تحقيقات

أتحفظ على مصطلح “المكوّنات”

الدكتور عبد الحسين شعبان يرى الدولة هي اتحاد مواطنين أحرار لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات…

قام الزميل بهاء الدين جلال بإجراء حوار خاص نشر في مجلة كولان مع الدكتور عبد الحسين شعبان نعيد نشره لأهميته.

الدكتور عبد الحسين شعبان مفكر وباحث عربي من العراق، له عدد من الكتب في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والأدب والثقافة والنقد. أستاذ القانون الدولي وحالياً نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت) وهو الصديق المقرب للشعب الكوردي و كان له الدور الرئيس في الدفاع عن حق التقرير المصير للكورد في زمن المعارضة و بعدها، إلتقته مجلة كولان الأسبوعية الكوردية و وجهت إليه أسئلة تتعلق بالتحولات التي تحدث الآن في الشرق الأوسط و كيفية القضاء على الفكر المتطرف و المتشدد الداعشي و كذلك مسألة الصراع الإيراني- الأمريكي وأمور أخرى تتعلق بالعلاقات بين إقليم كوردستان و المركز و حل المشكلات العالقة بينهما وفق الدستور، حيث أجاب عنها مشكورا:

  • س1   – المراقبون والمفكرون بانتظار حدوث تحولات كبيرة في الشرق الأوسط، وفي رأي بعض المراقبين قد تؤدي تلك التحولات إلى نشوب حرب عسكرية، وكمفكر سياسي كيف تقرأ الأوضاع الحالية  في الشرق الأوسط وما هي توقعاتكم لتلك التحولات؟

ج1-  أعتقد أن كل الاحتمالات مفتوحة، فالسلام لا يزال ” بارداً” ومفقوداً، وحروب الدم ما تزال ساخنة و”متدفقة” في الشرق الأوسط ولم تنته بعد، سواء الخارجية منها أو الداخلية، وأعتقد أن البوابة الرئيسية لإحلال سلام عادل وشامل في المنطقة وإطفاء بؤر التوتر  يتطلّب أولاً وقبل كل شيء تحقيق تسوية للقضية الفلسطينية وأساسها ومرتكزها الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وإقامة الدولة المستقلة القادرة على الحياة.

          أما مشاكل المنطقة الأخرى والتي تفاقمت خلال العقود الأربعة الماضية، فهي ليست مستعصية وإنما تحتاج إلى عمل جاد ومثابر للتوصل إلى معالجات وحلول وتفاهمات بشأنها، سواء تلك التي تتعلّق بالتحدّيات الإقليمية أو مشاكل الحدود بما فيها بعض الإشكاليات التاريخية، إذا ما استطعنا تحكيم لغة العقل والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

          وبخصوص النزاعات الداخلية، الدينية والمذهبية والإثنية وغيرها، فيمكن أن تحل في إطار كل دولة وعلى أساس عقد اجتماعي جديد بأفق سياسي يعترف بالآخر ويقرّ بالتنوّع والتعددية في إطار قانوني وبطريقة سلمية تعتمد المواطنة المتساوية منطلقاً لتلبية الحقوق والحريات.

          وأعتقد أن معركة التنمية الشاملة والمستدامة وتحقيق الإصلاحات الداخلية، لاسيّما إعادة الإعمار والبناء ودخول عالم الحداثة والاستفادة من منجزات العلم والتكنولوجيا ستكون الأعقد والأصعب، والأمر ينطبق بصورة خاصة على العراق وسوريا واليمن وليبيا، حيث تم تدمير البنية التحية والهياكل الإرتكازية والمرافق الحيوية، ناهيك عن تمزيق النسيج الاجتماعي وإثارة الضغائن والأحقاد الدينية والمذهبية والقومية، وبث الكراهية وروح الانتقام.

