالسمات السابقة تعتبر نتاجاً منطقياً وطبيعياً لاستمرار وجود بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، والعودة الشديدة لدور العشائر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية من جهة، ولكنها تعدّ السبب في استمرار وجود هذه العلاقات المتخلفة من جهة أخرى، وخاصة في الريف العراقي حيث تنعكس طبيعتها وسلوكية كبار الملاكين وشيوخ العشائر على المجتمع بالمدينة أيضاً، فضلاً عن النمو الضعيف في علاقات الإنتاج الرأسمالية في الزراعة والصناعة وتمركزها في قطاعات النفط الخام والتجارة ووجود مصارف مالية وقطاع تأميني ضعيف ومتخلف. 

وتتجلى عواقب استمرار وجود هذه التشكيلة المتخلفة من العلاقات الإنتاجية والانكشاف الشديد على الخارج، في التخلف الكبير في القوى المنتجة المادية والبشرية وتجلياته في المستوى الواطئ لإنتاجية العمل وكفاءة الخدمات الاجتماعية والإنتاجية، وتدهور مستوى التعليم والبحث العلمي النظري والتطبيقي، والنسبة العالية من الجهل والأمية السائدتين في الريف وفي المناطق العشوائية وبين النساء، وانتشار الفكر الطائفي الظلامي في المجتمع بعد عقود من الاستبداد بعقلية شوفينية وأساليب فاشية وقمعية وقهر وحروب وتجويع. يضاف إلى ذلك العواقب الوخيمة التي نجمت عن جريمة الحصار الاقتصادي الدولي (1991- 2003م) التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر الأمم المتحدة.، بذريعة وجود سلاح الدمار الشامل لدى النظام السابق. وهنا لا بد من الإشارة إلى دور شيوخ الدين الذي تميز حتى الآن بالرجعية وفي المحافظة على الأساطير والخرافات والطقوس المؤذية للإنسان والمعمقة لروح الإحباط والاتكال على أوهام لتغيير واقعه البائس وليس النضال من أجل تغييرها وانتظار الفرج والرحمة بعد الموت!! 

السمة السابعة: الفساد بأنواعه

هي سمة جديدة، يزيد عمرها عن خمسة عقود، لكنها لم تكن بهذا الاتساع والشمولية الحالية، ونعني بها سمة الفساد المالي والإداري. نشأت هذه السمة منذ عقود في العراق وتفاقمت بمرور الزمن وأصبحت نظاماً سائداً تتجلى في واقع الفساد المالي والإداري القائمين، وهما يجسدان اليوم حالة عامة وشاملة وعميقة ومصحوبة بحركة شرسة لتنظيمات مافيوية قوية وواسعة ومتعددة الرؤوس، كالإخطبوط الذي مد أذرعه بعيداً في جسم الدولة والمجتمع ومع الخارج. 

لقد نما الفساد المالي خلال الأعوام التي أعقبت سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان 2003م بسرعة كبيرة جداً، وشكل في النظام السياسي الطائفي الحالي، الذي يعتمد الفكر الديني الشمولي وأحزابه الطائفية، نظاماً خاصاً وسائداً في العلاقات المالية والإدارية، نظامَ الفساد القائم يجري التعامل به من جانب الدولة بسلطاتها الثلاث وفي عالم الإعلام والصحافة وفي المجتمع والعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية، إذ لم يعد الفساد المالي مجرد ظواهر متفرقة، بل هو نظام Systemمعمول به ومتشابك بصورة عضوية مع الفساد الإداري ومع ظاهرة الفساد في منطقة الشرق الأوسط والعالم. 

ولا يجري الحديث بشأن ظاهرة الفساد المالي عن عدة ملايين من الدولارات الأمريكية أو عن مجموعة صغيرة من المتعاملين به، بل يدور الحديث عن عشرات المليارات المفقودة والمسروقة أو التي يجري التعامل بها على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. فالفساد المالي والإداري لا يستنزفان المال العام ويفرطان بأموال الدولة وكفاءاته حسب، بل ويكرسان حالة الإرهاب الراهنة وينميانها ويعمقان من حالة الفوضى والتبعثر والصراع بالبلاد، ويزيدان من حالة التذمر والهيجان المستر في المجتمع.

فالمعلومات المتوفرة تشير إلى إن العراق وبعد مرور 16 عاماً على إسقاط الدكتاتورية يحتل المرتبة الأولى من أصل (180) بلداًفي الفساد. (راجع: ناصر الحسون، العراق يتصدر لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم، جريدة الحياة في 21 أذار/مارس 2018).  

إن استمرار هذه الحالة في ظل قوانين جائرة وغير عادلة واستبدادية سابقة من جهة، وابتعاد مستمر ومتفاقم عن الالتزام بالدستور العراقي الجديد وبلائحة حقوق الإنسان من جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والحكومات المحلية من جهة أخرى، تؤشر حالة البلاد الراهنة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتردية. والمتضرر الأساسي من هذه الحالة هم بنات وأبناء الفئات الكادحة والفقيرة والمتوسطة وفئة المثقفين وأصحاب الدخول المحدودة بشكل خاص.   

السمة الثامنة: الاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي

تتجلى هذه السمة بتفاقم الاستبداد ومصادرة حرية الفرد والجماعة والحريات الديمقراطية العامة والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، إذ تتكرس وتتكثف مستلزمات بقاء واستمرار وإعادة إنتاج علاقات التسلط لتنتج مجتمع الدولة الاستبدادية القمعية الفاسدة والفاشلة التي تتحكم الدولة فيها بموارد مالي متأتية من اقتصاد ريعي نفطي يسهم في تعميق استبداد النظام وفساده. 

فالدولة الريعية وسلطتها السياسية مُنتِجة فعلية للاستبداد والعنف والقسوة، ومنتجة للتمييز بمختلف أشكاله المقيتة، وغياب العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وحقوق القوميات، كما إنها منتجة لمختلف أنواع السفالات وأشكال السفلة التي تحدث عنها الدكتور فالح مهدي في كتابه القيم الذي أعلق عليه. وهذه الحقيقة مرتبطة عضوياً بمستوى ومضمون الوعي الفردي والجمعي الاجتماعي والسياسي والثقافي بالبلاد وحجم الأمية والتخلف في القوى المنتجة المادية والبشرية. 

إن الدولة العراقية التي كان يراد لها أن تكون دستورية مدنية وديمقراطية وبرلمانية في سنة 1921 على وفق الدستور الملكي وقبل البدء باستخراج وتصدير النفط الخام، تحولت إلى دولة غير ديمقراطية، وأصبحت حتى بعد إلغاء قرار الانتداب واقعة تحت الهيمنة السياسية البريطانية غير المباشرة وهيمنة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، فتراجعَ فيها الالتزام بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات، ونُحّي الدستور جانباً وتم تزييف الحياة البرلمانية. ولم يكن هذا ممكناً لولا التخلف الثقافي والاجتماعي وضعف الوعي العام. وما يعيشه شعب العراق اليوم، ما هو إلَّا نتيجة منطقية للأسس الخاطئةوالسلبية والممارسات السياسية غير الديمقراطية التي بني عليها العراق خلال الفترة الواقعة بين 1921-1958، وما قبل ذاك أيضاً.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com