          ويحتاج الأمر إلى جهد مكثّف وخطة استراتيجية طويلة الأمد للقضاء على عوامل الانقسام والتفتت والتشظي التي عانت منها هذه البلدان، والتي سهّلت للقوى الإرهابية أن تجد البيئة المناسبة للانتشار، كما تتطلب الخطة مواجهة الفكر الداعشي وتفكيك الخلايا النائمة “والذئاب المنفردة” ، إضافة إلى تجفيف منابعه المالية وإصلاح البيئة الاجتماعية الحاضنة له وإعادة حرث التربة من جديد  ببذر قيم التسامح والسلام واللّاعنف، إضافة إلى روح التضامن والتآخي والمحبة، ولن يتم ذلك إلّا بعمل متعدد الجوانب على الصعيد الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني والتربوي والديني والنفسي، وبمراجعة نقدية من جميع القوى والتيارات باستشراف المستقبل.

           وقد أثبت الكثير من التجارب إن الحلول العسكرية والأمنية وحدها لا يمكنها القضاء على الإرهاب الذي يمكن أن يفقس بيضه طالما تبقى الأسباب التي أدّت إلى نشوئه وتطوره قائمة، بل تغذّي إعادة ظهوره، كلّما سنحت الفرصة لذلك.

          ما يحتاجه العراق وسوريا واليمن وليبيا والبلدان التي عانت من انهيار مؤسسات الدولة وانفلات الإرهاب والفوضى والفساد المالي والإداري هو إحكام سيطرة الدولة وإعادة هيبتها وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية  والطائفية والعشائرية والسياسية والحزبية والجهوية في إطار “حكم القانون”، مثلما تحتاج هذه البلدان إلى السلام المجتمعي  والمصالحات الضرورية والاستقرار، لكي تسير في درب التنمية الشاملة والمستدامة، التي لا يمكن أن تتحقق في ظلّ الاحترابات الداخلية وغياب السلام المجتمعي.

  • س2 – في هذه المنطقة المعقدة  والمشحونة برزت جبهتان، الأولى هي جبهة شيعية بقيادة إيران، ومن المعلوم أن إيران قد أنشأت دائرة نفوذ واسعة و التي تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، الجبهة الثانية وهي السنية بقيادة المملكة العربية السعودية، والأهم من ذلك تعلن الولايات المتحدة الأمريكية أنها حليفة للسنة، أما روسيا تعلن أنها حليفة للشيعة، كيف ترى نهاية الصراع الشيعي – السني في الشرق الأوسط؟ برأيكم  ألا يؤدي هذا الصراع إلى نشوب حرب باردة أخرى طويلة المدى في الشرق الأوسط؟

ج2-  اندلع الصراع المذهبي في المنطقة بُعيد الثورة الإيرانية العام 1979 عبر ثلاث مقاربات مختلفة لكنها جميعها أدّت إلى إذكاء ناره وتأجيجه، كيما يصبح بؤرة مستديمة جديدة بعد الصراع العربي- الإسرائيلي :

          المقاربة الأولى مسعى إيراني لتصدير الثورة وقد اتخذ من الشعارات الثورية منطلقاً له بإعلان “الموت لأمريكا” و”الهتاف ضد الشيطان الأكبر”، لكنه في واقع الأمر كان ذا محتوى سياسي وآيديولوجي وقومي حتى وإن كانت مستلزمات الإخراج تتطلب إضفاء مسحة دينية أو مذهبية شيعية عليه.

          المقاربة الثانية- مسعى عربي وبشكل خاص سعودي وخليجي وبرأس حربة عراقية حينها، للجم التمدّد الإيراني، خصوصاً وقد شعر العديد من دول الخليج بخوف من النفوذ الإيراني وخشية من التأثير الداخلي، لاسيّما وإن إيران ما تزال تحتل الجزر العربية الثلاث ” أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى” منذ العام 1971 وتبسط السيادة عليها ، وترفض إعادتها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

           والأكثر من ذلك فإن إعلاناتها المتكررة بتصدير الثورة الإسلامية كانت تثير الفزع  والرعب لدى العديد من البلدان، وزاد في الأمر تعقيداً اندلاع صراع طائفي في المنطقة ، بخلفية سياسية، وما حصل في مكة العام 1979 حين استولى أكثر من 200 مسلح على الحرم المكي وهو من مقدسات المسلمين، أثار ردود فعل سنّية مختلفة ومشاعر الكثير من المسلمين الذين قاموا بشجبها واستنكارها. وقد هزت هذه العملية العالم الإسلامي برمته، فمن حيث موعدها فقد وقعت مع فجر أول يوم في القرن الهجري الجديد، ومن حيث عنفها فقد تسبّبت بسفك للدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة بعض رجال الأمن والكثير من المسلحين المتحصنين داخل الحرم.

          المقاربة  الثالثة- مسعى حربي دولي ليس بعيداً عن تشجيع غربي وأمريكي تحديداً لثني إيران عن مدّ مشروعها السياسي والآيديولوجي، والهدف إضعاف دول المنطقة جميعها، باستثناء “إسرائيل” المستفيدة الأولى من ذلك الصراع العبثي، والسيطرة على منابع النفط والوقوف بوجه الاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى الاستمرار في بيع السلاح وتأجيج نار العداء، وهكذا استمرت الحرب لنحو 8  سنوات (1980-1988) وتعطّلت التنمية  واحتجبت خطط الإصلاح، وكان من نتائج ذلك ارتفاع النزعات الحربية، خصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت 1990 خلال نظام حكم صدام حسين ، ثم حرب قوات التحالف ضد العراق 1991 واستمرار الحصار الدولي على العراق ما يزيد عن 12 عاماً حتى تم الإطاحة بالنظام  في العام 2003.

          لا أعتقد أن الولايات المتحدة حليفة السنّة أو صديقة لهم على حساب الشيعة، كما إن روسيا ليست حليفة الشيعة ضد السنة، فالولايات المتحدة وروسيا حليفتا مصالحهما، فواشنطن حليفة بغداد ” الشيعية”، حيث الحكم فيها منذ العام 2003 ولحد الآن بيد “الشيعية السياسية” التي حاولت أن تطبع الدولة بطابعها، أما حلف روسيا مع سوريا، فتحدّده المصالح بالدرجة الأساسية، وروسيا اليوم دولة براغماتية تتحرّك وفقاً للمصالح، وليست كما كانت في السابق تتحكّم فيها المعايير الآيديولوجية، وقد شعرت روسيا بمرارة لخسارة حليفها السابق في “العراق”، مثلما شعرت بالخيبة لأنها لم تحصل على موطئ قدم في “ليبيا”، ولذلك استماتت لكي تبقي على نفوذها في سوريا، لأن خسارتها ستعني أنها ستخرج من عموم المنطقة، ومن أجل ذلك أعادت ترتيب أولوياتها منذ العام 2015 ودخلت في موازنات بين تركيا وإيران من جهة وبين العرب و”إسرائيل” من جهة ثانية.

          وكنت قد كتبت بعد زيارتي لروسيا، بدعوة من مجلس شورى المفتين لروسيا لإلقاء محاضرة عن “نحو استراتيجية جديدة لمواجهة التطرّف والإرهاب”، عدّة مقالات بهذا الخصوص عن روسيا “المسلمة” وروسيا “العربية” وروسيا ” اليهودية” وهل روسيا دولة عظمى؟ مسلطاً الضوء على الموقف الروسي إزاء قضايا الصراع في المنطقة  وتوازنات  القوى بما فيها ما يتعلق بـ”المنطقة الآمنة في سوريا” والتوافق الروسي – التركي – الأمريكي، من جهة والسوري – الإيراني -الروسي من جهة ثانية.

          إن وجود أديان وطوائف وقوميات حقيقة في الشرق الأوسط، وهو سرّ جماله، والتنوّع بقدر ما يمكن أن يكون ضعفاً فهو قوة في الآن، والعكس صحيح إذا لم نُحسن إدارته بشكل سليم، وإذا ما أقيمت دولاً مدنية تضع مسافة واحدة من جميع الأديان والطوائف والقوميات وتحقّق نوعاً من المساواة باتجاه مواطنة متكافئة، فيمكننا الحديث عن إطفاء نار الصراع ونزع فتيل الحرب، سواء كانت لأسباب سياسية  أم دينية أم إثنية، فالأديان والطوائف والقوميات حقيقة قائمة ولا يمكن نكرانها أو إلغاءها، لكن العمل ينبغي أن ينصبّ على إلغاء التمييز وعدم المساواة والاضطهاد المزمن والمعتق، على الصُعد القومية  والدينية والمذهبية وغيرها.

          أما ما نشهده اليوم من صراعات شيعية – سنّية فهو ليس بعيداً عمّا يتم تغذيته إقليمياً ودولياً، وعلى سبيل المثال عاشت دول مثل العراق وسوريا في نوع من التعايش المجتمعي والتكامل والتنوّع في إطار الوحدة، وكان الصراع بين الحكام من جهة والمجموعات الثقافية الدينية والقومية  من جهة أخرى، بسبب هضم حقوقها والاضطهاد والتمييز الذي عانى منه الشعب الكردي لم يكن على يد العرب، بل على يد الحكام الدكتاتوريين والمستبدين والظالمين الذين تجاوزوا،  على عموم السكان، لأن الأمر يتعلّق بالحقوق والحرّيات العامة والخاصة، مثلما له علاقة بحقوق المجموعات الثقافية التي تريد التعبير عن نفسها بحريّة في إطار حقوق مدنية وسياسية وإدارية ولغوية، يكفلها الدستور.

  • س3 – صحيح أن الخلافة الإسلامية لداعش  قد دمرت على الأرض بالتعاون بين دول التحالف ضد داعش وبين القوات المحلية الأخرى، ولكن لم يتم حتى الآن اجتثاث الفكر الداعشي وخطورة ظهوره مرة أخرى، برأيكم كيف يمكن القضاء على الفكر الداعشي؟

ج 3 –  يمكن القضاء على داعش بخطط طويلة الأمد ومتوسطة وآنية. أما الخطط الآنية  فهي بالدرجة الأساسية تتعلّق بإعادة النازحين إلى مدنهم وقراهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار، ويحتاج الأمر إلى إرادة سياسية حقيقية ومصالحة وطنية شاملة وتعاون بين الدولة والمجتمع المدني ، مثلما يمكن الاستفادة من المساعدات الدولية على هذا الصعيد وتوظيفها بشكل سليم بحيث تكون نتائجها سريعة وتنعكس على النازحين.

          ويحتاج  الأمر كذلك لخطط تربوية وتعليمية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، لإعادة التأهيل وإصلاح المناهج الدراسية والتربوية وتوفير فرص عمل للعاطلين، ولاسيّما للشباب، ناهيك عن خطة شاملة لتحسين مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الضرورية مثل الماء الصافي والصالح للشرب والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية الأخرى، ومعالجة الآثار النفسية التي تعرض لها ضحايا داعش.

           وعلى الصعيد الاجتماعي يتطلب الأمر تأسيس المنتديات لإشغال أوقات الفراغ في إطار نشاطات سينمائية ومسرحية وموسيقية وفنية ورياضية نافعة، ففي ظل تلك الأجواء يمكن الحديث عن إعادة بناء الإنسان الجديد لكي يشكّل النقيض لفكر داعش الإقصائي الإلغائي الذي لا يعترف  بالآخر، فالأوطان لا تُبنى  بالحجر فحسب وإنما بالبشر، لأن الإنسان مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس. وكل شيء ينبغي أن يكون غايته ووسيلته الإنسان.

  • س4 – العراق في هذه المنطقة الساخنة دولة خرجت للتو من حرب داعش، كما أن العملية السياسية فيه هشة و غير متماسكة، و  الحكومة المشكلة برئاسة عادل عبد المهدي لم تتمكن خلال  فترة(4-5)أشهر من عمرها من تقديم شيء يبعث على الأمل بالنسبة للمواطنين في العراق،  ما هي قراءتكم للأوضاع السياسية في العراق؟ و هل تعتقدون أن الحكومة تميل الآن إلى ولاية الفقيه الشيعية؟

ج4- لا أظن أن حكومة عادل عبد المهدي تميل إلى ” ولاية الفقيه الشيعية” كما ورد في سؤالكم، لكنه دون أدنى شك، فإن عبد المهدي لا يستطيع الخروج من عباءة رجال الدين المتنفّذين في النجف، وهو يراعي التراتبية التي قامت عليها العملية السياسية بعد احتلال العراق العام 2003 ولا يستطيع مخالفتها، خصوصاً وإنه جاء بترشيح ومباركة منها، لاسيّما بعد أن وصلت الصراعات الشيعية- الشيعية إلى طريق مسدود، فتم اللجوء إلى حل وسط من خارج الكتل المتصارعة.

          وعلى الرغم من مؤهلات عادل عبد المهدي الفكرية والسياسية قياساً بالذين سبقوه، لكن ذلك وحده غير كاف بسبب نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية التي يخضع لها، كما أنه لا يستند إلى كتلة أو حزب يمكنه أن يمضي بقراراته خارج الدائرة المرسومة له، ولهذا تراه يتردد كثيراً في اتخاذ قرارات لا ترضي الفرقاء، لاسيّما الذين رشحوه لهذا المنصب، خصوصاً إذا دخل في صراعات جانبية، أو إذا انحاز إلى إحدى الكتل المتصارعة، وإلّا فإنه قد لا يجد أمامه سوى تقديم استقالته.

          إن فترة الخمسة أشهر غير كافية لإصدار حكم نهائي حول مآلات حكومة عادل عبد المهدي، لكنّ المكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال ، فحتى الآن لم تستكمل التشكيلة الوزارية وما تزال التجاذبات بشأن وزارات أربعة باقية هي: الدفاع والداخلية والعدل والتربية ، وبكل الأحوال فبتقديري إن الأمور ستبقى تراوح دون تقدّم يُذكر ودون نجاحات كبيرة حتى وإن كانت توجد رغبة لديه في تجاوز الواقع المأساوي الذي وصل إليه العراق، لأن ثمة عقبات موضوعية تحول دون ذلك منها الدستور الذي أسميته قبل عقد ونيّف ونصف من الزمان في مقالة منشورة في صحيفة النهار اللبنانية “ الدستور غير الممكن دستورياً”، فهو يعطي الحق بيد ويسحبه باليد الأخرى بحكم الألغام الكثيرة المزروعة فيه والتفسيرات والتأويلات المختلفة لنصوصه التي تثير الكثير من الغموض والإبهام والتناقض. ويمكن مراجعة كتابنا عن: الدستور والدولة – من الاحتلال إلى الاحتلال الصادر في العام 2004.

  • س5- الجانب الآخر المسؤول عن تعقيد الأوضاع في العراق هو الصراع الأمريكي – الإيراني، ومن الواضح إن لإيران نفوذ كبير في العراق و من جانبها تعلن أمريكا نفسها كقوة كبيرة ومحتلة للعراق إنها هي مسؤولة عنها، كيف ترى مستقبل العراق من خلال الصراع المرير والمتواصل الأمريكي- الإيراني؟

ج5 – قلت في وقت سابق: العراق نصفه لواشنطن ونصفه الآخر لإيران وليس في الأمر افتئاتاً على أحد، وإنما هو محاولة واقعية لتوصيف الواقع، وقد تعزز  النصف الثاني خلال الحرب على داعش وفي ظلّ تشكيلات “الحشد الشعبي” والدور الذي قام به، وعلى الرغم من وجود نحو 20 قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، أهمها قاعدة قرب إربيل وقاعدة “عين الأسد” غرب العراق، التي زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشية عيد الميلاد (ديسمبر /كانون الأول/2018) ، ودون استئذان أو ترخيص ولم يلتقِ مسؤولاً عراقياً واحداً بما يعدّ مخالفة صريحة للسيادة، فإن النفوذ الإيراني على الأرض متغلغل وواسع ومتنوّع: سياسياً وأمنياً واقتصاديا وتجارياً ومذهبياً، مثلما نشأت مصالح للعديد من الكتل السياسية الموالية أو الممالئة لإيران.

          وقد تضاربت التصريحات مؤخراً بشأن الدور المستقبلي لواشنطن أو لطهران في العراق، وكان الرئيس  ترامب قد صرّح أن ” القواعد الأميركية في العراق ستكون بمثابة نقاط مراقبة، لرصد أنشطة طهران المتعلقة بـ الأسلحة النووية، أو أشياء أخرى” وبأن القوات الأميركية يجب أن تبقى في العراق، ليس فقط لمواصلة محاربة تنظيم «داعش»، بل “لمراقبة إيران” وقد حشد الرئيس الأمريكي لهذه الغاية دولاً عديدة ضمّها مؤتمراً دولياً انعقد في وارشو (بولونيا)، شباط/فبراير 2019، هدفه لجم إيران وتحجيم مشروعها في سوريا ولبنان واليمن وبلدان أخرى ودفعها للانكفاء للداخل على أمل الإطاحة بنظامها.

           أمّا الإيرانيون فإنهم طالبوا على لسان سفيرهم في بغداد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهو الأمر الذي تبنّاه عدد من قادة الحشد الشعبي والقوى الشيعية المؤيدة لإيران. وتتحرك قوى عراقية برلمانية ومن خارج البرلمان لمناقشة الانسحاب الأمريكي من العراق، علماً بأن عدد القوات الأمريكية غير محدد، لكن رئيس الوزراء العراقي قال إن عددها انخفض من 8 إلى 6 آلاف عسكري. وهذه هي القوات النظامية المعلن عنها، وهناك شركات أمنية وتعاقدات خاصة يمكن أن تندرج في تشكيلات تابعة للقوات الأمريكية.

          ولأن إيران تشكل عنصر إقلاق لـ”إسرائيل”، فإن واشنطن بإلغائها الاتفاق النووي مع طهران، سيزيد من احتمالات قيام ” إسرائيل” بهجوم مباغت ضد إيران، سواء لتوريط واشنطن أو بالاتفاق معها، الأمر الذي قد يؤدي إلى إشعال حروب متعددة في المنطقة، ناهيك عن بعض ردود الأفعال من جانب القوى الموالية لإيران والقوى المؤيدة لخطة واشنطن في تقليص نفوذ طهران، وتبقى اللوحة معقدة وملتبسة ومتناقضة ومتداخلة الولاءات.

          لقد عبّرت إدارة الرئيس ترامب  عن اختلافها مع نهج الرئيس باراك أوباما الذي كانت “إسرائيل” ممتعضة منه، وفي الوقت نفسه لاقت سياسة ترامب إزاء إيران ترحيباً خليجياً لتشدّدها، لكن العراق سيبقى يتيماً وحائراً، وثمة أسئلة لجوجة قد تواجهه وهي أسئلة استباقية، بعضها افتراضي لكنها يمكن أن تثار بوجهه في أية لحظة ، فهل: سيتحول  إلى ممر أو مستقر لقوات أجنبية تخوض صراعات على أرضه، التي سبق وأن تخضبت بالدم لصراع فارسي – عثماني استمر لقرون من الزمان، وهذا يعني إلحاق  الضرر بالعراق وشعبه ومصالحه، ناهيك عن تقاطعات أخرى مع تركيا التي هي الأخرى  لها قاعدة عسكرية ترفض الخروج منها قرب إربيل بزعم مكافحة حزب العمال الكردستاني PKK .

          وعلى الرغم من كل الادعاءات عن استعادة السيادة العراقية منذ العام 2004 وما بعدها  بالخروج من الفصل السابع، فإن الواقع يشير إلى أن قيوداً ثقيلة ما تزال تكبّلها وتحدّ من إرادة العراق المستقلة، فالسيادة ما تزال معوّمة ومنقوصة وهي كذلك منذ أن فُرِض الحصار الدولي على العراق بعد احتلاله للكويت ورضوخه للقرارات الدولية ولنظام عقوبات شامل منذ العام 1990 وإلى اليوم.

          وما وجود قوات أجنبية “برضا” الحكومة العراقية أو بدونه إلّا انتقاص من سيادة العراق وحقه في بسط سلطته على جميع أراضيه والتحكم بثرواته. وستدفع الدولة العراقية أثماناً باهظة بسبب صراعات دولية وإقليمية على أرضها  لا ناقة لها فيها ولا جمل كما يُقال.

  • س 6- أكثر المناطق  العربية السنية في العراق قد دمرت بالكامل إبان حرب داعش، وإن تلك الحرب أدت كذلك إلى إضعاف الدور العربي السني ضمن العملية السياسية في العراق، باعتقادكم كيف يتمكن هذا المكون العراقي المهم من إعادة إعمار مناطقه و لعب دوره المؤثر في العملية السياسية العراقية؟

ج 6-  أنا شخصياً كنت قد تحفظت على مصطلح “المكوّنات” الذي ورد في الدستور عدّة مرّات (في المقدمة مرتين وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142) لأن ذلك ينتقص من مبادئ المواطنة، فالدولة حسب فهمي وقناعتي هي: اتحاد مواطنين أحرار لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، وليس اتحاد مكوّنات، لأن ذلك لن يكون سوى تقاسم وظيفي ديني ومذهبي وإثني، يؤدي على نحو مباشر وغير مباشر إلى الانتقاص من مبادئ المواطنة في الحرية والمساواة والشراكة والمشاركة والعدالة.

           كما كنت قد انتقدت مصطلح “الأقليات” لأنه ينتقص هو الآخر وعلى نحو متعسّف من مبادئ المواطنة بافتراض وجود هوّيات “كبرى”  وأخرى “صغرى” و”أغلبيات” و”أقليات” و”هويّات عليا” و”هويّات دنيا” و” هويّات قوية” و”هويّات ضعيفة” وغير ذلك، وقد تحفّظت على إعلان “حقوق  الأقليات” الصادر عن الأمم المتحدة  العام 1992 وعلى “إعلان الشعوب الأصلية” الصادر العام 2007 ، لاحتوائهما على مصطلح “الأقليات” الذي يستبطن عدم المساواة والهيمنة من جهة، والاستتباع والخضوع من الجهة الأخرى.

          وبالنسبة لحقوق الشعب الكردي فمنذ عقود من الزمان وأنا لا أتوانى من الدعوة لمبدأ حق تقرير المصير بمعناه القانوني والسياسي والإداري، وبالشكل الذي يختاره ويتناسب مع مصالح النضال المشترك، ويشرفني أنني كنت أول من نظّم حواراً معرفياً وفكرياً وثقافياً عربياً – كردياً (العام 1992) لتعزيز الجوامع وتقليص الفوارق والبحث في حلول ومعالجات تصب بأهدافهما المشتركة.

          إن من يرغب في بناء عملية سياسية حقيقية فلا بدّ من العودة إلى المواطنة المتكافئة والمتساوية التي وردت في الدستور، بالرغم من كل التحفظات الواردة عليه، ولا بدّ من إزالة الألغام التي تعترضها مثل “المكوّنات” وإعادة تنظيم العلاقات والصلاحيات والاختصاصات بين السلطات الإقليمية والاتحادية، وذلك وحده يمكن أن يؤدي إلى معافاة الوضع السياسي ويعيد الثقة للناس لبناء دولة مدنية عصرية في إطار “حكم القانون” واستقلال القضاء وفصل السلطات وفي ظل انتخابات نزيهة وحرّة.

          كما يتطلّب الأمر إعداد قانون انتخابي جديد وقانون أحزاب جديد وتنقية الحياة السياسية مما شابها من أمراض وعللٍ لأنها قامت على أساس الزبائنية والحصول على المغانم والامتيازات على حساب الكفاءة والإخلاص، ومثل هذا الوباء أصاب جميع القوى دون استثناء، وإن بدرجات متفاوتة.

          ليس المطلوب مواجهة الطائفية بالطائفية، وضيق الأفق القومي بمثله، بل نبذ التمييز لأنه يمثل فكرة ضارة وخرقاء بجميع معانيها،  فالسنّية السياسية أو الشيعية السياسية ليستا سوى تعبير عن “طائفية” نحن بحاجة إلى وضع ضوابط لمنعها وتحريمها ومعاقبة من يروّج أو يدعو أو يمارس أي فعل من شأنه يدلّ عليها، لأنهما ستسببان انقساماً في المجتمع عمودياّ وأفقياً، ويعطلان أي إمكانية لبناء دولة عصرية تعترف بحقوق الإنسان والمواطنة. وكذلك الحال إثارة النعرات العنصرية والقومية. وكنت قد اقترحت مشروعاً لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة وأعدت نشره في كتابي ” جدل الهويّات في العراق – الدولة والمواطنة”، 2010.

  • س 7- بالنسبة للعلاقات بين كوردستان وبغداد، هناك تقدم وتحسن في تلك العلاقة في الوقت الحاضر، وتتجسد هذه العلاقات فقط في المجالين المالي والاقتصادي، أما بالنسبة إلى المشكلات الرئيسة الأخرى وخاصة بعد عودة القوات العراقية إلى المناطق المتنازع عليها فأنها على حالها و لم تشهد أي تقدم يذكر، هل تعتقدون أن الحكومة الحالية في بغداد تسعى إلى حلحلة المشكلات القائمة مع كوردستان وفق الدستور العراقي؟

ج 7- أعتقد أن حكومة عادل عبد المهدي تسعى إلى حلحلة الأوضاع القائمة بين كردستان وبغداد، وقد اتضح ذلك من مشروع الميزانية الذي رحّبت به حكومة الإقليم، فضلاً عن محاولة التطبيع لبعض المناطق منعاً لأي احتكاك، سواء بتشكيل إدارات مشتركة أو غير محسوبة على أحد الأطراف كما حصل في سنجار مؤخراً.

          وكانت تلك الاحتكاكات من نتائج الدعوة للاستفتاء 25 أيلول/سبتمبر 2017 وردود الفعل التي جوبهت بها، وأعتقد أن الوضع الإقليمي والدولي لا يسمح بتدهور تلك الأوضاع، وعلى العكس من ذلك يمكن أن يسهم إيجابياً بإطفاء بعض المشكلات القائمة، لكن تبقى بعض العقد تحتاج إلى حلول دستورية وتوافقات سياسية طويلة الأمد مثل: مشكلة كركوك والمناطق المتنازع عليها  الواردة في الدستور، ومشكلة النفط واستخراجه وإدارته، ومشكلة الرواتب بما فيها البيشمركة واختصاصات الإقليم والحكومة الاتحادية وغيرها.

          وأعتقد أن عادل عبد المهدي يمكن أن يخلق أجواء أكثر إيجابية من السابق ويوفر إمكانية أكبر للتفاهم ولتسوية بعض المشكلات العالقة، والبحث عن سبل جديدة ومعالجات مختلفة عن تلك التي جرت في السابق. ولا بدّ هنا من الاستفادة من التجربة التاريخية وعدم تكرار الأخطاء، كما لا ينبغي الإفساح في المجال لبعض ردود الأفعال  من التحكم بالعلاقة التاريخية وبالأخوة العربية- الكردية التي كنّا نقول في إطار اليسار العراقي والحركة الشيوعية لسنوات طويلة : على صخرتها تتحطم مؤامرات الاستعمار والرجعية.

حوار بهاء الدين جلال لمجلة كـــــولان

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com